
“دلوقتي خلاص بقوا متجوزين رسمي؟” ضحك المأذون. وقال: “آه.” تنفس عمر براحة كبيرة. ثم قال: “الحمد لله… أخيرًا.” وفي تلك الليلة… بعد انتهاء الحفل. وبعد مغادرة الجميع. وقفت ياسمين في شرفة منزلهما الجديد. تنظر إلى البحر. فشعرت بذراعين تلتفان حولها من الخلف. صوت آدم جاء هادئًا: “عارفة إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟” ابتسمت. “إيه؟” قال وهو يقبل رأسها: “إني ضيعت سنين كنت ممكن أقضيها معاكي.” ثم نظر إلى عمر النائم على الأريكة بعد أن قاوم النوم حتى آخر لحظة.
وأضاف: “بس شكلي ربحت العمر كله في الآخر.” فابتسمت ياسمين. وأراحت رأسها على كتفه. بينما كان البحر أمامهم هادئًا… لأول مرة منذ سنوات طويلة. ولأول مرة دون خوف. ودون أسرار. ودون وداع. كانت هذه حقًا… بداية حياتهم السعيدة. ❤️ الفصل التالي: بعد سنة من الزفاف مر عام كامل. عام لم يكن مثاليًا. ولم يكن خاليًا من المشاكل. لكنه كان حقيقيًا. وهذا وحده كان كافيًا. فالحياة التي حلمت بها ياسمين وهي في الخامسة والعشرين لم تكن موجودة أصلًا.
لا توجد حياة بلا خلافات. ولا زواج بلا عثرات. ولا حب بلا ندوب. لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف. كلما ظهرت مشكلة… لم يعد أحد يهرب. في صباح أحد الأيام. استيقظ آدم على صوت صراخ في المنزل. قفز من السرير مذعورًا. وركض إلى الخارج. ليجد عمر واقفًا في منتصف الصالة. ذراعاه متشابكتان. ووجهه مليء بالغضب. بينما كانت ياسمين تقف أمامه وهي تحاول ألا تضحك. قال آدم بقلق: “في إيه؟” التفت عمر نحوه فورًا. وقال:
“ماما ظلمتني.” تنهد آدم. “إيه اللي حصل؟” رفع عمر ورقة امتحان. وقال بغضب: “جبت 98.” انتظر آدم بقية الجملة. لكنها لم تأت. فقال باستغراب: “ودي مشكلة؟” صرخ عمر: “أكيد مشكلة!” ثم أشار إلى أمه. “هي فرحانة!” ضحكت ياسمين أخيرًا. أما آدم فجلس على الأريكة. “طب وإنت زعلان ليه؟” رد عمر: “عشان ضاعت درجتين.” نظر آدم إلى زوجته. ثم قال: “أنا شايف إن الولد محتاج أجازة من المذاكرة.” هزت ياسمين رأسها موافقة. فصرخ عمر: “محدش فاهمني في البيت ده.”
وغادر الغرفة بطريقة درامية جعلتهما ينفجران ضحكًا. بعد الظهر. كان آدم في مكتبه داخل الشركة. عندما دخلت عليه سكرتيرته. وقالت: “في حد مستني حضرتك.” رفع رأسه. “مين؟” ترددت للحظة. ثم قالت: “مدام نادية.” ساد الصمت. مرت سنة كاملة منذ آخر مواجهة حقيقية بينهما. ورغم أن العلاقة أصبحت أفضل. إلا أن آثار الماضي لم تختفِ بالكامل. دخلت نادية ببطء. وبدت أكبر سنًا. وأهدأ كثيرًا. جلست أمامه. ثم قالت: “أنا جاية أتكلم.” أغلق الملف الذي أمامه. “سامعك.”
سكتت طويلًا. ثم قالت: “أنا تعبانة يا آدم.” ولأول مرة لاحظ ارتعاش صوتها. “الدكتور اكتشف مشكلة في القلب.” شعر بشيء ينقبض داخله. رغم كل شيء. كانت عمته. الشخص الذي رباه بعد وفاة والدته. والشخص الذي أخطأ كثيرًا. لكنه كان جزءًا من حياته. قال بهدوء: “خير إن شاء الله.” نظرت إليه. ثم قالت: “أنا عايزة أطلب حاجة.” “إيه؟” دمعت عيناها. “قبل ما أموت… عايزة ياسمين تسامحني.” في المساء. جلست نادية أمام ياسمين للمرة الأولى منذ أشهر.
في منزل آدم وياسمين. بين الصور العائلية. وألعاب عمر المنتشرة في كل مكان. وبقايا حياة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستكون جزءًا منها. قالت نادية بصوت مرتجف: “أنا كنت شايفة نفسي بحمي العيلة.” سكتت. ثم أكملت: “بس الحقيقة إني كنت بدمرها.” لم ترد ياسمين. فواصلت المرأة كلامها. “أنا خسرت أخويا زمان.” دمعت عيناها. “ولما آدم كبر بقيت بخاف عليه بشكل مرضي.” ثم ابتسمت بحزن. “خوفت عليه منك… وأنا المفروض كنت أخاف عليكي معاه.” ساد الصمت.
طويلًا. حتى قالت ياسمين أخيرًا: “أنا سامحتك من زمان.” شهقت نادية. أما ياسمين فأكملت: “عشان لو فضلت شايلة الغضب ده كنت هعيش سجينة له طول عمري.” وبكت نادية لأول مرة أمامها. بكاءً حقيقيًا. بكاء شخص فهم متأخرًا ثمن أخطائه. وفي تلك الليلة. عاد الهدوء إلى المنزل. وكان عمر نائمًا. فجلس آدم بجوار ياسمين في الشرفة. كما اعتادا دائمًا. نظر إليها طويلًا. ثم قال: “شكراً.” ابتسمت. “على إيه؟” “إنك سامحتي الكل.” ضحكت بخفة. “مش الكل.” رفع حاجبه.
“مين يعني؟” نظرت إليه بمكر. ثم قالت: “لسه عندي شوية حسابات معاك.” انفجر ضاحكًا. وجذبها نحوه. فقالت: “بقولك إيه…” “إيه؟” ابتسمت ابتسامة غامضة. ثم وضعت يده على بطنها. تجمد. لم يفهم. في البداية. ثم فهم. وفجأة توقف الزمن. نظر إلى بطنها. ثم إليها. ثم عاد ينظر إليها. وعيناه اتسعتا بصدمة كاملة. همس: “ياسمين…” ابتسمت والدموع تلمع في عينيها. وأومأت برأسها. “آه.” ارتجفت شفتاه. “بجد؟” ضحكت وسط دموعها. “بجد.” جلس مكانه كأنه فقد القدرة على الوقوف.
ثم أخفى وجهه بين كفيه. وبكى. هذه المرة لم يكن ندمًا. ولا حسرة. ولا ألمًا. كانت دموع رجل منحه الله فرصة ثانية… ثم منحه معجزة أخرى فوقها. وبينما كانا يحتضنان بعضهما تحت ضوء القمر… كان داخل الغرفة طفل صغير نائم لا يعلم بعد… أنه بعد عدة أشهر… سيصبح أخًا أكبر. ❤️ تمت
