الحقيقة المؤجلة بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

بقيت أب وأنا عندي ١٧ سنة. عارف اللي بيحصل في سن الثانوية… حب مراهق-ين وتهور. لما صاحبتي حملت، كنت مرعوب… بس ما هربتش من المسؤولية. كنت بشتغل الصبح وأروح الدروس بالليل علشان أوفر لبنتي كل حاجة تحتاجها. وعدت صاحبتي إني هتجوزها، ولحد ما خلصنا الثانوية، كانت بنتي “مريم” خلاص بقت ماليه عليا الدنيا. بس بعد التخرج بفترة قصيرة، أم مريم قالتلي إن أنا والبنت ضيعنا عمرها… وإنها لسه صغيرة على الجواز والخلفة، وإنها عايزة “تعيش حياتها”.
سابت البيت وسافرت القاهرة تكمل جامعة… وما رجعتش تاني. ولا مكالمة.
ولا رسالة.
ولا حتى سألت على بنتها مرة. وده كان اختيارها… إنما أنا فضلت. ربيت مريم لوحدي. كانت هي دنيتي كلها. ١٨ سنة عدّوا كأنهم يومين. ولقيت نفسي واقف في حفلة تخرجها في جامعة طنطا، بتفرج عليها وهي طالعة تستلم شهادتها… ودموعي بالعافية متحبسة من كتر الفخر. في نفس الليلة، خرجت تحتفل مع صحابها ورجعت البيت متأخر. أول ما دخلت، طلعت أوضتها بسرعة وكأنها مخبية حاجة.
تاني يوم الصبح، سمعت خبط جامد على باب الشقة. فتحت… لقيت ظابطين واقفين قدامي. الدم اتجمد في عروقي. واحد منهم بصلي وقال باحترام: “حضرتك والد مريم؟” قلبي وقع. قولتله:
“أيوه… خير؟ حصل إيه؟” الظابطين بصوا لبعض. وبعدين واحد منهم قال: “يا أستاذ… حضرتك تعرف بنتك عملت إيه امبارح؟” حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي. وبعدين كمل كلامه: “لازم تعرف الحقيقة كلها… بنتك كانت مخبية عنك سر كبير.” ومع كل كلمة كان الظابط بيقولها… كنت حاسس إن الدنيا كلها بتضلم قدام عيني.
الظابط خد نفس طويل، وبصلي بنظرة غريبة ما بين الجدية والتعاطف. وقال: “بنتك يا أستاذ أنقذت حياة بنت تانية امبارح.” استوعبتش اللي سمعته. قولتله بتوتر:
“يعني إيه؟” رد:
“بعد حفلة التخرج، مريم وصحابها كانوا راجعين من كافيه على كورنيش طنطا… وفجأة شافت عربية نقل ماشية بسرعة بطريقة مرعبة.” قلبي كان بيدق بعنف. كمل الظابط:
“في نفس اللحظة، كان فيه طفلة صغيرة بتحاول تعدي الشارع مع أمها… والأم ماخدتش بالها من العربية.” بلعت ريقي وأنا ساكت.
“بنتك جريت من غير تفكير… وزقت الطفلة بعيد قبل العربية بثواني.” اتسعت عيني بصدمة. “لكن مريم اتخبطت هي.” رجلي ضعفت. مسكت طرف الباب علشان ما أقعش. قولت بصوت مهزوز:
“هي… هي كويسة؟!” الظابط هز راسه بسرعة:
“الحمد لله، الإصابة بسيطة. كدمات وجـ,ـرح في كتفها… بس رفضت الإسعاف.” حطيت إيدي على قلبي وأنا بحاول أتنفس. لكن الظابط ما خلصش كلامه. قال:
“المشكلة إن بنتك طلبت من كل اللي كانوا هناك ماحدش يكلمك.” اتجمدت مكاني. “كانت خايفة عليك.”
سكت شوية، وبعدين أضاف:
“وقالت جملة بصراحة… عمرنا ما هننساها.” بصيتله وأنا حاسس دموعي قربت تنزل. قال:
“قالت: أبويا تعب طول عمره عشاني… ومستحيل أخليه يقلق أو يحس إنه ممكن يخسرني.” في اللحظة دي… حسيت قلبي اتكسر واتصلح في نفس الوقت. الظابط مد إيده بحاجة صغيرة. كانت سلسلة فضة مقطوعة. عرفتها فورًا. دي السلسلة اللي كنت جايبهالها من أول مرتب قبضته وأنا عندي ١٨ سنة. قال:
“وقعت منها وقت الحـ,ـادث.” خدتها بإيد بترتعش. وفجأة… سمعت صوت ورايا.
“بابا؟” لفيت بسرعة. لقيت مريم واقفة على السلم، كتفها متربط وشكلها مرهق… لكنها كانت بتبتسم. جريت عليها من غير ما أفكر. حضـ,ـنتها جامد لدرجة إنها ضحكت وقالت:
“آه يا بابا… كتفي!” لكنّي ما قدرتش أسيبها. همست وأنا دموعي نازلة:
“إنتي أغلى حاجة في عمري يا مريم.” سكتت لحظة… وبعدين قالت بهدوء: “وأنت عمرك ما حسستني إني ناقصني حاجة… رغم إنك شيلت الدنيا لوحدك.” وفي اللحظة دي… عرفت إن كل التعب، وكل السنين الصعبة، كانوا يستاهلوا علشان اللحظة دي بس.
دخل الظابطين بعد ما اطمنوا عليها، ومريم كانت محرجة جدًا من كل اللي حصل. قالت وهي بتبصلي بضيق خفيف:
“كنت عارفة إنهم هييجوا يقولولك…” قولتلها وأنا لسه ماسك إيديها:
“وكنتي ناوية تخبي عليا لحد إمتى؟” نزلت عينيها في الأرض وقالت بصوت واطي:
“لحد ما الجـ,ـرح يخف… كنت خايفة تتعب.” واحد من الظباط ابتسم وقال:
“بصراحة يا أستاذ، بنتك عملت حاجة بطولية. الناس كلها كانت بتصور، لكن هي الوحيدة اللي اتحركت.” بصيت لمريم بفخر عمري ما حسيت زيه.
البنت الصغيرة اللي كنت بشيلها على كتفي وأنا راجع من الشغل… بقت ست جدعة تنقذ أرواح. بعد ما الظباط مشيوا، قعدنا سوا في الصالة. عملتلها كوبايه شاي بلبن زي ما بتحب. فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:
“بابا… ممكن أسألك سؤال؟” قولتلها:
“طبعًا.” قالت وهي بتفرك في إيديها بتوتر:
“عمرك زعلت إنك ضيعت شبابك عشاني؟” السؤال نزل عليا كأنه سـ,ـكينة. بصيتلها شوية… وبعدها ضحكت بهدوء. قولتلها:
“إنتي فاكرة إن الشباب يعني خروجات وصحاب وبس؟” سكتت. كملت:
“أنا يمكن ما عشتش حياة اللي حواليا… بس عشت حاجة أهم.”
بصتلي بعينيها الواسعة. قولتلها:
“كل مرة كنتي تنامي على صدري وإنتي صغيرة… كل مرة كنتِ تنجحي… كل مرة تضحكي فيها… كان ده عمري الحقيقي.” بدأت عينيها تدمع. وأنا كمان صوتي اتهز:
“أنا ما ضيعتش حياتي يا مريم… إنتي اللي ادتيني حياة.” في اللحظة دي، انفجرت في العياط. قامت من مكانها وحـ,ـضنتني جامد. وقالت وسط دموعها:
“أنا بحبك أوي يا بابا.” ولأول مرة من سنين طويلة… حسيت إن كل الوجع اللي شيلته لوحدي اختفى. لكن اللي ماكنتش أعرفه… إن المفاجأة الأكبر لسه جاية.
بعد أسبوع بالظبط، وأنا راجع من الشغل، لقيت عربية سودا واقفة تحت البيت. وست نازلة منها ببطء. أول ما شفت وشها… الزمن وقف. كانت “داليا”. أم مريم. بعد ١٨ سنة اختفاء. فضلت واقف مكاني، مش قادر أتحرك. داليا كانت واقفة قدام العمارة، لابسة نضارة سودة وإيديها بتترعش وهي ماسكة شنطة صغيرة. لكن مهما السنين غيرتها… عرفتها فورًا. قلبي اتقبض. مش شوق.
ولا فرحة. وجع قديم رجع فجأة. شالت النضارة ببطء وقالت:
“إزيك يا كريم؟” ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة:
“بعد ١٨ سنة… ده أول سؤال؟”
نزلت عينيها في الأرض. “أنا عارفة إني ما استحقش حتى ترد عليا.” قولتلها ببرود:
“إنتي فعلًا ما تستحقيش.” في اللحظة دي، باب العمارة اتفتح. ومريم نزلت. أول ما شافت الست… وقفت. ملامحها اتغيرت. بصتلي وبعدين بصتلها تاني. وقالت بهدوء مرتبك:
“مين دي؟” داليا بدأت تعيط فورًا. وقالت بصوت متقطع:
“أنا… أمك.” الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب. مريم ما اتكلمتش. ولا حتى رمشت. بس كانت باصة لها كأنها بتحاول تستوعب معنى الكلمة. “أمي؟” داليا قربت خطوة:
“سامحيني يا حبيبتي… أنا غلطت… كنت صغيرة وخايفة…”
لكن مريم رفعت إيديها بسرعة تمنعها تقرب. وقالت بصوت ثابت بشكل صدمنا كلنا:
“لأ.” داليا اتجمدت. مريم كملت:
“الأم مش بس اللي تولد.” بصت ناحيتي. “الأم أو الأب الحقيقي… هو اللي بيفضل.” حسيت دموعي قربت تنزل. داليا كانت بتعيط بانهيار:
“أنا كنت بتابعكم من بعيد… والله ما نسيتك يوم.” سألتها مريم بحدة:
“ولما كنت بتعب؟ لما كنت بخاف؟ لما كنت ببقى محتاجة حد في المدرسة؟ كنتِ فين؟” داليا ما عرفتش ترد. فكملت مريم:
“عارفة مين كان بيصحى الفجر يذاكرلي؟ مين كان بيشتغل شيفتين علشان يجيبلي فستان التخرج؟ مين عمره ما خلاني أحس إني ناقصة؟”
وأشارت عليا. “هو ده أهلي.” داليا انهارت أكتر وقالت:
“أنا جاية أصلح اللي فات.” لكن مريم هزت راسها بهدوء موجع:
“بعض الحاجات… لما بتتكسر بدري أوي، عمرها ما بترجع زي الأول.” لفت ناحيتي، ومسكت إيدي. وقالت:
“يلا يا بابا… ندخل.” دخلنا العمارة وسِبنا داليا واقفة لوحدها. لكن قبل ما نقفل الباب… سمعت صوتها وهي بتقول وسط بكاها: “أنا كنت كل سنة أعد الأيام علشان أشوفها…” وقبل ما أفكر أرد… مريم قالت بهدوء: “وأنا كنت كل سنة أعد الأيام علشان أفهم ليه أمي سابتني.”
واتقفل الباب. ولأول مرة من ١٨ سنة… حسيت إن الماضي خلاص انتهى. بعد أسبوعين، مريم بدأت تلاحظ إن حد بيتابعها. عربية سودا كانت بتقف آخر الشارع كل يوم تقريبًا. وفي مرة، وهي خارجة من الجامعة، لقت ظرف أبيض جوه شنطتها. من غير اسم.
من غير عنوان.
