
رن تليفوني. هشام. الشاشة نورت باسمه. الكل بصلي. تركته يرن. رن تاني. وتالت. بعدها وصلت رسالة صوتية. شغلتها على السماعة. صوته كان غاضب ومتوتر: “سارة، إنتِ بتلعبي لعبة أكبر منك. أمي تعبانة بسببك، وأنا مش هسكت على اللي عملتيه. خالك قاللي إنك ماسكة ورق مش من حقك. رجعي البيت واتكلمي زي الناس بدل الفضايح.” سكت التسجيل لحظة، ثم سمعت صوت حماتي بعيد بتقول: “قولها لو مرجعتش هنبهدلها سمعتها في الشغل.” ثم رجع صوت هشام: “آخر فرصة. بلاش تخليني أقسى.”
أستاذ مروان ابتسم ابتسامة باردة وقال: “جميل جدًا. تهديد مسجل.” أنا ما ابتسمتش. لأن صوت هشام ما وجعنيش زي ما كنت متخيلة. الغريب إني حسيت بفراغ. كأن الشخص ده بقى غريب تمامًا. واحد كان عايش معايا، بياكل من تعبي، بينام في بيت دفعت تمنه، ولما الدنيا اتكشفت، اختار اللي يهددني بدل ما يراجع نفسه. قلت لمروان: “اعمل كل الإجراءات.” ثم بصيت للحاج عوض: “وهنروح المدافن.” كريم قال: “دلوقتي؟” قلت: “قبل ما الليل يطول أكتر.” مروان قال: “مش لوحدكم. نطلع بعربيتين ومعانا أمن. ونبلغ حد موثوق في القسم من غير تفاصيل كتير.” هزيت راسي.
قبل ما نتحرك، دخلت الحمام في الشركة أغسل وشي. وقفت قدام المراية. نفس الوش اللي كان من ساعات واقف وسط هدوم متقطعة. بس النظرة اتغيرت أكتر. بقيت حاسة إن اللي اتقطع ما كانش هدومي. اللي اتقطع كان الخيط الأخير بيني وبين الخوف. فتحت شنطتي وطلعت صورة صغيرة لأمي كنت دايمًا حاطاها في المحفظة. بصيتلها وقلت بصوت واطي: “أنا ماشية وراكي يا ماما. بس يا ريت تكوني سايبالي طريق أرجع منه.”
طلعنا بعد نص ساعة. عربيتين. أنا مع مروان ومها، وكريم مع الحاج عوض في العربية التانية. الطريق للمدافن كان طويل ومظلم. الشوارع بدأت تفضى. وكل ما نقرب، قلبي يضرب أقوى. المدافن كانت في أطراف المدينة القديمة. مكان واسع، ساكت، والهواء فيه ريحة تراب ورطوبة وحكايات منسية. نزلنا. الحارس العجوز هناك عرف الحاج عوض، وفتح لنا البوابة بعد تردد. قال: “زيارة في الوقت ده؟” الحاج عوض رد: “ضرورة يا عم جابر.” الراجل بص لنا بشك، لكنه سكت.
مشينا بين الممرات الضيقة. أسماء على رخام. تواريخ. صور باهتة. كنت ماشية كأني بدخل جوه ماضي عيلتي. الحاج عوض وقف قدام مقبرة قديمة عليها اسم جدي. دخلنا من الباب الحديد. جوه كان المكان هادي بشكل يخوف. الحاج عوض شاور على بلاطة جانبية متربة وقال: “هنا. تحت اسم ياسين.” مسحت التراب بإيدي. ظهر الاسم محفور بخط قديم: ياسين عبد الرحمن. تحت الاسم مفيش تاريخ وفاة. بس تاريخ ميلاد. اتجمدت. قلت: “مفيش تاريخ وفاة.” الحاج عوض قال: “علشان أمك عمرها ما صدقت إنه مات.”
مروان نزل على ركبته وبدأ يرفع البلاطة بحذر بمساعدة كريم. احتاجوا دقائق. كل ثانية كانت بتعدي كأنها ساعة. ولما البلاطة اترفعت، ظهر تجويف صغير ملفوف بقماش مشمع. إيدي اترعشت وأنا بمدها. مروان قال: “استني. أنا أطلعه.” طلعه وحطه قدامنا. القماش كان قديم لكنه محافظ على اللي جواه. فتحناه.
ملف معدني صغير. وجواه أوراق أصلية. عقود ملكية. شهادة ميلاد ياسين. تنازل قديم غير مكتمل. وخطاب بخط جدي. مروان بدأ يقرأ بسرعة. وشه اتغير. قال: “سارة… الورق ده يثبت إن عبد الحميد مالوش حق في الأرض تقريبًا.” قلبي وقف. “يعني إيه؟” قال: “جدك كان كاتب الجزء الأكبر باسم ياسين وأمك. وعبد الحميد كان له مبلغ تعويض فقط لأنه أخد نصيبه نقدًا زمان.” الحاج عوض قال: “أيوه. هو قبض حقه وبدده، وبعدين رجع يطالب بالأرض.”
كريم كان ماسك شهادة ميلاد ياسين. فجأة قال: “استنوا.” بصينا له. قال: “في ملحوظة مكتوبة على الضهر.” قرأ بصوت منخفض: “في حالة غياب ياسين أو وفاته، تؤول حقوقه إلى نسله الشرعي، وإن لم يوجد، إلى شقيقته فاطمة.” فاطمة كانت أمي. مروان قال: “يبقى لازم نعرف ياسين كان له نسل ولا لأ.” الحاج عوض قال: “هنا بقى الكارثة.” قلت: “إيه؟” قال: “ياسين ما اختفاش لوحده. كان متجوز عرفي من بنت بسيطة، وكان عنده طفل صغير. أمك عرفت بعد اختفائه، وحاولت تدور عليهم. لكن عبد الحميد سبقها.” حسيت بدوخة. “طفل؟ يعني فيه وريث فعلاً؟” هز راسه. “أيوه. ولو عايش، يبقى له حق كبير.”
قبل ما حد يتكلم، سمعنا صوت خطوات خارج المقبرة. كلنا سكتنا. مروان أطفأ كشاف الموبايل بسرعة. الخطوات قربت. صوت رجل قال: “هما دخلوا هنا.” صوت تاني رد: “اتصل بالبشمهندس.” عبد الحميد وصل. مها كتمت شهقة بإيدها. كريم شدني ورا عمود حجري. مروان جمع الأوراق بسرعة وحطها في شنطة صغيرة. الحاج عوض همس: “في فتحة خلفية صغيرة.” اتحركنا في الظلام، لكن الباب الحديد الخارجي اتفتح بصوت صرير. نور كشافات دخل المقبرة. وصوت عبد الحميد جاء بارد ومخيف: “سارة. أنا عارف إنك هنا. كفاية جري.”
وقفت في مكاني. كريم همس: “ما ترديش.” لكني كنت تعبت من الجري. تعبت من الخوف. تعبت من إن الكل يطاردني كأني سارقة حاجة تخصهم. خرجت من خلف العمود ببطء. مروان حاول يمنعني، لكني رفعت إيدي له. وقفت قدام عبد الحميد. كان واقف عند الباب، وراه رجاله. وشه مليان ثقة وغضب. قال: “أخيرًا عقلتي.” قلت: “العكس. أنا لأول مرة عقلت.” عينه نزلت على الشنطة في إيد مروان. ابتسم. “الورق ده مش هيفيدك.” قلت: “خايف منه ليه إذن؟” ضحك. “أنا مش خايف. أنا بحميكي من فضيحة.” قلت: “فضيحة مين؟ أمي؟ ياسين؟ ولا فضيحتك أنت؟”
اختفت ابتسامته. قلت: “ياسين ما ماتش في حادثة. وياسين ما هربش. وأنت عارف.” قرب خطوة وقال بصوت منخفض: “خلي بالك من كلامك.” قلت: “أو إيه؟ هتقطع هدومي أنت كمان؟ هتبعت حماتي تهددني؟ هتزور توقيعي؟ هتسرق ورق أمي؟” رجاله بصوا لبعض. واضح إنهم ما كانوش عارفين كل التفاصيل. عبد الحميد حس بكده فصرخ: “اقفلي بقك!” وهنا كريم خرج ووقف جنبي. قال له: “الشرطة في الطريق.” عبد الحميد بصله باحتقار: “وأنت رجعت تلعب دور البطل؟ بعد ما زمان جريت زي الكلاب؟” كريم اتشد، لكني مسكت إيده. مش علشانه بس. علشان نفسي. ما كنتش عايزة حد يندفع ويبوظ كل حاجة.
عبد الحميد قال: “اسمعيني يا سارة. أنتِ مش قد اللعبة دي. الورق ده لو خرج، ناس كتير هتتأذي. وأولهم أنتِ.” قلت: “أنا اتأذيت كفاية وأنا ساكتة.” قال: “هشام مش هيسيبك.” ضحكت. “هشام؟ هشام ما عرفش يعيش ليلة من غير كارت ائتمان.” وشه اتشنج. “يبقى تختاري. ترجعي جوزك وبيتك، وتاخدي مبلغ محترم، ونقفل القصة. أو تفتحي باب هتندمي عليه.” قلت: “الباب اتفتح خلاص.”
في اللحظة دي سمعنا صوت سرينة بعيدة. عبد الحميد التفت بسرعة. رجاله اتوتروا. مروان رفع موبايله وقال: “كل الكلام متسجل صوت وصورة.” عبد الحميد بصله بغضب. ولثواني حسيت إنه ممكن يتهور. لكنه ابتسم فجأة وقال: “فاكرين إنكم كسبتوا؟” ثم نظر لي مباشرة. “اسألي الحاج عوض عن ابن ياسين. اسأليه ليه اختفى بجد. وساعتها هتعرفي إن أمك ما كانتش بريئة زي ما فاكرة.”
ثم تراجع. رجاله خرجوا معاه بسرعة قبل ما العربيات تقرب. وقفنا كلنا في صمت. كلامه الأخير دخل قلبي زي سكينة. بصيت للحاج عوض. كان وشه شاحب. قلت: “هو يقصد إيه؟” الحاج عوض لم يرد. قلت بصوت أعلى: “أمي مالها؟” أغمض عينيه وقال: “مش هنا يا سارة.” قلت: “لا. هنا. دلوقتي.” لكنه هز رأسه بتعب. “في حاجات لو اتقالت ناقصة تظلم الميت والحي. لازم الأول تلاقوا ابن ياسين.”
خرجنا من المدافن مع وصول أول عربية شرطة. مروان تعامل معهم. قدم بلاغ مختصر عن تهديد ومطاردة ومحاولة استيلاء على مستندات. احتفظ بالأوراق في حقيبة خاصة، وقرر يودي نسخة لمكان آمن فورًا. أنا كنت واقفة جنب عربية الشركة مش حاسة برجلي. كل كشف جديد كان بيفتح جرح أعمق. كنت فاكرة مشكلتي حماتي وهشام وهدومي. دلوقتي بقيت وسط أرض وميراث وأخ مختفي وطفل مجهول وأمي اللي يمكن كانت شايلة سر أخطر مما أقدر أستحمل.
رجعنا الشركة قرب الفجر. مها نامت على كرسي من التعب. كريم وقف يشرب قهوة سادة كأنه بيحاول يفضل صاحي بأي تمن. مروان كان بيكلم ناس في التليفون، يحجز خزنة بنكية، ينسق مع محامي قضايا ميراث، ويجهز بلاغ تزوير رسمي. أما أنا فقعدت وحدي في مكتبي. نفس المكتب اللي دخلته الصبح وأنا فاكرة إن ترقيتي هي أكبر حدث في حياتي. يا للسخرية. الترقية بقت تفصيلة صغيرة وسط حرب على اسمي واسم أمي.
فتحت الدفتر تاني. قلبت الصفحات بسرعة لحد ما وصلت لآخر جزء مكتوب بخط أمي. كان فيه صفحة ملزوقة من طرفها، كأنها اتضافت بعدين. فتحتها بحذر. مكتوب فيها: “لو وصلتي لياسين، لا تثقي في كلام عبد الحميد وحده، ولا في كلام عوض وحده، ولا حتى في كلامي وحدي. الحقيقة موزعة بيننا لأن كل واحد فينا خاف من جزء منها. أنا أخطأت، وأخويا أخطأ، وعبد الحميد خان، لكن الطفل لم يكن له ذنب.” الطفل. ابن ياسين.
قلبت الصفحة. وجدت اسمًا مكتوبًا بخط باهت. “نديم.” وتحت الاسم تاريخ ميلاد. ثم جملة واحدة: “آخر مكان عرفته له كان دار رعاية في طنطا.” رفعت رأسي ببطء. طنطا. مش بعيدة. لكن الزمن بعيد. لو نديم كان طفلًا وقتها، فهو الآن رجل في عمري تقريبًا. يمكن عايش. يمكن ميت. يمكن لا يعرف أصلًا إن له حق في أرض تساوي ملايين. يمكن حياته كلها اتسرقت زيه زينا.
وفي اللحظة دي رن هاتف المكتب. رقم داخلي من الاستقبال. رديت بصوت مرهق: “أيوه.” جاء صوت موظف الأمن: “أستاذة سارة، في واحد تحت مصرّ يقابل حضرتك. بيقول اسمه نديم ياسين.” توقفت أنفاسي. الدفتر وقع من إيدي. والحقيقة التي كنا نبحث عنها طوال الليل… كانت تقف الآن على باب الشركة. يتبع…
