العربية وقفت قدام هنجر قديم ومصدي، نزلونا وضهرنا مكشوف، ودخلونا جوه المكان اللي كان ضلمة ومفهوش غير لمبة واحدة مدندلة من السقف. الراجل الكبير بتاعهم قعد على كرسي خشب وبصلي أنا وأحمد وقال: * قدامكم بالظبط ساعتين.. الشنطة تيجي هنا سليمة، يا إما هقسّم أخوكي حتت وأبعتهالك في أكياس يوم العيد.. وأنتِ اللي هتروحي تجيبيها. أحمد صرخ وهو بيعيط: * الشنطة مش معايا.. أنا مخبتهاش في بيتنا عشان خفت أمي تشوفها! الراجل وقف ومسك أحمد من شعره وصرخ فيه:
* أومال فين يا روح أمك؟! أنطق بدل ما أخلص عليك دلوقتي! أحمد بصلي وعينيه طالعة لبرة من الرعب وقال بصوت بيرتعش: * شيلتها… شيلتها في… لفيت وشي وأنا بترعش والدموع مغمية عيني، وكنت متوقعة أشوف واحد من رجالة الهنجر جاي يخلص عليا بعد ما الشنطة اختفت.. لكن الصدمة شلت لساني لما شفت اللي واقف قدامي. كانت “حم,,اتي”.. أم إيهاب! واقفة بكل برود، ولابسة عبايتها السودا، وفي إيدها الشنطة السمرة اللي هدت حياتنا كلنا. بصتلي بنظرة كلها شم,,اتة وقسوة، وقالت بنبرة هادية تخوف:
* بتدوري على دي يا غادة؟ قمت وقفت على رجلي وأنا مش مصدقة، وسألتها بصوت بيترعش: * أنتِ؟ الشنطة معاكي أنتِ؟ يعني إيه؟ وإيهاب وأحمد اللي بيمــ,,ـــــوتوا بره؟ ضحكت حماة ضحكة صفرا وقربت مني وقالت: * إيهاب ابني غبي وعصبي، طول عمره فاكر نفسه أذكى من الكل. والناس اللي شغال معاهم دول، أنا اللي مشغلاهم من وراه! إيهاب كان مجرد واجهة، ولما خاف وحب يستنصح ويخبي الشنطة في بيتي، أحمد أخوكي الطماع كان مراقبه وس,,رقها.. بس أحمد غبي زي جوزك، افتكر إنه لما يخبيها في شقتك أنتِ بالذات محدش هيشك فيه.
برقت عيني وقولت لها بذهول: * يعني أنتِ كنتِ عارفة؟ قالت بقسوة: * طبعًا عارفة، أنا اللي زرعت عيون ورا أخوكي وشفته وهو داخل هنا بالشنطة، وجيت أخدتها بعد ما مشي عل طول. وكنت قاصدة أخلي إيهاب يطلب منك تنظفي بيتي عشان لو الشنطة اختفت، ألبسها فيكي أنتِ وأهلك وأخلص منكم، بس غباء أخوكي ريحني ووفر عليا المجهود. صرخت فيها بوجع وقهر: * حرام عليكي! ابك محبوس في القسم وهيت.، وأخويا الصغير هيندبـ,ـح في الهنجر كمان ساعة بسبب الشنطة دي! اتقي الله دي ليلة عيد!
ملامحها اتقلبت للغل والشر وقالت: * إيهاب ابني هعرف أخرجه، المحامي بتاعي مرتب كل حاجة والواد اللي مضروب هياخد قرشين ويغير أقواله في النيابة كمان شوية.. أما أخوكي؟ فخليه يمــ,,ـــــوت، يستاهل عشان مد إيده على حاجة مش بتاعته. أنا هاخد الشنطة دي وأسافر بره البلد باللي فيها، والكل يضــ,,ـــــرب دماغه في الحيط.
لفت ضهرها وبدأت تتحرك ناحية الباب وهي واثقة إنها انتصرت.. وفي اللحظة دي، حسيت بنــ,,ـــــار قايدة في صدـ,,ـــري، نــ,,ـــــار الكرامة والظلــ,,ـــــم وقهر ليلة العيد وأخويا اللي هيروح في ثواني. من غير ما أفكر، لمحت فازة كريستال تقيلة على الترابيزة جنب الباب، مسكتها بكل قوتي وجريت عليها، وخبطتها بكل غل على رأسها من ورا. وقعت حم,,اتي على الأرض غرقانة في دمها، والشنطة اتنطرت من إيدها. كنت بنهج وبترعش، وجسمي كله بيلتفت حواليا كأني في حلم. مسكت الشنطة بسرعة، وفتحت باب الشقة وجريت على السلم وزي المجنونة.
طلعت تليفوني وأنا بجري في الشارع، واتصلت بالرقم اللي كلمني منه الراجل بتاع الهنجر، وقولتله بصوت قاطع ومفهوش خوف: * الشنطة معايا.. أنا جاية في الطريق، بس لو لمست شعرة من أخويا، هحــ,,ـــــرق الشنطة باللي فيها وهسلم نفسي لأقرب قسم شرطة بالأسماء والعناوين. الراجل سكت ثواني وبعدين قال: * قدامك نص ساعة.. لو جيتي والشنطة كاملة، هتاخدي أخوكي وتمشوا.. وإحنا مالناش دعوة بجوزك ولا بأمه. وصلت الهنجر بعد نص ساعة بالثانية.. دخلت وبكل شجاعة رميت الشنطة تحت رجلين الراجل. فتحها وبص للفلوس والبضاعة وهز رأسه لرجاله. فكوا أحمد اللي كان وشه أزرق ومتبهدل من العياط.
أحمد جيري عليا وحــ,,ـــــضني وهو بيترعش ويقول: * أنا أسف يا غادة.. أنا أسف سامحيني، أنا ضيعتكم. أخدته من إيده وخرجنا بره المكان ده، وركبنا تاكسي ورجعنا على بيت أمي. ليلة العيد كانت خلاص بتخلص، والناس بدأت تكبر تكبيرات العيد في المساجد. دخلت الشقة، وأمي أول ما شافت أحمد سليم ارتمت في حــ,,ـــــضنه وهي بتبكي. أنا قعدت على الكنبة وأنا بحس بأول دمعة باردة تنزل على خدي.. دمعة الارتياح.
بعدها بيومين، عرفت إن حم,,اتي عاشت لكنها اتصابت بشلل نصفي ومبقتش قادرة تتكلم، وإيهاب خرج من القسم بكفالة، لكن أول ما عرف إن أمه اتشلت والفلوس ضاعت، جاله انهيار عصبي واختفى تمامًا ومبقاش ليه عين يوريني وشه. أما أحمد أخويا، فتعلم الدرس اللي عمره ما هينساه، وقفل باب الطمع والس,,رقة وندم ندم عمره. وقفت في بلكونة بيت أهلي، وبصيت للسما وأنا بأخد نفسي لأول مرة من أيام.. ليلة العيد دي كانت كابوس، لكنها فوقتني وعرفتي إن كرامة البني آدم وأهله هما السند الوحيد اللي يستاهل نحارب عشانه، وإن الظلــ,,ـــــم مهما طال ليله.. لازم الحق يظهر في النهاية.

