
بكيت كما لم أبكِ من قبل. أما هي… فكانت تبتسم. وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحي للمرة الأخيرة. وفي تلك اللحظة… لم أكن أعرف أن الأيام القادمة ستحمل معجزة لم يتوقعها أحد. معجزة ستغير مصيرنا جميعًا. يتبع… مرت الأسابيع التالية وكأنها سنوات. بدأت سارة رحلة العلاج. كيماوي. تحاليل. أشعة. وجلسات طويلة من الألم والإرهاق. وفي كل مرة كنت أجلس بجوارها. أمسك يدها.
وأحاول أن أبدو قوية. لكن الحقيقة أنني كنت أضعف من أن أتحمل فكرة فقدانها. لقد اكتشفت أختي أخيرًا. ولم أكن مستعدة لخسارتها. أما طفلها الصغير… فقد أصبح جزءًا من حياتي. في البداية كنت أخاف الاقتراب منه. كلما نظرت إلى وجهه كنت أتذكر طفلتيّ. لكن شيئًا فشيئًا… بدأ يملأ الفراغ الذي تركه الحزن. كنت أحمله. أطعمه. أهدهده حتى ينام. وأحيانًا أبقى ساعات أحدق فيه وهو نائم.
وأتساءل كيف يمكن لقلب مكسور أن يجد سببًا جديدًا للحياة. أطلقت عليه سارة اسم “يحيى”. وقالت يومًا وهي تبتسم: ـ سميته يحيى علشان يفضل فاكرنا إن الحياة بتكمل. — بعد ثلاثة أشهر… حدث شيء غريب. استدعاني الطبيب المسؤول عن حالة سارة. دخلت مكتبه وأنا أتوقع أخبارًا سيئة. لكن المفاجأة كانت مختلفة. قال وهو ينظر إلى التحاليل: ـ الاستجابة للعلاج أفضل مما توقعنا.
شعرت بالأمل يتسلل إلى قلبي. ـ يعني إيه؟ ابتسم. ـ يعني الورم بدأ ينكمش بشكل واضح. وضعت يدي على فمي. لم أصدق. بعد كل هذا الألم؟ بعد كل هذه الليالي؟ هل يمكن أن تكون هناك نهاية سعيدة؟ ركضت إلى غرفة سارة. وعندما أخبرتها… بكت. ثم ضحكت وسط دموعها. وكانت تلك أول مرة أراها تضحك من قلبها منذ شهور. — مرت سنة كاملة.
سنة من العلاج. والخوف. والأمل. وفي نهاية السنة أعلن الأطباء الخبر الذي غير كل شيء. سارة أصبحت خالية من المرض. عندما سمعتها تقولها بنفسها للطبيب… انهارت بين ذراعي. وانهارت هي أيضًا. وبكينا كطفلتين صغيرتين. لأننا عرفنا أخيرًا معنى أن يمنحك الله فرصة ثانية. — في ذلك المساء… اجتمعت العائلة كلها لأول مرة منذ سنوات. جلس أحمد بجانبي. وكان يحيى يركض في أرجاء المنزل بعد أن أصبح طفلًا ممتلئًا بالحياة والضحكات.
راقبته سارة بعينين دامعتين. ثم قالت فجأة: ـ فيه حاجة لازم تعرفيها. نظرت إليها باستغراب. فابتسمت. وأخرجت ظرفًا قديمًا من حقيبتها. ناولته لي. ـ ده كان عند بابا. فتحته ببطء. وفي داخله وجدت رسالة صفراء قديمة. كتبها والدي قبل وفاته بأشهر. بدأت أقرأ. وكانت الكلمات تهتز أمام عيني من شدة التأثر. “إلى ابنتيّ… إذا وصلتكما هذه الرسالة فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا.
وأعترف أن أكبر خطأ ارتكبته في حياتي هو أنني تركت الظروف والخوف يمنعاني من جمعكما كأسرة واحدة. سامحاني. لقد أحببتكما بالتساوي. لكنني لم أمتلك الشجاعة الكافية لإخبار العالم بالحقيقة. أتمنى أن يأتي يوم تعرفان فيه بعضكما. وأن تكونا السند لبعضكما عندما أغيب.” لم أستطع إكمال القراءة. انهرت في البكاء. أما سارة فجلست بجواري تبكي هي الأخرى. ولأول مرة شعرت أن أبي عاد إلينا بطريقة ما.
ولو من خلال كلمات مكتوبة منذ سنوات. — مرت ثلاثة أعوام أخرى. وفي صباح ربيعي هادئ… كنت أقف في حديقة المنزل أراقب يحيى وهو يركض خلف الفراشات. وفجأة شعرت بذراعين صغيرتين تلتفان حول ساقي. نظرت إلى الأسفل. فوجدته يرفع رأسه نحوي ويقول: ـ ماما. توقفت. لم أستوعب ما سمعت. ركضت سارة نحونا. وقالت بسرعة: ـ لا يا حبيبي… دي خالتك.
لكن الطفل هز رأسه بعناد. ثم أعاد الكلمة مرة أخرى. ـ ماما. في تلك اللحظة نظرت إلى سارة. وخفت أن يجرحها الأمر. لكنها كانت تبتسم. وتبكي. ثم اقتربت منا. وضعت يدها على كتفي. وقالت: ـ سيبيه يقول اللي هو عايزه. أنتِ مش خالته بس. أنتِ الأم التانية اللي ربته معايا. بكيت. وبكت هي. أما يحيى… فضحك دون أن يفهم لماذا يبكي الكبار.
— اليوم… مرّت سبع سنوات منذ تلك الليلة التي خرجت فيها من العناية المركزة. سبع سنوات منذ الغرفة رقم 8. سبع سنوات منذ اللحظة التي ظننت فيها أن حياتي انتهت. لكنني تعلمت شيئًا مهمًا. أحيانًا يسرق القدر منا أحلامًا لا تعوض. وأحيانًا يكسر قلوبنا حتى نظن أننا لن نبتسم مرة أخرى. لكن الله قد يخبئ خلف أشد اللحظات ظلمة بابًا لم نكن نتوقعه. أنا لم أستعد طفلتيّ أبدًا.
وسيظل مكانهما فارغًا في قلبي إلى آخر يوم في عمري. لكنني وجدت أختًا كنت أجهل وجودها. واستعدت عائلة كنت أظن أنني فقدتها. ورأيت طفلًا صغيرًا يكبر أمام عيني ويملأ البيت بالحياة. ولهذا… كلما مررت بجوار المستشفى التي بدأت فيها القصة… أنظر إلى نافذة الغرفة رقم 8. وأبتسم. لأنها لم تكن الغرفة التي اكتشفت فيها خيانة. بل كانت الغرفة التي اكتشفت فيها أختي. واكتشفت فيها أن الأمل يمكن أن يولد حتى من قلب أكثر الأحزان قسوة.
.يتبع

