Advertisements
Advertisements
منوعات

الم الفراق حكـايـات أسمـا ×2

Advertisements

هزت رأسها. “عندك حق.” ثم نظرت إلى آدم للمرة الأخيرة. وقالت بهدوء: “خلي بالك من نفسك.” واستدارت. وغادرت. هذه المرة فعلًا. وبقي آدم واقفًا وحده تحت المطر. يحمل قطعة شوكولاتة صغيرة. وينظر إلى الطريق الفارغ. في تلك الليلة لم ينم. جلس في جناحه بالفندق المطل على البحر. والشوكولاتة موضوعة أمامه على الطاولة. كأنها دليل مادي على أن ما حدث لم يكن حلمًا. ابنه موجود. ابنه حي. كبر. وتعلم المشي والكلام والضحك. وتعرض للحمى. وسقط أثناء اللعب.

ودخل المدرسة. وفقد أول سن من أسنانه. وكل ذلك حدث بدونه. سبع سنوات كاملة. سبع سنوات لن تعود أبدًا. عند الثالثة فجرًا اتخذ قرارًا. في الصباح التالي اتصل بمحاميه. ثم ألغى جميع اجتماعاته. ثم بدأ البحث. لكن هذه المرة لم يكن يبحث عن ياسمين. كان يبحث عن الحقيقة. بعد أسبوع عرف كل شيء تقريبًا. عرف عنوان شقتها. وعرف المدرسة التي يدرس فيها عمر. وعرف المستشفى الذي وُلد فيه. وعرف أن ياسمين كانت تعمل ليلًا ونهارًا حتى توفر له حياة كريمة.

وعرف شيئًا آخر. شيئًا جعله ينهار للمرة الثانية. ففي ملف المستشفى كانت هناك خانة باسم الأب. فارغة. خط مستقيم فقط. لا اسم. لا توقيع. لا وجود. ظل ينظر إلى الورقة دقائق طويلة. ثم أغمض عينيه. لأن هذا الخط الفارغ كان أكبر حكم صدر ضده في حياته. مرت أسابيع. ثم شهر. ثم شهران. لم يقترب من عمر. لم يذهب إلى المدرسة. لم يحاول مفاجأته. ولم يرسل محامين. لأنه فهم أخيرًا أن الأبوة ليست حقًا قانونيًا فقط.

الأبوة ثقة. والثقة كانت الشيء الوحيد الذي دمّره بيديه. لكنّه بدأ يرسل شيئًا آخر. كل شهر. بشكل مجهول. تبرعات لمكتبة المدرسة. أجهزة كمبيوتر جديدة. منح للأطفال المحتاجين. رحلات مدرسية مجانية. دون أن يحمل أي شيء اسمه. فقط لأنه عرف أن ابنه يدرس هناك. وفي أحد الأيام عادت ياسمين من العمل لتجد عمر متحمسًا بشكل غير طبيعي. قال وهو يقفز: “ماما! المدرسة جابت مكتبة جديدة!” ابتسمت. “حلو.” “وفي راجل متبرع بكل ده.” تجمدت يدها للحظة. لكنها لم تقل شيئًا.

ثم أضاف عمر: “والمدير بيقول إنه مش عايز حد يعرف اسمه.” هنا فقط فهمت. وأغمضت عينيها. مرت شهور أخرى. حتى جاء يوم عيد ميلاد عمر الثامن. كانت حفلة صغيرة. في مطعم هادئ على البحر. أصدقاؤه. بعض الأقارب. ومريم التي أصبحت بالنسبة له خالة حقيقية. وكان كل شيء يسير طبيعيًا. حتى دخل أحد العاملين. وسلم عمر صندوقًا صغيرًا. وقال: “حد طلب أوصله ليك.” فتح عمر الصندوق بحماس. فوجد داخله سيارة سباق مصغرة نادرة. كان قد شاهدها في الإنترنت قبل أشهر.

وتمنى امتلاكها. لكن ثمنها كان كبيرًا. وتحتها بطاقة صغيرة. مكتوب عليها: “إلى البطل عمر… استمر في الابتسام. من صديق.” تجمدت ياسمين. لأنها عرفت الخط. عرفته فورًا. بعد ثماني سنوات ما زالت تعرفه. أما عمر فكان سعيدًا جدًا. قال: “مين الصديق ده؟” أجابت بهدوء: “مش عارفة.” لكن قلبها كان يعرف. وفي تلك الليلة. بعد أن نام عمر. خرجت إلى الشرفة. وكان البحر هادئًا. والهواء باردًا. وفجأة وجدت رسالة على هاتفها. رقم غير محفوظ. لكنها عرفت صاحبها قبل أن تفتحها.

آدم. لم تكن الرسالة طويلة. سطران فقط. “أنا مش بطلب أسامحيني.” “أنا بس بطلب فرصة أبقى أب.” وقفت ياسمين طويلًا تنظر إلى الشاشة. بينما أمواج البحر تتكسر في الظلام. ولأول مرة منذ سبع سنوات… لم تحذف الرسالة. يتبع  

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!