Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

وعد تحت السما حكايات المجهول

Advertisements

نفسي أبقى أم أكتر من أي حاجة في الدنيا. أنا وجوزي حاولنا سنين. دكاترة. تحاليل. علاج. آلاف الجنيهات راحت. وأدوية ملهاش آخر. وبرضه… كل مرة الحمل ما يكملش.

جوزي كان طيب وصبور، بس كنت بشوف الخوف اللي مستخبي في عينيه كل ما أقوله: “يمكن المرة الجاية”. في ليلة، بعد خامس مرة أفقد فيها البيبي، قعدت على أرضية الحمام ورفعت إيدي لربنا لأول مرة في حياتي. “يارب”، همست وأنا بعيط، “لو رزقتني بطفل… أوعدك إني هكون سبب في نجاة طفل تاني. لو بقيت أم، هدي بيت لطفل مالوش بيت”. بعدها بعشرة شهور، كنت شايلة بنتي الصغيرة “سلمى” بين إيديا. كانت كاملة. جميلة. صوتها مالي البيت حياة.

وعمري ما نسيت وعدي. في أول عيد ميلاد لسلمى، وإحنا بنعلق الزينة في شقتنا في مدينة نصر، وروائح التورتة مالية المكان، كنا بنمضي آخر ورق تبني لطفلة اسمها “رحمة”. الطفلة دي كانت متسابِة ليلة رأس السنة جنب شجرة الكريسماس الكبيرة في وسط البلد، ملفوفة في بطانية خفيفة، ومن غير حتى ورقة عليها اسمها. ومن اليوم ده، بقى عندي بنتين. سلمى كانت جريئة وواثقة في نفسها. رحمة كانت هادية، بتراقب كل حاجة حواليها، وحساسة جدًا. كانوا مختلفين، لكن حبي ليهم عمره ما فرق بينهم.

كنت بعمل نفس السندوتشات للاتنين. أبوس نفس الركب المتعورة. وأقعد في نفس حفلات المدرسة والسهرات اللي آخر الليل. حكـايـات المجهول والسنين عدت. سبعتاشر سنة بالظبط. في الليلة اللي قبل حفلة تخرج رحمة، وقفت عند باب أوضتها وأنا ماسكة موبايلي، مستنية أصورها. لكن هي ما بصتش ليا. قالت بصوت واطي:
“ماما… إنتِ مش هتحضري حفلة تخرجي”. ابتسمت وأنا مستغربة.
“إيه؟ طبعًا هاجي”. لفّت تبصلي أخيرًا. عينيها كانوا حمر، وفكها مشدود. قالت:
“لا… مش هتيجي. وبعد الحفلة… أنا همشي”.

قلبي وقع. “تمشي؟ ليه؟”، سألتها. بلعت ريقها وقالت:
“سلمى قالتلي الحقيقة كلها عنك”. وفجأة… الأوضة كلها بقت ساقعة.

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتنفس.

بصيت لرحمة وقلبي بيدق بعن-ف.
“حقيقة إيه؟” مسحت دموعها بسرعة، كأنها مكسوفة تضعف قدامي.
“إنكِ عمرك ما حبيتيني بجد… وإنكِ أخدتيني بس عشان تنفذي نذر”. حسيت إن حد ضربني في صدري. “مين قالك الكلام ده؟” ردت وهي بتبص بعيد:
“سلمى سمعتك زمان وإنتِ بتحكي لخالتو عن الوعد اللي وعدتيه لربنا… وإن ربنا رزقك بيها بعد ما قولتي إنكِ هتربي طفل مالوش حد”. سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت مكسور:
“أنا كنت مجرد وعد يا ماما؟ مجرد دين بتسدديه لربنا؟”

الدموع نزلت من عيني فورًا. “رحمة… لا. والله لا”. لكنها قامت بعصبية.
“يبقى ليه عمرك ما قولتيلي؟ ليه كل الناس عرفت إلا أنا؟” ماعرفتش أرد. لأن الحقيقة… إني فعلًا كنت خايفة. خايفة تحس يوم إنها دخيلة.
خايفة تفكر إن وجودها مرتبط بحاجة غير الحب. قربت منها ببطء.
“بصيلي يا رحمة”. لكنها رفضت. قلت وأنا صوتي بيترعش:
“أيوه… أنا وعدت ربنا إني لو بقيت أم هتبنى طفل. بس أول مرة شيلتك فيها بين إيديا، الوعد انتهى… وابتدى الحب”.

بدأت تبكي أكتر. كملت:
“إنتِ مش مشروع خير. ولا صدقة. ولا واجب. إنتِ بنتي. من أول يوم دخلتي فيه البيت ده”. رحمة شهقت وهي بتحاول تمنع دموعها.
“بس أنا مش شبهكم… عمري ما حسيت إني شبهكم”. ضحكت وسط عياطي.
“وهو سلمى شبهنا؟ دي عنيدة أكتر من أبوها نفسه”. طلعت منها ضحكة صغيرة رغمًا عنها. قربت أكتر ومسكت إيديها.
“عارفة أكتر لحظة خوفت فيها في حياتي؟” هزت راسها بالنفي. “يوم الحرارة عليت عندك وإنتِ عندك خمس سنين، والدكتور قال لازم نروح المستشفى حالًا. وقتها فهمت إن قلبي متعلق بيكي بنفس الطريقة اللي متعلق بيها بسلمى… ويمكن أكتر”.

بصتلي أخيرًا. ولأول مرة من ساعة ما دخلت الأوضة، شفت الطفلة الصغيرة اللي كنت بهدهدها زمان. همست:
“بجد يا ماما؟” حضنت وشها بين إيديا.
“إنتِ بنتي يا رحمة. والرحم مش هو اللي بيصنع الأم”. وفجأة ارتمت في حضني وعيطت بصوت عالي، كأنها شايلة خوف السنين كلها جواها. وأنا حضنتها بكل قوتي.
كأني بخاف الدنيا تاخدها مني. بعد شوية، قالت وهي لسه في حضني:
“أنا آسفة”. بست راسها.
“لا يا حبيبتي… حقك تخافي”. وفي اليوم التاني، وقفت أنا وأبوها في حفلة التخرج، بنسقف بأعلى صوت.

ولما نادوا اسم:
“رحمة أحمد الشناوي”… لفّت وسط الزحمة تدور علينا. ولما عينيها جت في عيني… ابتسمت. حكـايـات المجهول الابتسامة اللي خلتني أتأكد إن بعض العلاقات… الدم عمره ما كان شرط فيها.

بعد التخرج بكام أسبوع، البيت رجع هادي تاني.

سلمى كانت مشغولة في دروس الجامعة، ورحمة بدأت تجهز للكلية والسفر للقاهرة عشان الدراسة. لكن رغم إن الأزمة عدّت… كنت حاسة إن في حاجة اتكسرت بين البنتين. بقوا بيتعاملوا عادي قدامي، لكن البرود بينهم كان واضح.
لا ضحك زي زمان.
لا أسرار.
لا سهرات في أوضة واحدة. وفي ليلة، صحيت على صوت خبط خفيف في المطبخ. نزلت لقيت رحمة قاعدة لوحدها، بتشرب مية. أول ما شافتني، حاولت تقوم.
لكن قلت:
“خليكي”. قعدت قدامها بهدوء.
“لسه زعلانة من سلمى؟”

سكتت شوية.
“مش عارفة”. “هي غلطت”. هزت راسها.
“عارفة… بس يمكن كانت عندها حق”. اتنهدت.
“لا، ماكانش عندها حق إنها تجرحك”. رحمة بصتلي وسألت السؤال اللي كنت خايفة أسمعه:
“لو خلفتي بعدي… كنتي هتفضليني؟” قلبي وجعني. مديت إيدي ومسكت إيديها.
“إنتِ فاكرة يوم ما وقعتي من العجلة وإنتِ صغيرة؟” ابتسمت رغمًا عنها.
“واتكسرت إيدي”. ضحكت.
“أيوه… والدكتور قال لازم عملية”. هزت راسها. “يومها أنا كنت حامل”. وشها اتغير.
“إيه؟” أومأت ببطء.
“حمل استمر 3 شهور… وبعد العملية بيومين فقدته”.

رحمة شهقت.
“إنتِ عمرك ما قولتيلي”. ابتسمت بحزن.
“لأن وقتها، كل اللي كان هاممني إنك تبقي كويسة”. الدموع لمعت في عينيها. كملت:
“ربنا ما رزقنيش طفل تاني بعدك إنتِ وسلمى. ويمكن عشان كده فهمت حاجة مهمة… إن العيلة مش مين جه الأول، ومين من الدم. العيلة هي مين خاف عليك، وسهر جنبك، ودعا لك وهو مرعوب يخسرك”. رحمة بدأت تعيط بهدوء. وفي اللحظة دي، سمعنا صوت وراينا:
“ممكن أنا كمان أقعد؟” لفّينا لقينا سلمى واقفة عند باب المطبخ.

كانت عينيها وارمة من العياط. قربت ببطء وهي بتبص لرحمة.
“أنا آسفة”. رحمة ما ردتش. سلمى كملت:
“أنا كنت غيرانة منك”. أنا ورحمة بصينا لبعض باستغراب. قالت وهي بتمسح دموعها:
“إنتِ دايمًا كنتِ الأقرب لماما. كنتِ أهدى، أحن، وكل ما ماما تبصلك كنت بحس إنها شايفة حاجة أنا مش عارفاها”. رحمة همست:
“إنتِ مجنونة؟ أنا طول عمري فاكرة إنها بتحبك أكتر”. سلمى ضحكت وسط دموعها.
“واضح إننا إحنا الاتنين أغبيا”. ولأول مرة من شهور… ضحكوا سوا.

بصيت للبنتين قدامي، وحسيت بحاجة دافية جوا قلبي. مش لأن حياتنا كانت كاملة.
لكن لأن الحب الحقيقي عمره ما بيكون كامل… هو بس بيختار يفضل موجود، حتى بعد الوجع.

مرت سنين بسرعة.

رحمة اتخرجت من كلية الإعلام، وسلمى بقت دكتورة أطفال زي ما كانت بتحلم. والبيت اللي كان زمان مليان لعب وصريخ، بقى هادي بشكل يوجع القلب. أنا وأبوهم بقينا نستنى مكالماتهم أكتر ما بنشوفهم. لكن كل جمعة، كانوا يرجعوا البيت.
حتى لو لساعتين. وكان ده كفاية يحيينا من جديد. وفي يوم، رحمة دخلت البيت وهي متوترة بشكل غريب. وشها شاحب، وإيديها بتترعش. قلقت فورًا.
“مالك يا حبيبتي؟” بصتلي وسكتت. سلمى كانت قاعدة على الكنبة، أول ما شافتها قامت بسرعة.
“في إيه؟”

رحمة خدت نفس طويل… وقالت:
“أنا لقيت أمي”. الدنيا سكتت. حتى صوت التلفزيون اختفى من وداني. قعدت ببطء وأنا حاسة إن الأرض بتميد بيا.
“إزاي؟” طلعت ورقة قديمة من شنطتها.
“واحدة ست راحت دار الأيتام من أسبوع… كانت بتسأل عن بنت اتسابِت ليلة رأس السنة من 22 سنة”. قلبي بدأ يدق بعنف. “وقالت إيه؟” رحمة بلعت ريقها.
“قالت إنها كانت صغيرة… وخايفة… وإن أهلها جبروها تسيبني”. سلمى قربت منها فورًا.
“وإنتِ قابلتيها؟” هزت راسها ببطء.
“مرة واحدة”.

ماقدرتش أسأل السؤال اللي كان بيقتل-ني:
“وهتحبيها؟” لكن رحمة فهمت. قربت مني وقعدت على الأرض قدامي، زي ما كانت بتعمل وهي صغيرة. مسكت إيدي وقالت:
“هي ممكن تكون الست اللي خلفتني… لكن إنتِ أمي”. الدموع نزلت مني غصب. كملت:
“عارفة أول حاجة سألتني عليها؟” هزيت راسي. قالت بابتسامة باهتة:
“سألتني إذا كنت اتربيت كويس… وإذا حد حبني فعلًا”. صوتها اتكسر. “وقتها افتكرتك فورًا”. ماقدرتش أتكلم.
حضنتها بس. حضنتها بنفس الخوف الأول… ونفس الحب الأول. وبعد شوية، قالت وهي بتضحك وسط دموعها:
“على فكرة… هي قالتلي إني واخدة طيبة قلبي منك”.

ضحكت وسط عياطي.
“أمال من مين يعني؟” سلمى اتدخلت وهي بتمثل الغيرة:
“طب وأنا؟” بصيتلها وقلت:
“إنتِ واخدة العند من أبوكي”. البيت كله انفجر ضحك. وفي اللحظة دي… فهمت حاجة كنت بدور عليها عمري كله: الأمومة مش معجزة بتحصل لحظة الولادة. الأمومة… هي كل مرة تختار تحب فيها حد كأنه قطعة من روحك. مع تحياتي المجهول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!