
الفصل الثالث الساعة بدأت تعد. ونادية واقفة في مكتب الأرشيف كأن الأرض اتشالت من تحت رجليها. إيدها ماسكة الموبايل. وعينها مثبتة على الشاشة السودا بعد ما المكالمة اتقفلت. صوت آدم لسه في ودنها. “ماما؟” كان صوته صغير. مرعوب. مخنوق. صوت طفل اتخطف من قدام مدرسة لأنه صدق إن أمه بعتهاله. نادية رفعت عينها لكريم. ماصرختش. ماهجمتش عليه. ماعيطتش. بس بصتله.
والنظرة وحدها كانت كفاية تخليه يرجع خطوة لورا. قالت بصوت واطي: — مكان ابني فين؟ كريم حاول يحافظ على بروده. — قلتلك. في مكان آمن. رفعت مسكه من ياقة بدلته بعنف. — مكانه فين يا كريم؟ كريم زقه. — إبعد عني. رفعت صرخ: — إنت خطفت طفل! كريم رد بغضب: — أنا بحمي اللي فاضل من العيلة! نادية قربت منه.
— العيلة؟ ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة. — العيلة عندك يعني ورق وفلوس وبيت؟ طفل مرعوب ده مش عيلة؟ كريم بص لها بكره. — الطفل ده لو ماكانش موجود، كل ده ماكانش حصل. وفي اللحظة دي، رفعت رفع إيده تاني، لكن نادية وقفته. — لا. بص لها. قالت: — الضرب مش هيرجع آدم. ثم بصت لكريم. — وإنت هترجعه. كريم ابتسم ببرود. — مقابل التوكيل.
نهى، السكرتيرة، قالت بصوت مرتعش: — أستاذ كريم، بلاش. الموضوع كده كبر أوي. كريم التفت لها: — إنتِ تسكتي خالص. إنتِ سبب المصيبة دي. نادية قالت بسرعة: — لا. السبب إنك فاكر الناس شطرنج. ثم فتحت شنطتها وطلعت الفلاشة والملفات. كريم عينه لمعت. — أهو ده الكلام العاقل. لكن نادية رفعتهم لفوق وقالت: — دول مش هتاخدهم غير لما آدم يبقى قدامي. كريم قال:
— إنتِ مش في موقف تفاوض. نادية قربت خطوة. — غلطان. أنا أم ابنها اتخطف. ودي أخطر ست ممكن تقف قدامك. رفعت بص لها. كان شايفها لأول مرة فعلًا. نادية اللي كان فاكرها هادية وضعيفة. نادية اللي كانت بتعدي عشان البيت يمشي. نادية اللي كان بيتخيل إنها مش هتقدر تعيش من غيره. دلوقتي واقفة وسط شركة منهارة وتهديدات وخطف. ومع ذلك… ثابتة. قال رفعت بصوت مبحوح:
— نادية، خلينا نبلغ الشرطة. كريم ضحك. — بلغ. وأول حاجة هتطلع هي الملفات اللي معاها. وهتتحبس أنت قبل ما يعرفوا مكان العيل. رفعت سكت. الكلمة أصابته في قلب خوفه. لكن نادية ما سكتتش. — أنا هبلغ الشرطة. كريم اتجمد. — إنتِ مجنونة؟ — يمكن. — ابنك في إيدي. — ابني في إيد مجرم. وده سبب إني مش هتعامل معاك كواحد عاقل.
رفعت قال بتوتر: — نادية، استني. بصت له بحدة: — استنى إيه؟ لما يقتلوه؟ لما يرعبوه أكتر؟ لما يساوموني عليه؟ ثم وجهت كلامها لكريم: — أنا هتصل بالشرطة. وهبعت لهم صورة التوكيل المزور. وهبعت لهم تسجيل المكالمة. وهبعت لهم كل الملفات. ولو آدم اتأذى، إنت أول اسم هيتقال. كريم حاول يضحك. بس الضحكة طلعت مهزوزة. — مافيش تسجيل. نادية رفعت الموبايل. — تليفوني بيسجل تلقائيًا.
كانت كذبة. بس كريم صدقها. وده ظهر في عينه. رفعت لمح الخوف على وش ابنه. فهم. نادية بتلعب بأعصابه. وأول مرة يحس بفخر ناحيتها. لكن الفخر اختلط بالخزي. لأن الست دي ماكانتش محتاجة تبقى محاربة لو هو ماكسرش أمانها من البداية. فجأة كريم أخرج موبايله واتصل بحد. نادية حاولت تخطف الموبايل، لكن رفعت مسك إيد كريم بقوة. — هتكلمه قدامي. كريم قال بغضب:
— سيبني. رفعت ضغط أكتر. — قدامي يا كريم. كريم بص لأبوه للحظة. ثم فتح السبيكر. رد صوت رجل: — أيوة يا باشا؟ كريم قال بعصبية: — الولد كويس؟ الرجل رد: — كويس. بس بيعيط ومش ساكت. نادية شهقت. — عايزة أكلمه. كريم تجاهلها. — إنت فين؟ الرجل سكت. كريم صرخ: — بقولك فين؟ الرجل قال:
— المخزن القديم. رفعت اتجمد. — أنهي مخزن؟ كريم بص له. والإجابة ظهرت قبل ما يقولها. مخزن الشركة القديم في طريق مصر إسكندرية الصحراوي. مكان بعيد. كان زمان تابع لمشروعات رفعت. وبعدين اتقفل بعد حريق صغير. نادية سمعت الاسم من رفعت قبل كده. مرة واحدة. من سنين. رفعت قال بصوت متوتر: — المكان ده مهجور. كريم قال بسرعة في الموبايل:
— ماحدش يتحرك من هناك. أنا جاي. نادية قالت: — إحنا جايين. كريم قال: — لا. رفعت مسكه من دراعه: — كلنا رايحين. كريم بص لأبوه بتحدي: — فاكر نفسك لسه بتأمرني؟ رفعت قال بصوت واطي لكنه مخيف: — لا. المرة دي مش بأمرك. المرة دي بمنعك تعمل أكبر غلطة في حياتك. كريم ضحك بمرارة: — أكبر غلطة؟ أنا اتربيت على إيدك يا حاج. إنت اللي علمتني إن الضعيف مالوش مكان.
رفعت سكت. الكلام كان بيجلده. لكن نادية قاطعته: — كفاية دراما. ابني لوحده دلوقتي. تحركت ناحية الباب. نهى جريت وراها. — مدام نادية، خدي الفلاشة دي كمان. مدت لها فلاشة تانية صغيرة. — فيها نسخة من كل التسجيلات اللي قدرت أجمعها. وخدي بالك… كريم مش لوحده. نادية سألت: — مين معاه؟ نهى بصت لكريم بخوف. — شريكه القديم. فؤاد السيوفي. رفعت وشه اتبدل.
— فؤاد؟ نادية بصت له. — مين فؤاد؟ رفعت قال بصوت خافت: — راجل المفروض إنه اختفى من سنين. كريم ابتسم. — ماختفاش. أنت اللي حبيت تصدق إنه اختفى. رفعت قرب منه. — إنت دخلت فؤاد في الموضوع؟ — هو الوحيد اللي فاهم اللعبة. رفعت قال: — ده مجنون. كريم رد ببرود: — لا. ده ذكي. وعارف إزاي ياخد حقه. نادية ماكانش عندها وقت تفهم التاريخ كله.
لكنها فهمت حاجة واحدة. آدم مش بس مع سواق مأجور. آدم مع ناس عندهم انتقام قديم. وده خلّى الرعب يكبر جواها. نزلوا بسرعة. رفعت، نادية، كريم، ونهى. وفي الجراج، رفعت أمر السواق يجيب العربية. نادية قالت: — لا. هنركب عربيتي. رفعت استغرب. — ليه؟ — عشان مش ضامنة حد من رجالتك. كريم ضحك. — برافو. بدأتي تفهمي. نادية بصتله:
— هتفهم إنت كمان بعد شوية. ركبوا. نادية أصرت تسوق. رفعت قعد جنبها. كريم ورا. ونهى جنبه، ماسكة شنطتها بإيدين مرتعشين. الطريق كان طويل. لكن بالنسبة لنادية كان كأنه طريق لحبل مشنقة. كل دقيقة بتعدي كانت بتسأل نفسها: آدم بيعمل إيه؟ هل بيعيط؟ هل حد ضربه؟ هل فاكر إنها سابته؟ آخر سؤال ده كان بيقتلها. إنه يفتكر إنها بعتت حد ياخده.
إنه يحس إن أمه خدعته. ضغطت على الدريكسيون لحد ما مفاصل صوابعها ابيضت. رفعت لاحظ. وقال بهدوء: — هنرجعه. نادية ما بصتش له. — لازم ترجعه. — نادية… — لا. صوتها كان حاسم. — ماتقوليش اسمي بالطريقة دي. ماتحاولش تلين الموقف. أنت السبب الأول. رفعت سكت. وبعد لحظة قال: — عارف. الكلمة فاجأتها. بصت له بطرف عينها. كان باصص قدامه.
وعينه مليانة ندم. — عارف إن كل ده بدأ مني. لو ماكنتش قلت اللي قلته، مكنتيش جهزتي الشنط، وكريم ماكانش اتحرك بالسرعة دي، وآدم ماكانش… صوته وقف. نادية قالت: — كمل. ماكملش. لأنه مقدرش يقولها. ماقدرش يقول “اتخطف”. الكلمة نفسها كانت تقيلة. كريم من ورا قال بسخرية: — يا سلام على لحظة الندم. مؤثرة جدًا. رفعت لف له. — إنت تخرس.
كريم قال: — ليه؟ مش عاجبك تشوف نتيجتك؟ أنا نسختك يا بابا. بس من غير تمثيل. رفعت قال: — لا. أنت أسوأ مني. كريم ضحك: — عشان اتعلمت منك كويس. نادية صرخت: — كفاية! العربية سكتت. قالت وهي عينيها على الطريق: — ابني مش خلفية لمحاسبة عائلية. لما يرجع، اتحاسبوا براحتكم. دلوقتي عايزة أعرف كل حاجة عن فؤاد. رفعت تنهد. — فؤاد السيوفي كان شريكي زمان. من أكتر من عشرين سنة. بدأنا سوا في المقاولات. كان أذكى مني في الورق، وأنا كنت أقوى منه في السوق.
نادية قالت: — وبعدين؟ — اختلفنا على صفقة أرض كبيرة. هو قال إني خدعته. وأنا قلت إنه حاول يسرقني. كريم ضحك:
