
رجعت بعد سنتين، فاكر إن عيالي مستنييني مع أمهم… لكن لقيتهم لوحدهم، التلاجة فاضية، وكلب واقف يحرس الباب 🐕💔
وبنتي قالتلي بس:
“ماما سابتنا… وأنا اللي كنت برعى أخويا الصغير.”
وبعدين فتحت جواب من البنك… وعرفت إن اللي جاي أسوأ بكتير. — أمك سابت البيت مع راجل تاني وقالت إنها مبقتش قادرة تستحمل مسؤوليتكم. كانت دي أول جملة سمعها الرائد كريم الشناوي أول ما رجع بيته بعد سنتين تقريبًا في مأمورية بعيدة عن القاهرة.
مافيش حضن، مافيش أكل سخن، مافيش صوت ضحك مالي البيت.
بس بنته ملك، عندها عشر سنين، واقفة عند الباب بعينين مرهقين، شايلة أخوها الصغير ياسين كأنها أمه، وبجنبها “روكي”، الكلب الجرمن العجوز، واقف قدامهم يحرسهم وكأن البيت كله متساب ليه. كريم وقع الشنطة العسكرية من إيده. — ملك… فين مامتك؟ البنت وطت راسها. — مشيت يا بابا… من شهور. قالت إنها هتبدأ حياة جديدة. كنت فاكرة إنها هترجع… بس ما رجعتش.
كريم حس إن الأرض بتتهز تحته.
استحمل تعب وسهر وخطر وسنين بعيد عن بيته… لكن عمره ما اتوجع زي ما اتوجع وهو شايف بنته إيديها ناشفة من الشغل، واليونيفورم بتاع المدرسة متخيط كذا مرة، وفي عينيها نضج أكبر من سنها بكتير. دخل البيت ببطء.
ريحة كتمة ورطوبة وأكل بايت مالية المكان.
في المطبخ طبقين متسابين، وحلة رز ناشفة، وكيس عيش قديم.
فتح التلاجة… ملقاش غير إزازة مية ونص طماطماية. على السفرة لقى كراسة ملك، وموضوع تعبير بعنوان “أسرتي”.
رسمة فيها أب بعيد، وطفل صغير، وكلب كبير… وهي واقفة في النص شايلة كل حاجة لوحدها.
كريم حط إيده على بقه عشان ماينهارش قدامهم. — كنتوا بتاكلوا منين؟ ملك حضنت ياسين أكتر. — طنط أم محمود كانت ساعات تبعتلنا أكل… وأنا كنت ببيع جيلي في المدرسة. وروكي كان بيخوف أي حد ييجي يطالبنا بفلوس. ياسين استخبى ورا رجل أخته وهمس بصوت صغير: — ماما قالت إن ملك كبرت وبقت ست بيت. كريم قفل عينيه.
الجملة دي وجعته أكتر من أي إصابة خدها في حياته. ليلتها حمّى عياله، وعمل بيض بالعافية بالحاجات اللي لقاها، ونام جنب سريرهم عشان ياسين كان بيعيط كل ما يحس إنه لوحده.
أما روكي… فنام قدام الباب لأول مرة وهو مطمن.
تاني يوم، كريم راح المدرسة.
المديرة استقبلته بنظرة فيها غضب وراحة في نفس الوقت. — يا رائد، بنتك بقالها شهور بتيجي المدرسة ماسكة إيد أخوها، توديه الحضانة وترجع تحضر حصصها. عمرها ما اشتكت… كانت دايمًا تقول إن مامتها “مشغولة”. المدرسة وريته تقارير متأخرة، ومصاريف متراكمة، وورقة صغيرة خلت قلبه يتكسر. كانت ملك كاتبة: “محدش يقول لبابا… عشان هو بيحمي الناس.” خرج كريم من المدرسة ودمه بيغلي.
ووعد نفسه إن عياله عمرهم ما هيجوعوا ولا يخافوا تاني.
لكن أول ما رجع البيت… لقى ظرف أصفر مرمي عند الباب باسمه. فتحه… وكان إنذار طرد من الشقة بسبب ديون هو أصلًا ما مضاش عليها. وساعتها عرف… إن الكارثة الحقيقية لسه ما بدأتش. كريم فضل واقف قدام باب الشقة والورقة بتترعش في إيده.
قرأ الإنذار مرة… واتنين… وتلاتة. المبلغ ضخم.
أقساط متأخرة، وفوايد، وتوقيع باسمه على عقد قرض عمره ما شافه. دخل البيت ببطء وهو حاسس إن في حاجة مستخبية أكبر من مجرد هروب أم العيال.
ملك كانت قاعدة على الأرض بتذاكر على نور أباجورة صغيرة. — بابا… إحنا هنمشي من هنا؟ كريم بص لبنته وسكت ثواني. — طول ما أنا عايش، محدش هيطردكم. لكن جواه… ماكنش متأكد. في نص الليل، وبعد ما العيال ناموا، بدأ يفتش في البيت.
فتح الأدراج، قلب الورق القديم، لحد ما لقى ملف متخبي تحت السرير. كل ورقة فيه كانت صدمة. إيصالات بيع دهب والدته.
وصل أمانة باسمه.
عقد قرض من بنك في مدينة نصر.
وصور لتحويلات فلوس لحساب شخص اسمه “هاني السيوفي”.
وفجأة افتكر. هاني…
زميل قديم لمراته ندى.
كان بييجي البيت أوقات وهو مسافر. إيده اتقبضت بعنف. لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر ورقة. شهادة من حضانة ياسين بتثبت إن المصاريف مدفوعة أول شهرين بس… وبعدها اتشطب اسمه أكتر من مرة بسبب التأخير. يعني العيال كانوا بيتطردوا من الحضانة… وملك كانت بتستخبى عشان محدش يعرف. في اللحظة دي سمع صوت خبط خفيف على الباب. روكي قام مرة واحدة وبدأ يهوهو. كريم فتح الباب بحذر… فلقى طنط أم محمود، الجارة العجوز، شايلة حلة أكل.
بصتله بعين كلها شفقة. — حمدالله على سلامتك يا ابني. — الله يسلمك يا طنط… هو إيه اللي حصل هنا؟ الست تنهدت. — مراتك اتغيرت من بعد ما سافرت. الأول كانت بتخرج كتير… بعدين الراجل ده بقى ييجي ياخدها بالعربية. وفي يوم اختفت. كريم بلع ريقه بصعوبة. — وسابت العيال كده؟ الست مسحت دمعة نزلت منها. — لا… في الأول كانت بتيجي يوم كل أسبوع. بعدين كل شهر. لحد ما بطلت خالص. والبنت دي… والله العظيم شالت البيت كله فوق دماغها.
وبعدين قربت منه ووطت صوتها: — بس خلي بالك… قبل ما تمشي بأسبوع، كان في راجلين جم هنا بيسألوا عليك. شكلهم مش مريح. كريم حس بالخطر فورًا. — كانوا عايزين إيه؟ — قالوا إن ليك فلوس عند ناس كبيرة… وإن الدور عليك أول ما ترجع. في اللحظة دي، كريم فهم إن الموضوع أكبر من ديون. حد استخدم اسمه… وغرقه في مصيبة وهو بعيد. وفجأة، سمعوا صوت عربية وقفت تحت البيت. روكي بدأ يعوي بعنف. ملك خرجت مرعوبة من الأوضة:
— بابا… دول نفس الرجالة اللي كانوا بييجوا زمان! كريم جرى بسرعة ناحية الشباك وبص بحذر من بين الستارة. عربية سودا واقفة تحت العمارة.
وفيها راجلين ضخمين نازلين منها ببطء، وشكلهم مايبشرش بأي خير. روكي وقف قدام الباب وهو بيزمجر بعنف. ملك حضنت ياسين بخوف. — بابا… هما كانوا بيخبطوا كتير لما ماما اختفت… وأنا ماكنتش بفتح. كريم حس بقلبه بيتقطع.
بنت عندها عشر سنين كانت شايلة خوف أكبر من سنها بكتير. طفّى نور الشقة بسرعة، وبص للجارة.
— طنط أم محمود، خدي العيال عندك حالًا. — وأنت؟ — هخلص الموضوع. لكن ملك مسكت إيده بسرعة. — لا يا بابا… متسبناش. ركع قدامها ومسح على شعرها. — محدش هيقدر ياخدني منكم تاني… أوعدك. أم محمود خدت العيال بسرعة، وروكي رفض يتحرك غير لما ياسين خرج الأول. بعد دقايق، صوت خبط جامد هز الباب. — افتح يا كريم بيه… عارفين إنك رجعت. كريم فتح نص فتحة بس. الراجل اللي واقف كان أصلع، عنده دقن خفيفة وعينه كلها برود.
— أخيرًا ظهرت. — إنت مين؟ الراجل ضحك. — إحنا ناس لينا عندك فلوس كتير. — وأنا معرفكوش. الراجل طلع ورق من الجاكيت ورماه عليه. — مراتك كانت بتمضي مكانك… وتاخد قروض باسمك. وإحنا صبرنا احترامًا لشغلك. بس دلوقتي الحساب جه. كريم قلب الورق بسرعة.
الأرقام خرافية. — مستحيل… أنا ما مضتش على أي حاجة. — قول ده للمحكمة بقى. وبعدين قرب منه أكتر وقال بصوت واطي: — أو هات مراتك. الجملة ولعت النار جواه.
— أنا ماليش دعوة بيها من اللحظة اللي سابت فيها عيالي. الراجل بصله شوية… وكأنه بيقيسه. — المشكلة إن في ناس فوقينا مش فارق معاهم مراتك ولا الفلوس… هم عايزين حاجة هي خبتها عندك. كريم اتجمد. — حاجة إيه؟ لكن الراجل ما ردش، بس بص جوه الشقة كأنه بيدور على حاجة بعينه. وفجأة… روكي خرج من الضلمة مرة واحدة وهاجم الراجل بعنف. الراجل وقع وهو بيشتم، وصاحبه طلع مطوة بسرعة. في أقل من ثانية، كريم رجع العسكري اللي جواه.
مسك إيد الراجل، لوّاها بعنف، ووقعه على الأرض.
صوت صريخ وضرب ملي المكان. الجيران فتحوا الشبابيك. والراجل الأصلع قام وهو بيبص لكريم بكره واضح. — إنت دخلت نفسك في مصيبة أكبر منك يا حضرة الرائد. وقبل ما يمشي، قال جملة خلت الدم يتجمد في عروق كريم: — مراتك ما هربتش بس… مراتك سرقت ناس خطر جدًا. ولو ما لقيناش اللي أخدته… الدور الجاي هيكون على عيالك. 💔 الباب اتقفل… لكن كلام الراجل فضل بيرن في ودان كريم طول الليل. “الدور الجاي هيكون على عيالك.”
الجملة دي كانت كفاية تخليه مستعد يحارب الدنيا كلها. دخل شقة طنط أم محمود لقى ملك نايمة وهي حضنة ياسين، كأنها خايفة يختفي منها هو كمان.
روكي كان نايم عند رجليهم، لكنه أول ما شاف كريم رفع راسه وكأنه بيطمن إن صاحب البيت رجع أخيرًا. كريم قعد جنب بنته ومسح على شعرها بهدوء.
ولأول مرة من ساعة رجع… سمح لنفسه ينهار. دموعه نزلت بصمت. مش خوف على نفسه…
لكن وجع إنه ماكنش موجود وهم بيتكسروا لوحدهم.
وفجأة افتكر حاجة. قام بسرعة ورجع الشقة يدور في كل ركن من جديد.
ندى كانت ذكية… ولو فعلًا مخبية حاجة، أكيد مش هتسيبها بسهولة. فتح الدولاب، قلب الهدوم، فك الأدراج… لحد ما لاحظ إن في بلاطة تحت السرير مختلفة شوية. ركع على الأرض وشالها بحذر. وكان تحتها صندوق معدني صغير. قلبه بدأ يدق بعنف. فتح الصندوق… ولقى جواه فلاشة، وصور، وجواز سفر باسم ندى… لكن باسم عيلة مختلف. الأخطر من ده كله كان ظرف أبيض مكتوب عليه بخط إيدها:
“لكريم… لو رجعت قبل ما يوصلوا لي.” إيده كانت بتترعش وهو بيفتح الجواب.
