
ليلى ما نمتش. من ساعة ما خرجت من العنبر وهي حاسة إن الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغها. قعدت في المكتب الصغير اللي خصصوه ليها جوه السجن، والورقة اللي لقوها في إيد موسى الحلاق قدامها على الترابيزة. حرف واحد بس… “س”. حرف بسيط، لكنه كان كفاية يهز تاريخ كامل.
كانت كل دقيقة بتعدي تخلي الشك يكبر جواها أكتر. عقلها كان يرفض يصدق إن اللواء سامح ممكن يكون متورط، لكن قلبها كان فاكر حاجات صغيرة بدأت تظهر بشكل مختلف. مواقف قديمة. ملفات اختفت. شهود ماتوا قبل ما يتكلموا. كل مرة كانت تقرب من خيط مهم، كان حد يسبقها بخطوة. وهي طول عمرها كانت فاكرة إن ده لأن خصومها أقوياء… لكن ماذا لو القوة دي كانت طالعة من جوه جهازها نفسه؟
رفعت عينيها فجأة على صوت خبط خفيف على الباب. — ادخل. الباب اتفتح، ودخل عسكري صغير متوتر.
— يا فندم… اللواء سامح طالب حضرتك حالًا.
قلبها دق بعنف، لكنها وقفت فورًا.
— فين؟
— في مكتب المأمور.
هزت راسها وخرجت معاه.
الممرات كانت هادية بشكل غريب، لكن الهدوء ده ماكانش مطمن. كان شبه الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة. كل خطوة كانت بتحسسها إن في حد بيراقبها.
لما وصلت للمكتب، لقت اللواء سامح واقف قدام الشباك، ضهره ليها. أول ما الباب اتقفل، قال من غير ما يبصلها: — قعدتي طول الليل تفتشي في الماضي؟ ليلى ما ردتش.
لف ببطء ناحيتها.
وشه كان مرهق لأول مرة تشوفه بالشكل ده. قال بهدوء: — موسى الحلاق مات علشان حد عايز يوقع بينا. قالت فورًا:
— أو علشان حد خاف يتفضح.
الصمت نزل للحظة. عينه ثبتت في عينيها مباشرة. — إنتِ شاكّة فيا؟ السؤال خرج مباشر لدرجة إنها ماعرفتش تتهرب.
بلعت ريقها وقالت:
— أنا بقيت شاكّة في الكل. اللواء سامح ضحك ضحكة صغيرة كلها تعب. — كويس… يبقى اتعلمتي الشغل صح. قرب منها خطوة.
— بس لو كنت أنا فعلًا اللي خنت أبوكي… كنت سيبتك تعيشي لحد النهارده؟
الكلام دخل دماغها زي السم. لأن منطقه كان مرعب. لو هو خائن فعلًا، ليه يحميها كل السنين دي؟ لكن قبل ما ترد…
دوّى انفجار ضخم هز السجن كله.
الحيطان رجّت بعنف، والزجاج اتكسر، وصوت صفارات الإنذار ملّى المكان. العسكري اللي بره صرخ: — العنبر الشرقي انفجر! في ثانية، السجن كله اتحول لفوضى.
صراخ.
جري. أبواب حديد بتتفتح وتتقفل. ضرب نار. ليلى جريت ناحية الممر، واللواء سامح وراها.
الدخان كان طالع بكثافة من ناحية العنبر الشرقي.
ولما وصلوا… المشهد كان جحيم. النار مولعة في جزء كامل من العنبر، ومساجين بيجروا بشكل هستيري، وعساكر بيحاولوا يسيطروا على الهروب. لكن ليلى ما كانتش باصة على أي ده.
عينيها راحت مباشرة ناحية زنزانة واحدة.
زنزانة شريف الوحش. الباب كان مفتوح. وفاضي.
قلبها وقف.
— شريف هرب.
قالتها بصوت شبه الهمس.
اللواء سامح شد اللاسلكي بسرعة:
— اقفلوا كل البوابات! محدش يخرج من السجن!
لكن ليلى كانت عارفة.
ده مش هروب عشوائي. ده مترتب. وشريف مستحيل يهرب لوحده. وسط الفوضى، لمحت عسكري واقع جنب الحيطة ودمه مالي الأرض. جريت ناحيته بسرعة.
كان لسه بيتنفس بالعافية.
مسك إيدها بقوة وهمس: — المفتاح… واحد من الظباط… ساعده… — مين؟! العسكري حاول يتكلم، لكن الدم خرج من بقه.
ثم مات.
ليلى قامت بسرعة وهي حاسة الدنيا بتلف. واحد من الظباط ساعد شريف. يعني الخيانة فعلًا جوه السجن. فجأة، صوت ضرب نار قريب دوّى.
الكل اتلفت.
وفي آخر الممر الطويل… ظهر شريف الوحش. كان لابس جاكيت أسود فوق هدوم السجن، وماسك بندقية آلية. ووراه اتنين ملثمين.
المساجين والعساكر اتجمدوا.
شريف ابتسم ابتسامته المرعبة القديمة. كأن الوحش رجع للحياة. رفع البندقية ناحيتهم وقال بصوت عالي: — ابعدوا… وإلا هوقع المكان كله فوق دماغكم.
اللواء سامح رفع س*لاحه فورًا.
لكن شريف ضحك. — لأ يا باشا… إنت آخر واحد يحق له يلعب دور البطل. عين ليلى ضاقت. في حاجة في نبرة شريف خلت قلبها ينقبض.
شريف بص لها مباشرة.
— عايزة تعرفي مين “س”؟ سكت ثانية… ثم أشار بالبندقية ناحية اللواء سامح. — اهو.
الدنيا سكت.
كل الأصوات اختفت من ودنها. بصت ببطء ناحية سامح. كان ثابت مكانه… لكن عينيه اتغيروا.
قال شريف وهو يضحك:
— الراجل اللي رباكي… هو اللي باع أبوكي. الصدمة شلتها للحظة. صرخت: — اخرس!
شريف ضحك بجنون.
— اسأليه مين اللي سرب مكان الكمين! اسأليه مين اللي قبض التمن! اسأليه ليه أبوكي مات لوحده! ليلى بصت لسامح. كانت مستنية ينكر. يصرخ.
يقول إن ده كذب.
لكن سامح سكت. وده كان أسوأ رد ممكن. قال أخيرًا بصوت منخفض: — ليلى… اسمعيني…
الدم جرى بارد في جسمها.
— يعني… حقيقي؟ غمض عينيه ثانية. ثم قال: — ماكنتش قاصد يموته.
الجملة ضربتها أقوى من الرصاص.
رجعت خطوة لورا كأن حد خبطها في صدرها. — إنت… خنته؟ سامح رفع عينه ليها، وفيها ندم عمر كامل. — كانوا ماسكين أمك.
ليلى اتجمدت.
قال بسرعة: — العصابة خطفتها قبل العملية بيوم… هددوني يقت*لوها لو ما قلتش مكان التحرك. شريف ضحك بصوت عالي. — وهو صدق إنهم هيسيبوه يعيش مرتاح بعد الخيانة!
سامح بص لشريف بكره حقيقي.
— كنت فاكر إني هقدر أنقذهم هما الاتنين. صرخت ليلى: — لكن أبويا مات! صوته اتكسر:
— عارف…
أول مرة تشوف اللواء سامح ضعيف. أول مرة تشوفه كرجل مكسور مش كقائد. لكن وجعها كان أكبر من أي شفقة.
الدموع نزلت من عينيها رغمًا عنها.
— كل السنين دي… كل مرة كنت تبصلي فيها… كنت فاكر إيه؟
سامح قرب خطوة.
— كنت بشوف ذنبي.
شريف استغل اللحظة فجأة ورفع س*لاحه.
— لحظة عائلية مؤثرة فعلًا.
ثم ضغط الزناد. الرصاص انفجر في الممر. العساكر ردوا فورًا. الفوضى رجعت تاني.
ليلى رمت نفسها على الأرض، وسامح شدها ورا عمود خرساني.
الملثمين ضربوا نار بشكل عشوائي علشان يفتحوا طريق للهروب. شريف كان بيتراجع ناحية باب الخدمة الخلفي. سامح بص لليلى بسرعة: — لازم يطلعش حي.
كانت بتبصله بصدمة وخيانة وغضب.
لكنه قال بحزم: — بعدين اكرهيني براحتك… دلوقتي ركزي. الرصاص كان بيعدي فوق دماغهم. ليلى أخدت نفس عميق.
ثم رفعت س*لاحها.
خرجت من ورا العمود وأطلقت طلقتين سريعتين. واحد من الملثمين وقع فورًا. الثاني حاول يهرب، لكن العساكر مسكوه. أما شريف…
فكان بيجري ناحية الساحة الخارجية.
ليلى جريت وراه. سامح جري معاها رغم سنه وإصابته القديمة. الساحة كانت مليانة دخان وإنذارات وصوت صريخ. شريف وصل للسور الخلفي، حيث عربية سوداء مستنياه بره.
لكن قبل ما يوصل…
ليلى صرخت: — شريف!! لف ناحيتها. وفي اللحظة دي…
أطلقت النار.
الرصاصة دخلت كتفه. وقع على الأرض بعنف. لكنه حاول يزحف. كان لسه بيحاول يهرب.
زي حيوان جريح.
ليلى قربت منه ببطء، والس*لاح ثابت في إيدها. شريف بص لها وهو بيتنفس بالعافية. ثم ضحك رغم الدم. — في الآخر… بقيتي زيه.
قالت ببرود:
— لأ. أنا بقيت نهاية كابوسك. رفع عينه لسامح اللي وصل متأخر وهو بيعرج. شريف ابتسم ابتسامة مريضة. — قولتلها الحقيقة؟ قولتلها إن أبوها كان بيصرخ باسمك قبل ما يموت؟
سامح اتجمد.
ليلى حسّت قلبها بيتقطع. شريف ضحك أكتر. — كان فاكر إن صاحبه هينقذه. ثم بص لها مباشرة.
— أبوكي مات مكسور قبل ما يموت محروق.
في اللحظة دي… سامح رفع س*لاحه. وصوّب على شريف. ليلى بصتله بصدمة.
قال سامح بصوت مليان وجع:
— كفاية. شريف ابتسم. — اقت*لني يا خاين. صوت الطلقة دوّى.
لكن مش من س*لاح سامح.
ليلى هي اللي ضربت. الرصاصة دخلت في صدر شريف مباشرة. الكل سكت. شريف بص لها بعدم تصديق.
الدم خرج من بقه.
— ليه…؟ ليلى قربت منه. والدموع على وشها. — علشان أبويا ماكانش هيقبل أبقى زيك.
شريف حاول يتكلم…
لكن نفسه وقف. وجسمه سكن أخيرًا. الإعصار انتهى. الوحش اللي خوف السجن سنين…
مات على الأرض زي أي إنسان عادي.
الصمت نزل على المكان. صفارات الإنذار كانت لسه شغالة بعيد.
لكن بالنسبة لليلى…
العالم كله كان ساكت. بصت ببطء ناحية سامح. الرجل اللي كانت تعتبره جزء من عيلتها.
قال بصوت مكسور:
— أنا مستعد أتحاسب.
عينيها كانت مليانة وجع.
— ليه ماقولتش الحقيقة؟
سامح رد بعد ثواني طويلة:
— علشان كنت جبان.
الكلمة كانت صادقة لدرجة إنها جرحت أكتر. قعد على ركبته فجأة كأن عمره كله وقع فوق ضهره مرة واحدة. — كل يوم كنت بشوف وش أبوكي في المنام. كل يوم. ليلى سكتت.
ثم قالت بهدوء متعب:
— وأنا كمان. بعد ساعات… الشمس طلعت فوق سجن طرة. النار اطفَت.
المصابين اتنقلوا.
والتحقيقات بدأت تاخد طريقها. تم القبض على باقي الشبكة. والملفات اللي شريف خبّاها فتحت أبواب فساد أكبر من أي حد كان متخيل. أما اللواء سامح…
فقدم اعتراف كامل بنفسه.
واعترف إنه سرب المعلومة تحت التهديد. لكن الحقيقة ما أنقذتهوش. لأن الخيانة حتى لو سببها الخوف… بتفضل خيانة. بعد أسبوع…
ليلى وقفت قدام قبر أبوها.
لابسة أسود. وفي إيدها ورد أبيض. وقفت بصمت طويل. ثم قالت بصوت هادي:
— خلصت يا بابا.
الهواء كان بارد خفيف. كأن المكان نفسه بيتنفس معاها. نزلت على ركبتها وحطت الوردة. — كنت فاكرة إن الانتقام هيريحني… بس الحقيقة؟ هو بس وقف النزيف.
دموعها نزلت أخيرًا بحرية.
لأول مرة من سنين. ثم ابتسمت وسط العياط. ابتسامة صغيرة موجوعة. — بس أوعدك… إن اسمك هيفضل نظيف.
وقفت ببطء.
وبصت للسما. الشمس كانت طالعة بلون ذهبي هادي. ولأول مرة من خمسة عشر سنة… حست إن الحمل اللي فوق قلبها بدأ يخف.
مش علشان الوحش مات.
لكن علشان الحقيقة أخيرًا خرجت للنور. تمت

