Advertisements
Advertisements
منوعات

ال-م الفراق حكـايـات أسمـا ×1

Advertisements

ثم جاء صوت آدم.   هادئًا.   باردًا.   واثقًا.   “طبعًا.”   ضجت الغرفة بالضحك.   وشدت ياسمين قبضتها حول حقيبتها.   قال آدم:   “هي لطيفة. مرحة. وصحبتها ممتعة. لكن عمر الموضوع ما كان جدي. وأنتم عارفين كده.”   شعرت وكأن الجدران تضيق حولها.   ثم سأل رجل أكبر سنًا:   “والبنت دي تعرف ؟ تعرف إن عيلتنا عمرها ما هتوافق عليها أصلًا؟”   صمت قصير.   ثم جاء رد آدم… سأل الرجل الأكبر سنًا:

“والبنت دي تعرف؟ تعرف إن عيلتنا عمرها ما هتوافق عليها أصلًا؟” ساد الصمت لثانية واحدة فقط. ثم جاء صوت آدم. باردًا. هادئًا. وقاتلًا. “ولو عرفت هتعمل إيه يعني؟” ضحك أحدهم. وقال آخر: “شكلها متعلقة بيك فعلًا.” رد آدم وهو يرتشف من كأسه: “وده مش ذنبي.” ثم أضاف بجملة ستظل تطارد ياسمين لسنوات طويلة: “كل واحد لازم يعرف حجمه.” لم تسمع شيئًا بعد ذلك. اختفت الأصوات. اختفت الضحكات. اختفى العالم كله. كانت يدها ترتجف حول حقيبتها الصغيرة.

داخل الحقيبة كان اختبار الحمل. وصورة الأشعة. وحذاء الطفل الأصفر. أشياء كانت قبل دقائق تمثل أجمل خبر في حياتها. أما الآن… فصارت أثقل من أن تحملها. استدارت ببطء. ومشت نحو المصعد. لم تسمع أحدًا يناديها. لم يراها أحد أصلًا. كانت مجرد ظل دخل وخرج دون أن يلاحظه أحد. وعندما أغلقت أبواب المصعد أمامها انهارت. لأول مرة منذ وفاة والدها قبل سبع سنوات. بكت. بكت حتى عجزت عن التنفس. وعندما وصلت إلى الشارع كانت قد اتخذت قرارها.

قرارًا سيغير حياة ثلاثة أشخاص إلى الأبد. هي. وآدم. والطفل الذي لم يولد بعد. في صباح اليوم التالي كانت شقتها فارغة. المالك تسلم المفاتيح. والهاتف القديم أُغلق. ورقمها اختفى. أما ياسمين عبد الرحمن فقد ركبت حافلة متجهة إلى الإسكندرية ومعها حقيبة واحدة فقط. لم تترك رسالة. لم تترك تفسيرًا. لم تترك شيئًا. حتى مريم صديقتها لم تعرف الحقيقة كاملة. كل ما قالته لها عبر الهاتف: “محتاجة أبدأ من جديد.” بعد ثلاثة أيام جنّ آدم. في البداية ظن أنها غاضبة.

ثم ظن أنها تتعمد تجاهله. ثم ظن أنها تريد أن تعاقبه. لكن بعد أسبوع كامل دون رد بدأ القلق. وبعد أسبوعين بدأ الخوف. وبعد شهر بدأ يبحث. ذهب إلى شركتها. فعرف أنها استقالت. ذهب إلى شقتها. فعرف أنها رحلت. اتصل بكل شخص يعرفه. لم يجد أحدًا. حتى مريم رفضت إخباره بأي شيء. رغم أنها كانت تعلم أكثر مما تقول. قال لها بغضب: “هي فين؟” فردت ببرود: “لأول مرة في حياتك تسأل السؤال ده متأخر يا آدم.”

وأغلقت الهاتف. مرت الأشهر. كبر بطن ياسمين. واختارت شقة صغيرة في حي هادئ بالإسكندرية. شقة تطل على البحر. ليست فاخرة. وليست جميلة. لكنها كانت آمنة. وكان هذا كل ما تحتاجه. في الليالي كانت تجلس أمام النافذة وتضع يدها على بطنها. وتهمس: “أنا آسفة.” لا تعرف هل تعتذر لطفلها. أم لنفسها. أم للرجل الذي لم يعرف أبدًا أنه سيصبح أبًا. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا. أنها لن تسمح لطفلها أن يكبر وهو يسمع أحدًا يقول لأمه:

“اعرفي حجمك.” عندما جاء المخاض كانت وحدها. استمر الألم عشر ساعات كاملة. عشر ساعات من الصراخ والخوف والدموع. وفي النهاية خرج طفل صغير إلى العالم. بعيون داكنة. وشعر أسود كثيف. وأصابع طويلة تشبه أصابع آدم بشكل مرعب. عندما وضعه الطبيب بين ذراعيها بكت. لكن هذه المرة لم تكن دموع ألم.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!