
بعد سبع سنوات… الفصل الإضافي كنت أعتقد أن مفاجآت الحياة انتهت. بعد كل ما مررنا به. بعد المرض. والفقد. والأسرار. والدموع. لكن صباح ذلك اليوم أثبت لي أن الحياة لا تتوقف أبدًا عن إدهاشنا. كنت في الثامنة والأربعين من عمري. أجلس في شرفة المنزل أحتسي القهوة. بينما كان يحيى، الذي أصبح في السابعة من عمره، يستعد للذهاب إلى المدرسة. أما سارة فكانت تقف في المطبخ تضحك على شيء قاله أحمد.
وأحيانًا كنت أنظر إليهما معًا وأشكر الله بصمت. فمن كان يصدق أننا سنصل إلى هنا؟ رن جرس الباب. ولم أتوقع أن يغير ذلك الجرس يومي بالكامل. فتحت الخادمة الباب. ثم جاءت مسرعة نحوي. وقالت: ـ فيه راجل كبير بره عايز يقابل مدام سارة. استغربت. لأن سارة لم يكن لها أقارب كثيرون. خرجت معها إلى الحديقة. وهناك رأيته. رجل تجاوز السبعين. شعره أبيض بالكامل.
وعيناه حمراوان من البكاء. كان يحمل حقيبة جلدية قديمة. وعندما وقعت عيناه على سارة… بكى. بكى كما يبكي الأطفال. تجمدت سارة في مكانها. وقالت بدهشة: ـ حضرتك مين؟ أخرج الرجل صورة قديمة مرتجفة من جيبه. ناولها لها. وعندما نظرت إليها… شهقت. وضعت يدها على فمها. ثم جلست على أقرب مقعد وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها. اقتربت منها بسرعة. نظرت إلى الصورة.
فوجدت فتاة صغيرة لا تتجاوز السادسة. كانت سارة. وبجوارها امرأة شابة. ورجل يقف خلفهما. سألت بصوت منخفض: ـ مين دول؟ رفع الرجل رأسه. وقال: ـ أمها… وأبوها. ثم أشار إلى نفسه. وأضاف: ـ وأنا أبوها. ساد صمت ثقيل. صمت جعل حتى العصافير تتوقف عن التغريد. لأن الجميع كان يعلم أن والدنا مات منذ سنوات. فكيف يكون هذا الرجل والدها؟
ثم نطق بالحقيقة التي قلبت كل شيء. قال: ـ سارة مش بنت أبوكي. اتسعت أعيننا جميعًا. وأكمل: ـ أنا والدها الحقيقي. أما الرجل اللي رباها بعد وفاة أمها… فكان والدك. شعرت بالصدمة. أما سارة فكانت تبكي بصمت. وقال الرجل: ـ كنت مسجونًا ظلم عشرين سنة. ولما خرجت دورت عليها في كل مكان. لحد ما وصلت ليكم. أخرج من الحقيبة عشرات الصور القديمة.
ورسائل. وأوراقًا تثبت كلامه. وبدأت قصة جديدة لم يكن أحد منا يتوقعها. قصة رجل ضاع منه عمر كامل يبحث عن ابنته. وابنة ظنت نفسها وحيدة في الدنيا. لتكتشف أن هناك أبًا ظل ينتظر لقاءها كل تلك السنوات. يتبع…جلس الرجل العجوز في حديقة المنزل وهو يضم الحقيبة الجلدية إلى صدره كأنها أغلى ما يملك. أما سارة فكانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع وعدم التصديق. قالت بصوت مرتجف:
ـ يعني… حضرتك أبويا؟ هز رأسه ببطء. ثم أخرج صورة أخرى. كانت صورة قديمة جدًا. باهتة الأطراف. لكن ملامح الطفلة الصغيرة فيها كانت واضحة. لم يكن هناك شك. كانت سارة. وكان الرجل يحملها بين ذراعيه. انهارت سارة تمامًا. وأجهشت بالبكاء. لأنها أمضت عمرها كله تعتقد أنها فقدت والديها إلى الأبد. وفجأة ظهر أمامها شخص يحمل نصف عمرها الضائع. — في الأيام التالية بدأ الرجل، الذي كان اسمه محمود، يروي قصته.
قبل أكثر من ثلاثين عامًا كان متزوجًا من والدة سارة. وكان يعمل محاسبًا في إحدى الشركات. ثم اتُهم في قضية اختلاس كبيرة لم يرتكبها. وحُكم عليه بالسجن. وخلال سنوات سجنه الطويلة توفيت زوجته بعد مرض مفاجئ. ولم يكن هناك من يرعى الطفلة الصغيرة. فتكفل والد منى بها. وأدخلها إلى العائلة. لكن حفاظًا على سمعتها ومستقبلها أخفى الحقيقة عن الجميع. ومرت السنوات. حتى خرج محمود أخيرًا من السجن بعد إثبات براءته.
لكن الوقت كان قد سرق منه كل شيء. زوجته. وشبابه. وابنته. — في البداية لم تستطع سارة التعامل مع الأمر. كانت سعيدة. وخائفة. ومرتبكة. كل المشاعر اختلطت معًا. أما محمود فكان يتعامل معها بحذر شديد. كأنه يخشى أن تختفي من أمامه إذا اقترب أكثر من اللازم. وكان يكتفي أحيانًا بالجلوس ومشاهدتها وهي تتحدث أو تضحك. فقط ليتأكد أنها حقيقية. —
وذات مساء… كان يحيى يلعب في الحديقة عندما اقترب من محمود وسأله: ـ إنت جدو؟ ضحك الرجل لأول مرة منذ حضوره. وقال: ـ أيوه يا حبيبي. فكر الطفل للحظة. ثم قال: ـ يعني أنت كنت ضايع؟ انفجر الجميع ضاحكين. أما محمود فامتلأت عيناه بالدموع. وأجاب: ـ أيوه يا حبيبي. كنت ضايع. بس الحمد لله لقيت الطريق. — مرت الشهور.
وبدأ البيت يستعيد دفئًا لم يعرفه منذ سنوات. لكن القدر كان يخبئ مفاجأة أخرى. في أحد الأيام تلقت سارة اتصالًا من مكتب محاماة كبير. وعندما ذهبت لمعرفة السبب… عادت وهي شاحبة الوجه. سألتها بقلق: ـ فيه إيه؟ جلست بصمت للحظات. ثم وضعت ملفًا على الطاولة. وقالت: ـ الراجل اللي لفّق القضية لأبويا مات. حدقت فيها بعدم فهم. فأكملت: ـ وقبل موته اعترف بكل حاجة.
فتحت الملف. وكان يحتوي على اعترافات موثقة. وأسماء شركاء. وأموال منهوبة. وأملاك ضخمة. ثم قالت سارة: ـ المحكمة أصدرت حكم بتعويض أبويا. سألت بدهشة: ـ كام؟ نظرت إليّ. ثم قالت رقمًا جعل الجميع يصمت. تعويض بملايين الجنيهات. مبلغ يكفي لتعويض عمر كامل من الظلم. لكن محمود فاجأ الجميع برد فعله. قال بهدوء: ـ الفلوس دي مش هترجع شبابي.
ولا هترجع أم سارة. ولا السنين اللي ضاعت. ثم نظر إلى ابنته. وأضاف: ـ بس ممكن تدي فرصة لناس تانية. وبالفعل… قرر إنشاء مؤسسة خيرية تحمل اسم زوجته الراحلة. لمساعدة أسر السجناء المظلومين. والأطفال الذين فقدوا ذويهم. — بعد عامين… افتُتح المبنى الجديد للمؤسسة. وكان الافتتاح بسيطًا. لكن مؤثرًا. وقفت سارة على المنصة. وبجوارها محمود. وأحمد. وأنا.
ويحيى. ثم قالت أمام الجميع: “في يوم من الأيام ظننت أنني فقدت عائلتي كلها. ثم اكتشفت أن الله كان يعيدها إليّ قطعة قطعة. أختًا… وأبًا… وابنًا… وأملًا جديدًا.” صفق الحاضرون بحرارة. أما محمود فكان يبكي بصمت. لأنه أخيرًا… لم يعد الرجل الذي ضاع منه كل شيء. بل أصبح الرجل الذي استعاد عائلته. ورغم كل الألم الذي مر بنا… أدركنا أن بعض النهايات المؤلمة ليست نهاية حقيقية.
بل بداية طريق لم نكن نتوقعه. تمت.

