Advertisements
Advertisements
منوعات

الم الفراق حكايات اسما ×4

Advertisements

استمر التصفيق لثوانٍ طويلة. لكن آدم لم يسمع شيئًا. كل ما كان يراه هو ياسمين. واقفة في آخر القاعة. تمسك يد عمر. تنظر إليه بعينين امتلأتا بالدموع. ليست دموع حب. وليست دموع حزن. بل دموع شخص انتظر سنوات طويلة حتى يرى الحقيقة تُقال أمام الجميع. دون خوف. ودون خجل. ودون أن يضطر لإخفاء نفسه. بعد انتهاء الحفل. كان عمر أول من ركض نحوه. قفز بين ذراعيه وهو يضحك. وقال بفخر: “كل الناس عرفوا إني ابنك.”

ضحك آدم واحتضنه بقوة. قوة جعلت عمر يصرخ: “براحة يا بابا!” توقفت أنفاس آدم للحظة. بابا. قالها بشكل طبيعي. بسيط. عفوي. لكنها كانت أول مرة يسمعها منه. أول مرة في حياته. شعر بشيء ساخن يحرق عينيه. فأخفى وجهه في شعر ابنه حتى لا يراه أحد يبكي. أما نادية المنصوري فكانت تراقب المشهد من بعيد. شاحبة. صامتة. لأول مرة منذ سنوات لم تجد كلمات تدافع بها عن نفسها. لأنها رأت النتيجة بعينيها. رأت الطفل. ورأت تعلقه بأبيه.

ورأت كيف كانت ياسمين تقف بجوارهما. هادئة. قوية. بعيدة عن الصورة التي رسمتها لها طوال تلك السنوات. اقتربت ببطء. حتى وقفت أمام ياسمين. ساد الصمت بينهما. ثقيلاً. مؤلماً. ثم قالت نادية أخيرًا: “أنا آسفة.” رفعت ياسمين عينيها إليها. كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن. لكنها لم تشعر بالانتصار. فقط بالتعب. قالت نادية بصوت مكسور: “أنا ظلمتك.” لم ترد ياسمين. فأكملت: “وكنت سبب في اللي حصل.” أخذت نفسًا مرتجفًا. “ولو الزمن رجع…” قاطعتها ياسمين بهدوء: “الزمن مش بيرجع.”

سكتت نادية. ثم أومأت برأسها. لأنها عرفت أن بعض الأخطاء لا يمحوها الاعتذار. مرت ستة أشهر أخرى. وأصبح وجود آدم في حياة عمر أمرًا طبيعيًا. يوصله للمدرسة أحيانًا. يحضر مبارياته. يساعده في المشاريع المدرسية. ويتلقى منه مئات الأسئلة الغريبة يوميًا. وفي إحدى الليالي. كانوا يجلسون جميعًا على العشاء. حين قال عمر فجأة: “أنا عندي مشكلة.” تبادل آدم وياسمين النظرات. وقالا معًا: “إيه هي؟” ابتسم الصغير. “إنتوا محتاجين تتجوزوا.” شرق آدم بالماء. أما ياسمين فوضعت الشوكة ببطء.

وقالت: “عمر!” لكن الطفل أكمل وكأنه يناقش مسألة رياضيات. “كل أصحابى أبوهم وأمهم عايشين مع بعض.” قال آدم بحذر: “الموضوع مش بالسهولة دي.” رد عمر فورًا: “ليه؟” لم يجد أحد إجابة سهلة. لأن الحقيقة كانت أعقد مما يمكن لطفل أن يفهمه. سنوات من الألم. وسنوات من الغياب. وسنوات من فقدان الثقة. لا تُحل بكلمة واحدة. لكن تلك الليلة. بعد أن نام عمر. جلس آدم في الشرفة. كعادته. وكان البحر أمامه هادئًا. فخرجت ياسمين وجلست على الكرسي المقابل.

وبقي الصمت بينهما دقائق طويلة. حتى قال آدم: “هو عنده حق.” رفعت حاجبها. “في إيه؟” ابتسم. “إننا بنهرب.” نظرت إليه طويلًا. ثم قالت: “وأنت شايف إن كل حاجة بقت سهلة؟” هز رأسه. “لا.” “الثقة بترجع بسهولة؟” “لا.” “والوجع بينسى؟” “لا.” سكتت. فأكمل بهدوء: “بس أنا بقيت شخص مختلف.” نظرت إلى البحر. ولم تجب. فقال: “وأنتِ كمان.” مرت لحظات طويلة. ثم أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه. علبة قديمة. مهترئة الأطراف. نظر إليها وقال: “فاكرة دي؟” فتحتها ياسمين ببطء.

وتجمدت. داخلها كان الحذاءان الصغيران. الأصفران. نفس الحذاءين. الذين حملتهما يوم غادرت. شهقت. “إنت لقيتهم؟” أومأ. “بعد ما مشيتي بأيام.” ارتجفت أصابعها فوق القطن القديم. وسقطت دمعة على الحذاء. أما آدم فقال بصوت منخفض: “احتفظت بيهم كل السنين دي.” رفعت رأسها نحوه. وكانت هذه أول مرة منذ سنوات طويلة تنظر إليه دون غضب. ودون دفاعات. فقط تنظر. كما كانت تفعل قديمًا. في اليوم التالي. استيقظ عمر مبكرًا. وخرج من غرفته. ثم توقف فجأة. لأن المنظر أمامه كان غريبًا.

كانت أمه نائمة على الأريكة. وآدم نائم على الكرسي المقابل. وكلاهما غلبه النوم أثناء الحديث. ابتسم عمر. ابتسامة واسعة جدًا. ثم عاد إلى غرفته. وأخرج هاتفه الصغير. وكتب رسالة إلى صديقه: “أعتقد إن الخطة نجحت.” ورد صديقه فورًا: “أي خطة؟” كتب عمر بفخر: “خطة إصلاح الكبار.” ثم أغلق الهاتف. وعاد بهدوء. وجلس بينهما. ينتظر استيقاظهما. وهو يشعر للمرة الأولى في حياته… أن عائلته أصبحت كاملة أخيرًا. يتبع

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!