
في تلك الليلة، لم أنم دقيقة واحدة.
أما أحمد فكان يجلس في الصالة منذ رحيل الرجلين. صامتًا. شاحب الوجه. ينظر إلى الأرض وكأنه ينتظر حكمًا سيصدر عليه. وعند الفجر تقريبًا، قررت أن أعرف الحقيقة كاملة. وضعت أمامه كوب شاي وقلت: — “مش هقوم من هنا غير لما تحكي كل حاجة.” ظل ساكتًا لدقائق. ثم قال: — “في حاجة ما قلتهاش.” شعرت بقلبي ينقبض. — “طبعًا.” رفع عينيه نحوي. — “أنا ما استلفتش من شركات ولا بنوك بس.” — “أمال من مين؟” ابتلع ريقه.
— “من واحد اسمه رجب.” لم أعرف الاسم. لكن الطريقة التي نطقه بها جعلتني أفهم أنه شخص خطير. قال: — “في الأول كان بيساعد ناس تتعثر ماليًا.” ثم ضحك بمرارة. — “بعد كده اكتشفت إنه بيشتري الناس كلها.” بدأ يحكي. كيف اقترض مبلغًا صغيرًا. ثم تضاعفت الفوائد. ثم أصبح مطالبًا بمبالغ خيالية. وكلما عجز عن السداد، أضافوا مبلغًا جديدًا. حتى أصبح أسيرًا لهم. قلت: — “وليه ما قلتليش؟” أجاب: — “كنت خايف أخسرك.” نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت: — “وبالكذب كنت هتكسبني؟” لم يجد جوابًا. بعد ساعات قليلة، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة فارتجفت يده. كان رجب. أغلق الهاتف فورًا. لكن بعد دقيقة وصلته رسالة. قرأها. ثم تحول وجهه إلى اللون الأبيض. خطفته من يده. وكان مكتوبًا: “آخر فرصة. النهارده بالليل.” شعرت بالرعب. لكنني رفضت الاستسلام. اتصلت بشقيقي الأكبر كريم. وكان يعمل محاميًا. وصل خلال ساعة واحدة. قرأ كل العقود والإيصالات التي وقعها أحمد. ثم قال جملة أعادت لنا بعض الأمل:
— “معظم العقود دي غير قانونية.” رفع أحمد رأسه لأول مرة. — “يعني إيه؟” — “يعني اللي عملوه فيك ابتزاز أكتر منه دين.” بدأ كريم يجمع الأوراق. ويتواصل مع جهات مختصة. وفي المساء، عندما جاء رجب ورجاله مرة أخرى، لم يجدوا أحمد وحده. وجدوا محاميًا. ووجدوا رجال شرطة ينتظرونهم. تغيرت ملامحهم فورًا. وحاولوا الانسحاب. لكن الوقت كان قد فات. خلال الأسابيع التالية انكشفت شبكة كاملة كانت تستغل المتعثرين ماليًا. وكان أحمد واحدًا من عشرات الضحايا.
انتهت القضية بعد شهور طويلة. وخسرنا جزءًا من مدخراتنا. وبعتُ بعض الحُلي فعلًا. لكن بإرادتي هذه المرة. وليس سرًا. أما أحمد… فاحتاج وقتًا طويلًا ليستعيد ثقتي. ولأكون صادقة، لم تعد الأمور كما كانت. الثقة عندما تنكسر لا تعود كاملة. لكن شيئًا واحدًا تغير للأفضل. في إحدى الليالي، كنت أضع ليان في سريرها. فقالت لي: — “ماما؟” — “نعم يا حبيبتي.” ابتسمت وقالت: — “أنا فرحانة إني كلمتك يومها.” احتضنتها بقوة. وأدركت أن أغلى ما أملكه لم يكن الدهب الذي كان يصوره أحمد…
بل تلك الطفلة الصغيرة التي أنقذت أسرتنا بهمسة واحدة. ❤️ النهاية.

