إخواتي كانوا برة، وبابا هو اللي قام يفتح.. فتح الباب، ولقيت راجل واقف لابس لبس رسمي ومعاه ورق في إيده، وقال بصوت جهوري مسموع للشارع كله: * “الاستاذ (…) موجود؟ معايا إعلان محضر بطلب الدخول في الطاعة للمدام (…).” الدنيا اسودت في عيني.. وبابا سحب الورقة من المحضر بعنف، وبص فيها وعينه بتطلع شرار، ولسه هيتكلم ويجر شكل المحضر، لقيت تليفوني أنا بيرن في جيبي برقم غريب.. خ.طفت الخط وفتحت السبيكر وأنا مش دريانة بنفسي، وجاءني صوت جوزي، لكن المرة دي مكنش هادي.. كان صوته مليان شماتة وقسوة عمري ما تخيلتها فيه:
* “الورقة وصلت صح؟ عشان تعرفي بس إن كلمتي بتمشي، وأبوكي اللي قعدك في بيته، مش هيعرف يحميكي من القانون.. قدامك أيام، يا تيجي منقادة ورجلك فوق رقبتك، يا تشوفي بقى فضيحتك في وسط المحاكم هتبقى عاملة إزاي!” بابا سمع الصوت، خ.طف التليفون من إيدي وزعق فيه بأعلى صوته.. بابا سمع الصوت، خ.طف التليفون من إيدي وزعق فيه بأعلى صوته، وعروق رقبته كانت هتنفجر من الغضب: * “اسمع ياض أنت! بنتي مش هترجعلك، والورقة دي بلوها واشربوا ميتها! المحاكم اللي بتهددنا بيها دي إحنا اللي هنعرفك طريقها، وقسماً بالله ما هتشوف ضفرها تاني، واعلى ما في خيلك اركبه!”
وقبل ما يستنى رد، قفل السكة في وشه ورما الموبايل على الكنبة بعنف، والتفت للمحضر اللي كان واقف مذهول ومحرج من المنظر، بابا وقع على الورقة بغيظ وقاله: “اتفضل أنت يا استاذ، إعلامك وصل”. أول ما الباب اتقفل، بابا بصلي وبص لماما وقال بصوت حاسم يقطع أي مناقشة: * “مفيش عياط ومفيش كلام.. البني آدم ده ملوش قعاد في بيتنا، وبكرة الصبح هوديكي للمحامي الأستاذ فريد، هو اللي هيعرف يربيه بالقانون وندافع عن كرامتنا اللي فاكر إنه هيذلها ببيت الطاعة.”
ماما قعدت على الأرض منهارة، وأنا رجلي مكنتش شايلاني.. دخلت أوضتي ورميت نفسي على السرير، حاطة إيدي على وداني عشان مسمعش صوت دقات قلبي المرعوبة. القضية دي معناها إن الحكاية مفيش فيها رجوع، ومعناها إننا دخلنا نفق مظلم، وكل ده ليه؟ عشان عِند.. عِند أبويا اللي صمم يكسر كلمة جوزي في أول شهر، وعِند جوزي اللي صمم يثبت رجولته بأنه يكسر كرامة أبويا وكرامتي أنا.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت بابا وهو بينادي عليا.. لبست إسدالي وخرجت، لقيت وشه شاحب وعيونه منمتش، لكن نظرة التحدي لسه في عينه. أخدني من إيدي ونزلنا، وطول الطريق في التاكسي مكلمنيش كلمة واحدة، كان بيبص من الشباك وسرحان في المعركة اللي اختار يدخلها. وصلنا مكتب المحامي، راجل وقور في الخمسينات، قعدنا معاه وبابا حكاله كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم، وورّاه إعلان بيت الطاعة. المحامي هز راسه بهدوء وفضل يقلب في الورق، وبعدين بصلي وقال بنبرة هادية:
* “بصي يا بنتي.. قضية بيت الطاعة دي إجراء قانوني بيعمله الزوج لإثبات إن الزوجة تركت مسكن الزوجية بدون إذن. إحنا قدامنا ٣٠ يوم بالتمام والكمال من تاريخ الإعلان ده عشان نعمل حاجة اسمها ‘اعتراض على بيت الطاعة’، ونثبت فيها إن المسكن غير شرعي، أو إنه غير أمين عليكي نفساً ومالاً.” بابا اتدخل بسرعة وعصبية: * “واحنا مش هنعترض بس يا سيادة المتر، إحنا عايزين نرفع عليه قضية خلع أو طلاق للضرر، البني آدم ده مش هيدخل بيتنا تاني.”
المحامي قلع نضارته وبص لبابا بجدية: * “يا حاج.. الطلاق والخلع ساهلين، بس لازم البنت تفكر كويس، دول لسه متجوزين بقالهم شهر! القضايا دي بتاخد وقت وفضايح في المحاكم وجرجرة، والصلح دايماً خير.. لو الولد شاريكوا، ندخل وسيط خير ويلم الموضوع.” بابا ض.رب بإيده على المكتب: * “وسيط خير بعد ما بعت محضر للبيت وفضحنا قدام الجيران؟! مفيش صلح يا متر، اكتب الاعتراض واكتب قضية الطلاق، والنفقة والمؤخر وكل حقوقها هناخدها منه تالت ومتلت!” المحامي بصلي وقال: “أنتِ رأيك إيه يا مدام؟ دي حياتك أنتِ”.
بصيت لبابا لقيت عينه مليانة رجاء ممزوج بتهديد صامت، وبصيت للمحامي وحسيت بغصة في حلقي.. لو قولت عايزة جوزي، هكسر أبويا اللي جابني لحد هنا، ولو وافقت على الطلاق، هكون بهد بيتي بإيدي. بلعت ريقي وقولت بصوت مخنوق: * “اللي يشوفه بابا يا متر.. أنا مع بابا.” المحامي تنهد وبدأ يكتب الطلبات، وطلب مننا صور قسيمة الجواز والبطاقة عشان يبدأ الإجراءات.. خرجنا من المكتب وأنا حاسة إني شايلة جبل على كتافي، والوقت بيعدي والشرخ بيكبر كل يوم عن اللي قبله.
بعد أسبوعين من تقديم الاعتراض، كنت قاعدة في البيت لما لقيت جرس الباب بيرن من تاني.. إخواتي فتحوا الباب، ولقوا واحدة ست غريبة واقفة، بتسأل عليا بالاسم.. الست دي مكنتش محضر، دي كانت جارتنا القديمة اللي ساكنة في نفس العمارة اللي فيها شقة حماتي! دخلت الصالة وماما رحبت بيها وهي مستغربة زيارتها، الست قعدت وبصتلي بنظرة كلها أسف وقالت:
* “يا أم (…)، أنا جاية لوجه الله، ومش عايزة مشاكل، بس قولت لازم أعرفكم باللي بيحصل من ورا ظهركم.. جوز بنتك وأمه عارضين شقة الزوجية للإيجار مفروش، وناوين ينقلوا حاجتك كلها في مخزن، وهو مجهز نفسه للسفر برة البلد تانّي ومش راجع!” الخبر نزل عليا وعليّ ماما زي الصاعقة.. “يعرض الشقة للمفروش؟ وهيلم حاجتي في مخزن؟!”.. الدم جمد في عروقي، وماما حطت إيدها على قلبها وصوتها طلع مخنوق: * “يالهوي يا أم أحمد! أنتِ متأكدة من الكلام ده؟ دا حاجتها ولبسها وجهازها كله هناك، دا إحنا لسه مكملناش شهرين، والجهاز لسه جديد بورقته!”
الجارة هزت راسها بأسف وقالت بصوت واطي: * “والله يا أم (…) أنا شوفت السمسار بعيني وهو طالع معاه ومع أمه الشقة امبارح بالليل، وسمعتهم بأذني وهم بيتفقوا على تمن الإيجار، وقالتله ‘فضّي الأوضتين المقفولين وانقل حاجتها في مخزن تبعنا في وسط البلد، لحد ما المحكمة تحكم لنا’. أنا قولت أبلغكم عشان تلحقوا حاجتكم وجهازكم قبل ما يتداس عليه في المخازن، أو يضيع منكم وتلفوا وراه في المحاكم.”
الست مشيت من هنا، والبيت اتقلب لمناحة.. ماما بدأت تصوت وتلطم، وإخواتي الصبيان وشهم أحمر وعروقهم برزت، ولما بابا جه وعرف باللي حصل، البيت كله كان بيغلي. بابا فضل رايح جاي في الصالة زي الأسد الجريح، كرامته اللي كان بيحارب عشانها بقت في الميزان مع شقا عمره وجهاز بنته. مسك تليفونه واتصل بالمحامي الأستاذ فريد فوراً، وحكاله على اللي بيحصل، وسمعنا صوت المحامي وهو بيقوله في السماعة:
* “يا حاج، دا إجراء خبيث منه عشان يزنقنا.. هو كده بيأمن نفسه، ولو نقل العفش من غير إذنكم أو من غير جرد، دي هتبقى قضية ‘تبديد منقولات زوجية’ (قائمة العفش)، وبكده نقدر نحبسّه ونلوى دراعه.. بس لازم نتحرك بسرعة وبحذر.” بابا قفل مع المحامي وبص لإخواتي وقال بصوت حازم وناشف: * “مفيش محاكم هتجيب حقنا دلوقتي.. المحاكم هتقعد سنين وتلت والعفش هيبوظ ويتسرق.. إحنا هنروح بكره الصبح، وناخد عربية نقل، وندخل الشقة وناخد حاجتنا كلها بالذوق أو بالعافية.. وال بيبتدي بالبادي أظلم.”
ماما صرخت: “يا حاج استهدى بالله! هتروحوا تكسروا الشقة؟ دي هتبقى خناقة وفضيحة في المنطقة هناك، والشرطة هتيجي!” بابا زعق فيها: “الباب يتكسر، والمنطقة كلها تتفرج! لكن حاجت بنتي وشقايا مش هسيبه لعيل زي ده يرميه في مخازن ويذلنا بيه!” طول الليل ممتش.. كنت حاسة إن الحكاية وسعت أوي، وخرجت من إيدي تماماً.. مبقتش مجرد خناقة على ‘قعدة يومين’، دي بقت حرب كرامة وعفش وفضايح. كنت ببص لصور فرحنا اللي على الموبايل وببكي.. إزاي الضحكة دي تتحول لغل وقضايا وعربيات نقل وعفش بيتلم في الشارع؟

