ظهور الام الحقيقيه بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

“بنتي لقت رضيعة متسابّة في عربية خضار قدام السوبر ماركت — ربيتها كأنها بنتي، وبعد 11 سنة ست ظهرت وقالت إنها أمها الحقيقية… أول ما شفت وشها جسمي كله اتجمد.” أنا أم مطـ,ـلقة وعندي طفلين.
بنتي الكبيرة اسمها ملك، عندها 13 سنة، وابني الصغير آدم عنده 6 سنين. أبوهم توفى بعد صراع مع المرض من سنة، ومن يومها وأنا بشقى ليل ونهار علشان أقدر أصرف على البيت وأكفّي العيال. في الليلة دي، اضطريت أتأخر في الشغل، فطلبت من ملك تنزل تجيب شوية طلبات من السوبر ماركت اللي آخر الشارع عندنا في طنطا.
رجعت البيت متأخرة، واستغربت إن ملك لسه ما رجعتش.
وبعدها بدقايق سمعت خبط على الباب. فتحت… واتجمدت مكاني. ملك كانت واقفة وهي شايلة طفلة رضي-عة لسه مولودة بين إيديها، ملفوفة في بطانية خفيفة. ملك كانت بتعيط وهي بتحكي إنها لقتها مرمية جوه عربية تسوق قدام السوبر ماركت. البيبي كانت ساقعة جدًا… وشها أزرق من البرد. جريت لفّيتها في بطاطين وحضـ,ـنتها جامد، وأنا بدعي ربنا تلحق تعيش. بلغت الشرطة ورعاية الطفل، وخدوا البنت. بس من يومها… ماقدرتش أبطل أفكر فيها.
البنت اتحطت في دار رعاية، وكل يوم كنت بحس إن قلبي متعلق بيها أكتر. أنا أصلًا بالعافية بفتح البيت… لكن جوايا كان فيه إحساس بيقول إن البنت دي لازم ترجعلي. وبعد شهور من الإجراءات… تبنيتها رسمي. سمّيتها رحمة. السنين جريت بسرعة، ورحمة كبرت وبقت بنت جميلة وهادية وطيبة، وكأنها متربية وسطنا من يومها الأول. لحد امبارح… كنت في الشغل لما مديرة المدرسة كلمتني بصوت متوتر وقالت: — “يا مدام… لازم تيجي المدرسة حالًا. في ست هنا بتقول إنها والدة رحمة الحقيقية.”
قلبي وقع. سيبت كل حاجة وجريت على المدرسة. دخلت مكتب المديرة، لقيت رحمة قاعدة وهي مرعوبة، والمديرة باين عليها التوتر. وكانت فيه ست قاعدة ومدياني ضهرها. المديرة قالت: — “اتفضلي اقعدي… الست دي جاية تدور على رحمة، وبتقول إنها أمها الحقيقية.” الست قامت وبصتلي. وأول ما شفت وشها… حسيت الدنيا بتلف بيا. عرفتها فورًا. دموعي نزلت لوحدها، وصرخت: — “إنتِ؟! مستحيل… إنتِ بالذات؟!” الست بصتلي بعينين مليانين خوف وتعب، وقالت بصوت مهزوز: — “أيوه… أنا.”
رحمة كانت باصة بينا ومش فاهمة أي حاجة، أما أنا فكنت حاسة إن رجلي مش شيلاني. الست دي كانت سمر… أخت جوزي الله يرحمه. اختفت من 11 سنة كاملة، محدش كان يعرف عنها حاجة. يوم ما اختفت، كانت حامل في آخر شهورها، وكل العيلة قالت إنها هربت مع واحد نصاب كانت ماشية معاه. ومن ساعتها… لا حد شافها، ولا سمعلها صوت. بصيتلها وأنا مصدومة وقلت: — “إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ بعد كل السنين دي؟” سمر حـ,ـضنت نفسها بإيديها وقالت:
— “أنا جاية آخد بنتي.” رحمة اتسمرت مكانها، وبصتلي بخضة: — “ماما… هي بتقول إيه؟” قربت من رحمة بسرعة ومسكت إيدها. — “إهدي يا حبيبتي.” لكن جوايا كان بركان. المديرة حاولت تهدي الوضع وقالت: — “ممكن نفهم الموضوع بهدوء؟” سمر طلعت صورة قديمة من شنطتها، صورة ليها وهي حامل. وقالت: — “رحمة تبقى بنتي فعلًا… وأنا عندي ما يثبت.” أنا بصتلها بغضب: — “وبنتك دي رميتيها في عربية خضار قدام السوبر ماركت زي الكيس القديم!”
سمر انهارت فجأة وعيطت: — “ماكنش بإيدي… والله ما كان بإيدي.” سكت المكتب كله. وبعد ثواني قالت: — “الراجل اللي هربت معاه كان بيضـ,ـربني ويحبـ,ـسني… ولما ولدت، هـ,ـددني ياخد البنت ويبيعها. هربت منه وأنا لسه والدة، وسيبتها قدام السوبر ماركت وأنا فاكرة إن حد شريف هيلقيها أسرع ما أخاطر بيها معاه.” كنت سامعاها… لكن قلبي كان مقفول. 11 سنة. 11 سنة وأنا اللي بصحى معاها، وأنا اللي كنت بحـ,ـضنها لما تخا-ف، وأنا اللي اشتغلت ليل نهار علشان تعيش.
وفجأة تيجي تقول “بنتي”؟ رحمة بدأت تعيط. وقالت بصوت متكـ,ـسر: — “يعني… إنتِ سبتيـني؟” سمر قربت منها، لكن رحمة رجعت لورا فورًا. — “أنا عمري ما سبتك بإرادتي… كنت بمـ,ـوت كل يوم من غيرك.” رحمة بصتلي أنا. النظرة دي كسرتني. خوف… ولخبطة… ووجع. وفجأة قالت الجملة اللي خلتني أعيط قدامهم كلهم: — “أنا عندي أم واحدة بس.” وسكتت لحظة، وبعدها حضـ,ـنتني جامد: — “ومش عايزة غيرها.” سمر غمّضت عينيها وكأن الكلام دبحها. أما أنا… فحـ,ـضنت رحمة أكتر، وحاولت أتماسك.
المديرة قالت بهدوء: — “يمكن الأفضل نكمل الكلام في مكان أهدى.” لكن سمر مسحت دموعها وقالت: — “أنا مش جاية أخطفها… ولا أهد بيتها. أنا بس… كنت محتاجة أشوفها بعيني.” رحمة كانت مستخبية في حضـ,ـني، وإيديها بترتعش. قلت لسمر بحدة: — “بعد 11 سنة افتكرتي إنها عندها أم؟” سمر بصتلي وقالت: — “أنا دورت عليكم سنين… بس ماكنتش أعرف البنت راحت لمين. الراجل ده كان مراقبني طول الوقت، ولما هربت منه كنت ببدأ من الصفر.”
سكتت لحظة، وبعدين طلعت سلسلة صغيرة من جيبها. سلسلة فضة عليها حرف “ر”. وقالت: — “دي كانت ملفوفة مع البطانية يوم ما سيبتها.” اتجمدت مكاني. لأني فعلًا فاكرة السلسلة دي. يوم ما ملك دخلت البيت بالرضيعة، كان فيه سلسلة صغيرة معاها… احتفظت بيها في درج عندي طول السنين دي. رحمة بصتلها بتردد. وسألت بصوت ضعيف: — “إنتِ بجد… ماما اللي خلفتني؟” سمر دموعها نزلت وهي هزت راسها. لكن قبل ما تتكلم، رحمة قالت بسرعة: — “بس هي اللي ربتني.”
وأشارِت عليّا. سمر ابتسمت وسط دموعها. ابتسامة كلها وجع. وقالت: — “وأنا عمري ما هقدر آخد مكانها.” أول مرة أحس إن صوتها صادق. خرجنا من المدرسة، والجو كان بارد والهوا شديد. سمر وقفت تبص لرحمة كأنها بتحاول تحفظ ملامحها. وبعدين قالت: — “ممكن… أشوفك أوقات؟ حتى لو من بعيد؟” أنا كنت عايزة أرفض. قلبي كان مليان خوف. لكن رحمة سبقتني وقالت: — “ممكن أفكر.” سمر هزت راسها بسرعة، كأنها حتى ما كانتش متوقعة الأمل الصغير ده.
وقبل ما تمشي، بصتلي وقالت: — “شكرًا… إنك أنقذتي بنتي.” ماعرفتش أرد. لأن جزء مني كان لسه زعلان منها… وجزء تاني شاف قد إيه هي مكسو-رة. مرت أسابيع. ورحمة فضلت ساكتة أغلب الوقت. لحد ليلة، دخلت أوضتي وهي ماسكة صورة قديمة لينا كلنا. وقالت: — “هو ينفع يكون عندي أمّين؟” قلبي وجعني. قعدتها جنبي وقلت: — “الأم مش بس اللي بتولد يا حبيبتي… الأم كمان اللي بتفضل.” رحمة حـ,ـضنتني وقالت: — “يبقى إنتِ أمي… وهي يمكن تكون بداية حكايتي.”
وفي اللحظة دي… عرفت إن الحب الحقيقي عمره ما بيتقاس بالد-م… لكن بالسنين اللي قضيتها وإنت بتحار-ب علشان حد يفضل بخير.
