
كان سيف في شقة ياسمين الفاخرة داخل القاهرة الجديدة. وصل وهو يتوقع استقبالًا رومانسيًا. وربما احتفالًا بانتصاره. فالمرأة التي أحبها أخيرًا أصبحت أمامه. أما زوجته… فقد تركها خلفه. في ليلة الزفاف. كما يترك المرء شيئًا بلا قيمة. فتح الباب. فاندفعت ياسمين إلى حضنه. وقالت: “كنت عارفة إنك هتيجي.” ابتسم بثقة. وقال: “طبعًا.” ثم جلس على الأريكة. وأخرج هاتفه.
ليجد أكثر من عشرين اتصالًا فائتًا. من الشركة. ومن مجلس الإدارة. ومن المدير المالي. ومن المحامين. عبس. ثم ضغط على أول رقم. لكن المتصل رد عليه فورًا بصوت مرتبك. “إحنا في مشكلة يا فندم.” اعتدل سيف في جلسته. “مشكلة إيه؟” جاءه الرد: “كل الصلاحيات اتسحبت.” ساد الصمت. ثم انفجر ضاحكًا. “إنت أكيد بتهزر.” لكن الرجل لم يضحك. بل قال:
“أنا آسف يا فندم.” ثم أضاف الجملة التي جعلت الدم يهرب من وجه سيف: “الأوامر طالعة من المالكة.” تجمد. وقال ببطء: “مالكة مين؟” جاء الرد: “الأستاذة ليلى.” — في تلك اللحظة تحديدًا… شعر سيف أن الأرض بدأت تهتز تحت قدميه. لأن لأول مرة… أدرك أنه لا يعرف المرأة التي تزوجها. ولا المرأة التي تركها قبل ساعات. ولا حجم الكارثة التي وضع نفسه فيها.
وفي جناح الزفاف المطل على البحر… كانت ليلى تقف أمام الزجاج الواسع. ترى انعكاس صورتها. فستان الزفاف الأبيض اختفى. وحلت مكانه امرأة أخرى تمامًا. امرأة انتهى صبرها أخيرًا. ورفعت سماعة الهاتف مرة ثانية. وقالت بهدوء: “ابدأوا المرحلة الثانية.” يتبع…الفصل الثالث في القاهرة الجديدة… كان سيف لا يزال ممسكًا بالهاتف. غير قادر على استيعاب ما سمعه. “الأستاذة ليلى.” ظلت الجملة تتردد في رأسه.
مرة. ثم عشر مرات. ثم مئة مرة. قال بحدة: “إنت أكيد فاهم غلط.” لكن المدير المالي أجاب بصوت متوتر: “نفسي أكون فاهم غلط يا فندم.” ثم أضاف: “كل الأوراق القانونية موجودة.” “أوراق إيه؟” “أوراق الملكية.” شعر سيف ببرودة تسري في جسده. وأغلق الهاتف دون كلمة. التفت إلى ياسمين. فوجدها تنظر إليه بقلق. سألته: “في إيه؟” هز رأسه.
ثم أمسك هاتفه مجددًا. واتصل بالمحامي الرئيسي للعائلة. رد الرجل بعد ثوانٍ. وقبل أن يتكلم سيف قال المحامي: “كنت مستني اتصالك.” “قول إن الكلام ده كذب.” ساد الصمت. ثم جاء الرد: “للأسف مش كذب.” تجمد سيف مكانه. وأكمل المحامي: “والدك نقل السيطرة الكاملة قبل وفاته.” “لمين؟” “لليلى.” — لأول مرة منذ سنوات… شعر سيف بالخوف الحقيقي. ليس القلق.
ولا الغضب. بل الخوف. لأنه بدأ يدرك أن كل شيء كان قائمًا على افتراض واحد. أن ليلى تحتاجه. لكن ماذا لو كان العكس؟ ماذا لو كان هو الذي يحتاجها؟ — في تلك الأثناء… كانت ليلى قد وصلت إلى المكتب الرئيسي للمجموعة. رغم أن الساعة تجاوزت منتصف الليل. لكن المبنى بأكمله كان مضاءً. والموظفون التنفيذيون ينتظرونها. دخلت القاعة الرئيسية. فوقف الجميع احترامًا.
قال أحد أعضاء مجلس الإدارة: “كل القرارات جاهزة للتوقيع.” جلست بهدوء. وأخذت الملف الأول. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى وصلت إلى ملف يحمل اسمًا واحدًا. سيف الحديدي. فتحته. وبدأت تقرأ. كانت هناك سنوات من الإهمال. وعقود سيئة. واستثمارات خاسرة. وقروض غير ضرورية. وأموال صُرفت فقط لإرضاء غرور رجل اعتقد أن الشركة ملكه. قال المدير المالي: “الخسائر أكبر مما توقعنا.”
رفعت ليلى رأسها. وقالت: “عارفة.” ثم وقعت القرار. قرار إنهاء جميع صلاحيات سيف نهائيًا. — في الثالثة صباحًا… وصل سيف إلى مقر الشركة. كان غاضبًا. ومرتبكًا. ومذعورًا. دخل المبنى بسرعة. لكن موظف الأمن أوقفه. قال سيف بحدة: “إنت مجنون؟” ارتبك الرجل. لكنه أخرج ورقة رسمية. وقال: “أنا آسف يا فندم.” أخذ سيف الورقة. وقرأها.
ثم شحب وجهه. كان القرار واضحًا. لا يحق له دخول أي منشأة تابعة للمجموعة دون موافقة الإدارة الجديدة. والإدارة الجديدة… هي ليلى. مزق الورقة بغضب.
