Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

البنت والناظر بقلم المجهول حصري لحكايات اسما السيد ممنوعه من النسخ

Advertisements

“بابا… الناظر بيضربني ويأذيني لما محدش بيكون موجود.” دي كانت الجملة اللي بنتي “مريم” عندها سبع سنين همستلي بيها في هدوء، وإحنا واقفين في ساحة ركن العربيات بتاعة المدرسة، وقت حفلة الخريف اللي المدرسة عاملاها. كان في أغاني شغالة من سماعات الملعب، والأطفال بيجروا حواليهم ماسكين فشار وغزل بنات، والأهالي واقفين عند عربيات الأكل بيضحكوا ويتكلموا، والمتطوعين بيوزعوا كشري وسندوتشات علشان يجمعوا تبرعات للمدرسة. كل حاجة كانت شكلها طبيعي جدًا. إلا مريم. كانت طول الليلة بتترجاني نمشي بدري — ودي حاجة مش شبهها خالص. هي أصلًا بتحب الحفلات دي: الألعاب، والحلويات، وصحابها.

لكن الليلة دي كانت ماسكة في جاكيتي طول الوقت، وصوتها واطي كإنها خايفة حد يسمعها. “لو سمحت يا بابا… نمشي.” ركبت العربية وساكتة تمامًا. تحت نور الأعمدة الصفرا في الباركينج، وشها كان شاحب بشكل خوّفني. في الأول افتكرت إنها تعبانة أو سخنة شوية. لكن قبل ما أدور العربية، بصّتلي بعين مليانة خوف وقالت: “أنا لازم أوريك حاجة… بس أوعى تزعل مني.” قلبي اتقبض فورًا. “أنا عمري ما أزعل منك يا حبيبتي.” ببطء… رفعت البلوفر بتاعها.

واتجمدت مكاني. كدمات… لونها بنفسجي وأصفر، مالية جنبها وضهرها. في علامات جديدة، وعلامات شكلها بقالها فترة. “مين عمل فيكي كده؟” قلتها بالعافية وأنا بحاول أتمالك نفسي. بصّت للأرض وسكتت ثواني. “الأستاذ شريف… ناظر المدرسة. بس هو قالّي لو حكيت لحد، محدش هيصدقني. قال إن كل الناس بتحبه… وإنهم هيقولوا إني بكدب.”

في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها اسودّت قدامي.

بصّيت على بنتي الصغيرة، اللي المفروض أكبر همّها يكون الواجب ولعبها مع صحابها… ولقيت الخوف مالي عينيها بطريقة عمري ما شوفتها قبل كده. أخدتها في حضني فورًا. “مريم… بصّيلي.” رفعت عينيها بالعافية. “إنتي معملتيش أي حاجة غلط. واللي حصل ده مش ذنبك، فاهمة؟” هزّت راسها بخوف، لكن إيديها كانت بتترعش. وصلنا البيت، وفضلت طول الليل صاحي. كل ما أفتكر شكل الكدمات، دمي كان بيغلي أكتر. تاني يوم الصبح، أخدت صور لكل العلامات اللي على جسمها، وبعدها روحت المدرسة مباشرة.

مدرسة “النور الخاصة” كانت من أشهر مدارس طنطا، والناس كلها كانت بتحترم الناظر الأستاذ شريف. راجل خمسيني، دايمًا لابس بدلة شيك، وصوته هادي، وكل الأهالي بيقولوا إنه “أب لكل الطلبة”. دخلت مكتبه من غير حتى ما أخبط. رفع عينه من الورق وقال بابتسامة باردة:
“أستاذ أحمد، اتفضل.” قفلت الباب وقلت مباشرة:
“إنت عملت إيه في بنتي؟” ابتسامته اختفت للحظة… لكن رجعت بسرعة. “مش فاهم حضرتك.” طلعت الموبايل وورّيته الصور. “دي آثار ضرب على جسم مريم. وهي قالتلي إنك إنت السبب.”

سكت ثواني، وبعدها ضحك ضحكة خفيفة مستفزة. “الأطفال ساعات بيبالغوا يا أستاذ أحمد.” “بتقول إيه؟!” “يمكن وقعت… يمكن حد لعب معاها بعنف. لكن اتهام زي ده خطير.” كنت على وشك أمسك فيه، لكن في اللحظة دي دخلت السكرتيرة على الصوت العالي. بعدها بدقايق، اتنين من المدرسين دخلوا المكتب. والمصيبة؟ كلهم وقفوا في صفه. “الأستاذ شريف مستحيل يعمل كده.”
“ده راجل محترم جدًا.”
“أكيد البنت فاهمة غلط.” حتى واحدة من المدرسات قالت:
“مريم طفلة حساسة شوية.”

حسيت إني أنا اللي متهم. خرجت من المدرسة وأنا مولع من جوايا، لكن ما استسلمتش. رحت القسم وقدمت بلاغ. الظابط سمعني باهتمام في الأول، لكن أول ما عرف اسم المدرسة واسم الناظر، ملامحه اتغيرت. “بص يا أستاذ… دي اتهامات كبيرة، ولازم دليل قوي.” “والصور دي إيه؟!” “ممكن تكون من أي حاجة.” رجعت البيت محطم… لكن لما دخلت أوضة مريم، لقيتها قاعدة في السرير ضامة ركبتها لصدر-ها. أول ما شافتني سألت بصوت صغير: “هما صدقوك؟” وساعتها… قلبي اتكسر فعلًا.

ما عرفتش أرد عليها.

فضلت واقف قدامها ثواني طويلة، وبعدين قعدت جنبها على السرير وضمّيتها لصدري. “أنا مصدقك يا مريم… وعمري ما هسيب حقك.” لكن الحقيقة؟
جوايا كنت حاسس بالعجز لأول مرة في حياتي. الأيام اللي بعد كده كانت جح-يم. مريم بقت ترفض تروح المدرسة. كل صباح كانت تتشبث بيا وتعيط:
“لو سمحت يا بابا، متسبنيش هناك.” وفي نفس الوقت، المدرسة بدأت تتعامل معايا كإني أنا المشكلة. اتصلوا بيا أكتر من مرة علشان “سلوك مريم المتغير”، وإنها بقت “عدوانية” و”منعزلة”.

كأنهم بيحاولوا يقنعوا الكل إنها طفلة مضطربة… علشان محدش يصدقها. وفي يوم، استدعوني لاجتماع مع إدارة المدرسة. دخلت الأوضة ولقيت الأستاذ شريف قاعد بكل هدوء، جنبه الأخصائية الاجتماعية وواحد من أصحاب المدرسة. الأخصائية بدأت الكلام بنبرة باردة:
“إحنا قلقانين على الحالة النفسية لمريم.” بصّيتلها بعدم تصديق.
“الحالة النفسية؟ بنتي بتتعذ-ب!” الأستاذ شريف اتنهد وكأنه متضايق من الموقف كله.
“أستاذ أحمد، إحنا متفهمين خوفك على بنتك… لكن الاتها-مات دي ممكن تدمر سمعة ناس أبرياء.” “أبرياء؟!” الراجل اللي جنبهم فتح ملف وقال:
“بصراحة… في شكاوى من بعض المدرسين إنك بقيت عصبي وبتتصرف بشكل عدواني داخل المدرسة.”

في اللحظة دي فهمت. هما مش بس بيحموا الناظر…
هما بيجهزوا علشان يخلوني أنا المجنون. خرجت من الاجتماع وأنا حاسس إني بخبط في حيطة. لكن بعد يومين… حصل اللي غير كل حاجة. كنت واقف قدام المدرسة مستني مريم تخرج، لما لاحظت طفلة صغيرة واقفة لوحدها بعيد عن الباقيين. كانت تبص حواليها بخوف. فجأة قربت مني بسرعة، وإيديها بتترعش. “حضرتك… بابا مريم؟” استغربت.
“أيوه.” الطفلة بلعت ريقها وقالت بصوت واطي جدًا: “مريم مش بتكدب.” اتجمدت مكاني.

قبل ما أتكلم، كملت بسرعة وعينيها مليانة دموع: “الأستاذ شريف عمل معايا أنا كمان كده… وقال لو اتكلمت، هيطر-د ماما من شغلها في المدرسة.” وفي اللحظة دي… عرفت إن الكابوس أكبر بكتير مما كنت متخيل.

نزلت على ركبي قدام البنت الصغيرة بهدوء.

“اسمك إيه يا حبيبتي؟” بصّت حواليها بخوف قبل ما ترد:
“سجدة.” كانت في تانية ابتدائي، أضعف من إنها تشيل كل الرعب اللي جواها. “مامتك شغالة في المدرسة؟” هزّت راسها بسرعة.
“في الحسابات… بس أرجوك متقولش إني كلمتك.” في اللحظة دي، الجرس ضرب، والبنت جريت وسط الأطفال كأنها خايفة حد يشوفها. رجعت البيت وأنا عقلي هيطق. دلوقتي بقى عندي طفلتين بيقولوا نفس الكلام.
لكن كنت عارف إن الكلام لوحده مش هيكفي. لازم دليل. تاني يوم، ما دخلتش مريم المدرسة.
بدل كده، أخدتها عند دكتورة أطفال أعرفها من زمان.

بعد الكشف، الدكتورة بصّتلي بجدية وقالت:
“الكدمات دي مش طبيعية… وفي آثار واضحة لمسكات عنيفة.” طلبت منها تكتب تقرير رسمي، ووافقت. أول مرة حسيت إن في حد أخيرًا مصدقنا. بعدها حاولت أوصل لوالدة سجدة.
استنيتها برا المدرسة لحد ما خرجت. أول ما عرفت أنا مين، وشها اتغير فورًا. “بنتك كلمتني.” اتجمدت.
“قالتلك إيه؟” “قالت إن الأستاذ شريف بيأذيها.” الست وشها اصفرّ فجأة، وبصّت حواليها بتوتر. “لو سمحت… امشي.” “حضرتك لازم تبلغي!” وفجأة انفجرت في العياط.

“إنت مش فاهم! جوزي ميت… والشغلانة دي أكل عيشنا الوحيد. الأستاذ شريف يعرف أصحاب المدرسة كلهم. لو فتحت بقي، هيرمينا في الشارع.” سكتُّ… لأني لأول مرة أفهم قد إيه الناس كانت خايفة منه. بس الخوف ده كان السبب إنه فضل يعمل اللي بيعمله سنين. قبل ما تمشي، الست همستلي:
“في طفلة تانية نقلت من المدرسة السنة اللي فاتت فجأة… اسمها يارا. أمها كانت بتقول طول الوقت إن البنت بقت تخا-ف من المدرسة.” أول خيط حقيقي.

قضيت الليل كله أدور على أي طريقة أوصل بيها لعيلة البنت.
وبعد ساعات طويلة على فيسبوك، لقيت حساب الأم. بعتلها رسالة طويلة… وحكيت كل حاجة. عدّى يوم كامل من غير رد. وفي آخر الليل، موبايلي رن. رقم غريب. أول ما رديت، سمعت صوت ست مرعوب: “أنا والدة يارا… وإنت لازم تعرف إن بنتي قالت نفس اسم الراجل ده قبل ما تنهار نفسيًا.” وفي اللحظة دي… عرفت إننا فتحنا باب عمره ما كان لازم يفضل مقفول.

بعد مكالمة والدة يارا، كل حاجة بدأت تتحرك بسرعة.

الست قابلتني تاني يوم في كافيه صغير بعيد عن المدرسة، وكانت ماسكة إيد بنتها بقوة كأنها خايفة حد ياخدها منها. يارا أول ما سمعت اسم “الأستاذ شريف” بدأت ترتعش. أمها قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
“السنة اللي فاتت كانت بترجع من المدرسة كل يوم مر-عوبة… تصرخ بالليل، وتعيط لو حد لمسها. ولما سألتها قالت إن الناظر بيحبسها في مكتبه.” طلعت الأم صور قديمة لكدمات في دراع بنتها. نفس العلامات. في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد شكوك.

جمعت كل حاجة:

  • صور كدمات مريم.
  • التقرير الطبي.
  • شهادة سجدة.
  • كلام والدة يارا.
  • والرسائل اللي المدرسة بعتها تتهم مريم إنها “مضطربة”.

ورحت بيهم للنيابة مباشرة.

المرة دي الوضع كان مختلف. خصوصًا بعد ما وكيل النيابة طلب استدعاء الأطفال مع أخصائية نفسية. وبعد أيام قليلة… الخبر انتشر. “اتهامات خطيرة ضد ناظر مدرسة خاصة بطنطا.” المدرسة حاولت تنكر.
وأصحابها طلعوا بيانات دفاع.
وفي ناس كتير قالوا:
“مستحيل الأستاذ شريف يعمل كده.” لكن بعدها… حصلت الصدمة. طفلة رابعة اتكلمت. ثم خامسة. وفي أقل من أسبوع، بقى في أكتر من عيلة بتقول نفس التفاصيل تقريبًا… نفس المكتب، نفس التهد-يدات، نفس الخو-ف. الراجل اللي الكل كان شايفه محترم… كان مستخبي ورا صورته المثالية طول السنين دي.

وفي يوم التحقيق الأخير، وقفت مع مريم قدام باب المدرسة. المكان كان مليان صحافة وأهالي وشرطة. مريم كانت ماسكة إيدي بقوة. وفجأة شافت سجدة وسط الزحمة. البنتين بصّوا لبعض… وبعدها حضنوا بعض من غير كلمة. ولأول مرة من شهور، شفت بنتي تبتسم. ابتسامة صغيرة… لكنها حقيقية. بعدها بساعات، خرج قرار رسمي بالقبض على الأستاذ شريف والتحفظ على ملفات المدرسة للتحقيق. وفي الليل، وأنا بغطي مريم وهي نايمة، همستلي بنعاس: “بابا… هو مش هيعرف يأذينا تاني، صح؟”

بصّيتلها، وحسيت دموعي بتنزل لأول مرة من بداية الكابوس. “لا يا حبيبتي… خلاص. محدش هيقدر يخوفك تاني.” وللمرة الأولى… حسيت إن بنتي رجعت فعلًا. عدّت ست شهور بعد القبض على الأستاذ شريف. القضية قلبت الرأي العام في طنطا كلها.
أهالي كتير اكتشفوا إن أولادهم كانوا راجعين البيت متغيرين من شهور، لكن محدش كان فاهم السبب. المدرسة اتقفلت مؤقتًا، والتحقيقات كشفت إن في موظفين كانوا شاكّين في تصرفاته، لكن الخوف على شغلهم خلاهم يسكتوا. أما مريم… فكانت بتحاول ترجع طفلة طبيعية تاني.

في البداية كانت بتصحى من النوم مفزوعة.
أي صوت عالي كان يخضّها.
وكانت ترفض تبعد عني حتى لدقائق. لكن مع الوقت، وجلسات العلاج، والدعم… بدأت تضحك تاني. وفي يوم، كنت باخدها من جلسة الرسم، لقيتها جارية عليّا بورقة في إيديها. “بص يا بابا!” كانت رسمة بسيطة:
أنا وهي ماسكين إيد بعض قدام شمس كبيرة. وفوق الرسمة كاتبة بخط أطفال متلخبط:
“بابا صدقني.” في اللحظة دي حسيت إن كل التعب، والخو-ف، والحرب اللي دخلناها… كان ليها معنى.

بعد شهور، صدر الحكم. السجن سنوات طويلة للأستاذ شريف، مع منع دائم من العمل مع الأطفال. ولما الخبر اتذاع، تليفوني فضل يرن طول اليوم.
أهالي كتير كانوا بيعتذروا إنهم ما صدقوناش من البداية. لكن أهم حاجة بالنسبة لي… كانت حاجة واحدة بس: إن بنتي أخيرًا بقت تنام وهي حاسة بالأمان. وفي آخر ليلة قبل بداية مدرستها الجديدة، دخلت أوضتها أطمن عليها. لقيتها نايمة وحاضنة الدبدوب بتاعها. وقبل ما أقفل النور، فتحت عينيها بصعوبة وقالت: “بابا؟”

“نعم يا قلب بابا؟” ابتسمت الابتسامة اللي كنت مفتقدها من زمان وقالت: “شكرًا إنك سمعتني.” وساعتها عرفت… إن أوقات، أعظم حاجة ممكن ينقذ بيها أب بنته…
إنه يصدقها. حكـايـات المجهول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!