
جلست مكاني وكأن الهواء انقطع من الغرفة. “آخر واحد شافه وهو لسه عايش…” الجملة كانت بتتردد في وداني كصدى مش بيخلص. بصيت لكريم، وقلبي بينكسر بين خوف وغضب. “اتكلم بوضوح… إيه اللي حصل في الليلة دي؟” كريم نزل عينه للأرض، وبعد لحظات قال: “كان فيه اجتماع طارئ في الشركة… في المخزن القديم بتاع الميناء.” ليلى قاطعته بسرعة: “بابا راح هناك لأنه كان كشف سر كبير… وكنت معاه قبل ما يخرج.” التفتُّ لها بصدمة: “إنتِ كنتِ معاه؟!”
هزّت رأسها: “كان بيقولي إنه هيرجع بسرعة… بس قبل ما يمشي، قال لي جملة غريبة… قال: لو حصلي حاجة، متثقيش في حد اسمه كريم.” تجمدت. بصيت لكريم. وشه اتغير فجأة. مش خوف… لكن توتر حاد. “ده كذب…” قالها بسرعة، لكن صوته كان مهزوز. ليلى وقفت فجأة: “مش كذب! أنا فاكرة كل كلمة!” سكتت لحظة، وبعدين كملت بصوت أخفض: “وبعدها بابا دخل الاجتماع… ومخرجش.” صمت. ثقيل. مخيف. سألت بصوت شبه مكسور: “إنت كنت فين وقتها يا كريم؟”
رد بعد تردد: “كنت هناك… بس متأخر. ولما وصلت… لقيت الدنيا مقلوبة. والناس بتقول إنه اختفى.” اقتربت منه خطوة: “وإيه اللي خلاك تختفي إنت كمان بعدها؟” سكت. ثم قال جملة أخطر من كل اللي قبلها: “لأن في حد جوه الشركة قرر يلمّ الموضوع… ويخلي كل اللي شافوا الحقيقة يسكتوا.” ليلى صرخت: “يعني بابا مات؟!” لكن كريم هز رأسه بسرعة: “أنا ما قلتش كده… أنا قلت اختفى.” ثم أضاف بصوت منخفض: “وفي حد لحد النهارده مش عايز الحقيقة تطلع.”
في اللحظة دي… الموبايل بتاعي رن. رقم غريب. بصيت للشاشة. رسالة واحدة بس: “اقفلي الباب كويس… هو عرف إنك بدأتي تسألي.” رفعت عيني ببطء. الباب اللي ورايا كان موارب. ومفيش حد في البيت غيرنا… اتسمر جسمي كله. بصيت للباب الموارب… وكان بيتهز خفيف كأنه حد لسه قافله من لحظة. ليلى مسكت إيدي بقوة: “فيه حد هنا؟” كريم لف بسرعة ناحية الباب، وصوته بقى حاد لأول مرة: “مفيش حد… بس واضح إن في حد بيراقبنا.” الهواء في الغرفة بقى تقيل.
قمت ببطء وقربت من الباب، وقلبي بيخبط بشكل مخيف. دفعت الباب برفق… مفيش حد في الصالة. بس… لقيت حاجة على الأرض. مظروف أبيض. مكتوب عليه اسمي. رجعت خطوة لورا وأنا مش قادرة أتنفس. “ده كان عند الباب من شوية…” همست. كريم مد إيده بسرعة: “ما تلمسيهوش!” بس كان متأخر. كنت فتحت المظروف بالفعل. جواه صورة قديمة. أنا… وجوزي الراحل… وفي الخلفية شخص واقف مش واضح الملامح. وقلب الصورة كان عليه دائرة حمرا حوالين وجه كريم.
ليلى شافت الصورة وصرخت: “هو ده! ده اللي شوفته في الليلة دي!” كريم حاول ياخد الصورة من إيدي، بس رجعت خطوة بسرعة. “إنت كنت عارف جوزي؟!” صرخت فيه. عيونه اتغيرت. مش دفاع… لكن انهيار. “أنا… كنت أعرفه أكتر مما تتخيلي.” سكت لحظة. وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة: “هو ما اختفاش… هو اتاخد قبل ما يفضح الصفقة اللي كانت هتسقط ناس كبار.” ليلى بصت له بذهول: “يعني إيه اتاخد؟” كريم رد بصوت منخفض: “يعني اتسكت عليه للأبد.”
سقوط صمت جديد. لكن فجأة… نور الشقة قطع. الظلام بلع المكان. وصوت خطوة واحدة بس اتسمع من ناحية الممر… ثم همسة قريبة جدًا من ودني: “إقفلتي الباب… بس متأخر.” اتجمدت في مكاني. الهمسة كانت قريبة لدرجة إني حسيت نفس دافئ عند أذني… بس لما التفت، مفيش حد. الظلام كان كامل تقريبًا، غير نور خافت جاي من المطبخ. ليلى صرخت: “ماما! النور قطع ليه؟!” كريم بص حواليه بسرعة، وطلع موبايله كأنه بيحاول يفتح الفلاش: “ده مش قطع عادي… ده حد قاطع الكهرباء من برّه.”
قلبي وقع. “يعني إحنا محبوسين؟” قبل ما حد يرد، سمعنا خبطة قوية على الباب الخارجي. مرة واحدة. ثم ثانية. وبعدها صوت رجولي خشن: “افتحوا… وخلّوا كريم يطلع الأول.” ليلى مسكت فيا أكتر: “هو… هو موجود برّه؟!” كريم وشه اتغير تمامًا. مش خوف بس… ده كان شكل شخص شاف كابوس قديم رجعله فجأة. همس: “قلتلكم… قلتلكم إنهم لسه بيدوروا.” اقتربت منه بغضب: “مين دول؟ وإنت ليه مستهدف؟!” لكن قبل ما يجاوب، الخبط على الباب زاد بقوة مرعبة.
“افتح يا كريم! مش هنكررها تاني!” كريم خد خطوة لورا، وبص ليلي، وبعدين ليّ. وقال بصوت مكسور: “لو فتحوا الباب… هتعرفوا الحقيقة كلها في دقيقة واحدة.” ليلى صرخت: “ما تفتحش!” لكن أنا وقفت فجأة. مش عارفة ليه… إحساس غريب جوايا بيقولي إن الحقيقة خلاص وصلت للباب. مددت إيدي ناحية المفتاح… وفي نفس اللحظة، صوت من ورا الباب قال جملة أخيرة: “جوزك ما اختفاش… هو سلّم نفسه عشان يحميكم.” تجمدت إيدي فوق المفتاح. وكريم همس: “لو فتحتي… مفيش رجوع.”
والباب بدأ يتحرك لوحده ببطء… كأنه حد من برّه بيفتحه بالقوة. وفي اللحظة دي… النور رجع فجأة. وشخص واقف عند مدخل الشقة ظهر بوضوح كامل… وكان لابس بدلة رسمية قديمة، ووشه مألوف لدرجة خلتني أصرخ: “إنت… مستحيل!”

