انهيا-ر ثم نجاة بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

بقيت كل ساعة في اليوم باهتم بتوأمنا اللي عندهم إعاقة، بينما جوزي مروان كان بيقضي وقته مع السكرتيرة بتاعته… ولما عمّه فؤاد عرف، قرر يلقنه درس عمره ما ينساه.
من تلات سنين، ولادي التوأم لؤي ونوح اتعرضوا لحا-دثة عربية وهم راجعين من المدرسة، ومروان كان هو اللي سايق. الولاد نجوا، بس الحادثة سببت لهم إعاقة خلت حياتهم كلها اتغيرت. دلوقتي عندهم عشر سنين. حياتي كلها بقت أدوية، علاج طبيعي، وحمل لولدين بيكبروا وبيعتمدوا عليا في كل حاجة. من سنين ما نمتش أكتر من 4 ساعات متواصلة. وفي نفس الوقت، مروان كان دايمًا “في الشغل”. بيشتغل في شركة لوجستيات كبيرة في القاهرة تبع أبوه. وكان دايمًا يقولي إن أول ما يبقى مدير تنفيذي، هنقدر نجيب ممرضين يساعدونا.
وصدقته. لحد ما بدأت ألاحظ حاجات غلط. “اجتماعات” بالليل متأخر. “عشا شغل” في الويك إند. لحد يوم الأربع اللي فات، نوح اتزحلق في الحمام. وكنت أنا تعبا-نة في ضهري ومش قادرة أشيله. اتصلت بمروان 17 مرة. سبعتاشر مرة. كلهم تحويلة على الفويس ميل. جارنا هو اللي ساعدني أشيل ابني وهو بيعيط لحد ما نام. مروان رجع البيت الساعة 10 بالليل كأن مفيش حاجة حصلت. وأثناء ما كان في الدش، تليفونه نور برسالة. من “السكرتيرة جيسي”.
“المنظر من الفندق كان حلو زيك تقريبًا. مستنية مشوار الويك إند معاك.” جيسي سكرتيرته عندها 22 سنة. ولما واجهته، ما أنكرش. بالعكس… ضحك. وقاللي إني بقيت “شكلي وحش” دلوقتي عشان دايمًا ريحتي دوايات وتعقُّم وبقيت مرهقة طول الوقت. بعدها بيومين، عمّه فؤاد جه يزور الولاد. لقاني قاعدة بعيط في المطبخ. بعد ما حكيتله كل حاجة، وشه قلب لبرود غريب. قال:
“بكرة الصبح هكلم مروان في الشركة على الساعة 8. هقوله إنه أخيرًا هيتعين مدير تنفيذي.” وبصلي جامد وقال:
“بس اللي هيحصل بعد كده… ده اللي هيكون مشهد عمره ما هيتنسي. هيندم على كل حاجة عملها. خليكي موجودة. لازم تشوفي بعينك.” تاني يوم الصبح، بالظبط الساعة 8، سمعت صوت مروان بيزعق جوه مكتب عمّه فؤاد في مقر الشركة في القاهرة. وبعدين حاجة تقيلة خبطت في الأرض. ولما جريت ناحية الباب، رجلي كادت تقع من الصدمة…
فتحت الباب بسرعة وأنا قلبي بيدق بشكل مش طبيعي.
مروان كان واقف في نص المكتب، وشه أحمر من الصدمة، وملامحه أول مرة أشوف فيها الخوف الحقيقي في عينيه. وعمّه فؤاد كان واقف ورا المكتب… هادي جدًا بشكل مرعب. وعلى الأرض… كان في كرسي مكتب تقيل واقع ومقلوب، كأنه اتسحب بعنف. مروان بصله وقال بصوت متكسر:
“يعني إيه الكلام ده؟! أنا تعبت سنين عشان الشركة دي!” عمّه فؤاد ما ردش بسرعة. بس قرب خطوة واحدة وقال بهدوء:
“تعبت؟ ولا كنت مشغول في حاجات تانية يا مروان؟”
سكت. ثواني كانت تقيلة كأنها دهر. بعدها فؤاد رمى ظرف على المكتب. “دي تقارير المصاريف… رحلات، أوتيلات، تحويلات… وكلها باسم ‘اجتماعات عمل’.” بصيت ناحية الورق وأنا مش مستوعبة. مروان حاول يتكلم:
“دي حياتي الخاصة!” فؤاد قاطعه فجأة، وصوته علي لأول مرة:
“حياتك الخاصة مش هتكون على حساب عيالك اللي قاعدين في البيت محتاجينك!” السكرتيرة “جيسي” كانت واقفة على الباب، وشها شاحب، باين عليها إنها اتفاجئت إنها اتندهت للشركة. فؤاد بص لها وقال ببرود:
“اتفضلي يا آنسة جيسي… احكي لنا عن ‘مشوار الويك إند’ اللي اتكلمتي عنه.”
سكتت. مروان لف ناحيتها بسرعة:
“متتكلميش!” لكن فؤاد رفع إيده:
“خلاص… اتأخر.” جيسي ابتدت تتلخبط، صوتها واطي:
“أنا… أنا مكنتش أقصد… هو كان بيقول إن حياته في البيت انتهت… وإنه مش مبسوط…” بصيت له وأنا حاسة إن الأرض بتسحبني من تحتي. مروان حاول يقرب مني:
“اسمعيني… أنا كنت مضغوط… الولاد، البيت، الشغل…” لكن عمّه فؤاد قاطعه مرة تانية، وقال الجملة اللي خلت المكتب كله يسكت:
“مروان… من النهارده… أنت مش مدير تنفيذي.” سكون. مروان اتجمد:
“إيه؟!”
فؤاد كمل وهو باصص له مباشرة:
“مش بس كده… أنت موقوف عن الإدارة لحد ما التحقيق يخلص.” مروان صرخ:
“إنت بتدمّرني!” لكن فؤاد رد بهدوء قاتل:
“لا… أنت اللي دمرت بيتك بنفسك.” في اللحظة دي، التليفون بتاعي رن. رسالة من الجار:
“ابنك وقع تاني… ومحتاج حد ييجي بسرعة.” قلبي وقع. بصيت لمروان، وبدون تفكير خرجت أجري من المكتب كله، وصوت فؤاد ورايا بيكمل: “وده لسه أول جزء من اللي هيحصل…” ونزلت السلم بسرعة، وأنا مش عارفة هل اللي جاي هيرجعلي حياتي… ولا هيكسر-ها أكتر.
نزلت السلم وأنا قلبي بيدق بسرعة مر-عبة، وكل خطوة كنت بحس إن رجلي تقيلة كأنها مش شايلاها. برا مبنى الشركة في القاهرة، ركبت تاكسي على طول وانا باخد نفس متقطع. طول الطريق، مكالمات الجار كانت بتترن وبتتقطع… وأنا مش قادرة أرد كويس من التوتر. “يا مدام، الولد وقع تاني… نوح مش قادر يقوم لوحده…” وصلت البيت وأنا فتحت الباب بقوة. لقيت نوح قاعد على الأرض، ووشه متألم، ولؤي جنبه بيحاول يمسك إيده الصغيرة. الجارة كانت واقفة وبتحاول تهديه.
جريت عليه:
“حبيبي مالك؟!” رفع عينيه ليّ وهو بيحاول يكتم دموعه:
“ماما… كنت بدور عليك…” في اللحظة دي كل حاجة جوايا اتكسرت. نسيت مروان، نسيت الشركة، نسيت أي حاجة. شيلته بحذر رغم الألم في ضهري، وقعدت أهدّيه وأنا بعيط بصوت واطي. بعد دقائق، الباب اتفتح بقوة. مروان دخل. كان باين عليه إنه جاي بسرعة، وشه متوتر ومشوش. وقف في المدخل، وبص للمنظر… أنا ماسكة ابنه، وهو موجوع، والبيت كله هادي بشكل مؤ-لم. قال بصوت منخفض:
“أنا جيت بسرعة… لما عرفت…”
بس محدش رد عليه. نوح مسك في هدومي أكتر، وكأنه مش عايز يشوفه. مروان قرب خطوة:
“أنا آسف… أنا هصلح كل حاجة…” سكت لحظة، وبعدين بصلي:
“هنجيب أفضل دكاترة… هنغير حياتهم…” لكن عمّه فؤاد ظهر عند الباب فجأة. دخل بهدوء، وبص لمروان وقال:
“الدكاترة مش أول حاجة محتاجينها.” مروان بصله:
“يبقى إيه؟” فؤاد رد وهو باصص على الولاد:
“أبوهم.” سكون غريب خيم على المكان. مروان فتح بقه يتكلم، لكن فؤاد كمل:
“مش مدير… مش رجل أعمال… أب حقيقي.”
مروان نزل عينه لأول مرة. أنا كنت قاعدة على الأرض، حاضنة نوح، ومش عارفة أقول إيه. فؤاد بصلي وقال بهدوء:
“القرار دلوقتي في إيدك يا بنتي… مش إيده.” سكت لحظة. “تقدري تكملّي كده لوحدك… أو تدي له فرصة واحدة بس… بس المرة دي بشروطك أنتِ.” مروان رفع عينه بسرعة:
“أي شروط…” لكن أنا لسه ساكتة. ببص لولادي… وبفكر:
هل لسه في فرصة أصلح بيت اتكسر من جوه؟ ولا خلاص كل حاجة اتغيرت للأبد؟ سكتّ لحظة طويلة، وصوت البيت كان واضح فيه كل حاجة: نفس نوح، وقلق لؤي، وخطوات مروان اللي مش عارف يقف في مكانه.
بصّيت لفؤاد، وبعدين لمروان. “شروط بسيطة… بس مفيهاش رجوع.” مروان هز راسه بسرعة:
“قولّي.” ابتديت أتكلم وأنا حاسة إني أول مرة مش بضعف: “أول حاجة… مفيش شغل بعد الساعة 5.” مروان فتح بقه يعترض، لكن فؤاد رفع إيده يسكته. كملت:
“تاني حاجة… أنت اللي هتوديهم علاج طبيعي. أنت اللي هتقوم بالليل لو صحوا. مش أنا.” سكت البيت كله. “وتالت حاجة… مفيش كذب تاني. لو في حاجة، تقولها في وشي حتى لو هتوجع.” مروان ابتلع ريقه بصعوبة.
“ولو فشلت؟” سأل بصوت واطي. بصّيت له بثبات:
“ساعتها أنا والولاد هنمشي من غير ما نبص ورا.” الكلمة وقعت زي حجر تقيل. فؤاد بصلي بنظرة احترام صامتة، وكأنه كان مستني اللحظة دي من زمان. مروان ما ردش بسرعة… بس بعد ثواني قال:
“موافق.” عدّى أسبوعين. أول يوم كان كارثي. نسي مواعيد الدوا، واتأخر في العلاج الطبيعي، واتصل بيا عشر مرات يسأل على كل حاجة. بس المرة دي… ما هربش. كان بيرجع يعتذر ويصلّح. وفي يوم، لقيته قاعد على طرف سرير نوح بالليل، بيحاول يقرا له قصة بصوت متوتر.
نوح كان ساكت… بيبص له بس. لؤي كان قريب، بيختبره. ومروان لأول مرة ما كانش بيضحك ولا بيتكلم عن شغل. كان بس بيحاول. بعد شهر، العلاج الطبيعي بدأ يجيب نتيجة بسيطة. نوح ابتدى يحرك إيده أكتر. ولؤي ابتدى يضحك تاني. وفي ليلة هادية، وأنا قاعدة في المطبخ، لقيت مروان جاي يقعد قدامي. قال بهدوء:
“أنا فاهم دلوقتي يعني إيه أب.” سكت. وبعدين كمل:
“وأنا كنت أسوأ حاجة ممكن تحصل لهم.” بصّيت له، بس ما اتكلمتش.
هو كمل:
“بس لو لسه في فرصة… أنا مش عايز أضيعها.” في اللحظة دي، سمعت صوت ضحك خفيف جاي من أوضة الولاد. قفلت عيني لحظة. مش عشان نسيت اللي حصل… لكن عشان لأول مرة من سنين… البيت ما كانش ساكت من الألم لوحده. مرّت الشهور بعد الليلة دي بشكل مختلف. مش مثالي… لكن مختلف. مروان ما بقاش نفس الشخص اللي كان بيختفي ورا “الشغل”. كان بيغلط كتير، بيتأخر أحيانًا، وينسى حاجات بسيطة… بس كان دايمًا بيرجع.
مرة في مرة، بقى يعرف مواعيد الدوا من غير ما أسأله. وبقى يحفظ طرق العلاج الطبيعي كأنه هو اللي محتاجها مش بس الولاد. وفي يوم، في مركز العلاج الطبيعي في القاهرة، نوح حاول يقف لوحده لأول مرة من غير مساعدة كاملة. إيده كانت بتترعش، ورجليه مش ثابتة. مروان كان واقف جنبه، ومش بيقول كلمة. أنا كنت ماسكة إيدي لؤي على الطرف التاني، قلبي بيخبط بعن-ف. نوح اتردد… وقع نص وقعة… وبعدين ثبت نفسه تاني. سكون.
وبعدين فجأة، وقف. وقفة صغيرة… لكنها كأنها رجّعت الروح للبيت كله. مروان ما قدرش يمسك نفسه، نزل على ركبته وبكى. بكى بصوت حقيقي، مش زي قبل كده. نوح بص له وقال بصوت واطي:
“بابا… أنا وقفت.” مروان رد وهو بيضحك وعيونه مليانة دموع:
“وأنا كنت لازم أقف معاك من زمان…” بعدها بساعات، رجعنا البيت. فؤاد كان مستنينا. قعد بهدوء وقال:
“أنا خلصت دوري.” بصّيت له:
“يعني إيه؟” ابتسم لأول مرة:
“يعني مروان بقى اللي لازم يكمل لوحده.”
وبعدها قام ومشي من غير كلام كتير. البيت رجع يهدى… بس مش نفس الهدوء القديم اللي كان مليان تعب. كان هدوء فيه حياة. سنين بعد كده… نوح ولؤي كبروا أكتر، وما بقوش محتاجين نفس المساعدة اللي كانت زمان. مروان بقي بيشتغل… بس بيرجع بدري. وأنا بقيت لأول مرة أتنفس من غير ما أحس إن في حاجة بتكسر-ني كل دقيقة. وفي ليلة، وأنا قاعدة في البلكونة، لقيت مروان قاعد جنبي. قال بهدوء:
“فاكرة أول يوم؟” هزّيت راسي.
قال:
“كنت فاكر إني خسرت كل حاجة.” سكت لحظة. “بس الحقيقة… أنا كنت على وشك أخسر أهم حاجة عندي.” بصّيت له:
“وإيه هي؟” بص للسماء وقال:
“البيت.” وسكنا سوا من غير كلام. مش لأن كل الجراح اتقفلت… لكن لأننا أخيرًا وقفنا نصلّحها، بدل ما نسيبها تقع. والمرة دي… ما كانش فيه حد بيهر-ب. حكايات المجهول
