Advertisements
Advertisements
منوعات

طـ . ـلاق بائن الخامس والأخير حكـايـات أسـمـا

Advertisements

أغلقت الهاتف، وبعد دقائق قليلة رن هاتفها مرة أخرى، لم يكن كريم، كان فؤاد المنصوري، صوته لم يحمل الغطرسة القديمة، بل كان خائفًا وغاضـ . ـبًا في الوقت نفسه: مريم، إوعي تعملي حاجة متهورة، قالت: بنتي فين؟ قال: أنا معرفش، صـ . ـرخت لأول مرة: كداب! ثم سكتت، وأكملت بصوت منخفض: لو جـ . ـنى مرجعتش، مش هسيب في بيتكم حجر على حجر، قال فؤاد: تعالي الفيلا، نتكلم، قالت: لا، هتيجوا إنتوا، ومعاكم جـ . ـنى، قدام قسـ . ـم الشـ . ـرطة، قدام الناس، وإلا كل حاجة هتخرج للنور حالًا.
بعد نصف ساعة، كانت مريم واقفة أمام القسـ .

ـم، إلى جوارها أحمد وسامح عزت والمـ . ـستشار ناصر الخولي، ومعهم نسخة من الفيديو ونسخ من الملفات، وصلت سيارة فؤاد أولًا، ثم سيارة كريم، ثم سيارة ثالثة نزلت منها رانيا وهي تحمل جـ . ـنى، كانت الطفلة تبكي بكـ . ـاءً ضعيـ . ـفًا، وما إن رأتها مريم حتى ركضت نحوها، حاولت رانيا أن تتراجع، لكن الضابط الواقف عند الباب تقدم فورًا، أخذ الطفلة منها وسلمها لمريم، ضمت مريم ابنتها إلى صدرها كأنها تعيد روحها إلى جسدها، بكت جـ . ـنى، وبكت مريم معها، لكنها لم تكن دمـ . ـوع ضعف، كانت دمـ .

ـوع أم عادت من حافة المـ . ـوت.
حاول كريم الاقتراب وقال: مريم، الموضوع اتفهم غلـ . ـط، نظرت إليه نظرة جعلته يتراجع، قالت: متقربش مننا، تدخل فؤاد بسرعة: إحنا هنحل كل شيء ودي، ضحك أحمد بسخـ . ـرية مريرة: ودي؟ بعد خطف طفلة؟ بعد تزوير؟ بعد مؤامـ . ـرة؟ رفع المـ . ـستشار ناصر الملف أمام الضابط وقال بهدوء: عندنا بلاغ رسـ . ـمي بخطف قاصر، وتزوير مستندات، وشـ . ـروع في تلفيق اتهامـ . ـات، بالإضافة إلى ملف مالي كامل يخص مجموعة المنصوري، وأسـ .

ـماء الشهود موجودة، تغير وجه فؤاد، أما كريم فنظر إلى أبيه كأنه اكتشف فجأة أن الأب الذي طالما احتمى به لن يستطيع إنقاذه.
دخلوا القسـ . ـم، وهناك بدأت الأقنعة تسقط واحدة تلو الأخرى، رانيا حاولت البكـ . ـاء وقالت إن أمها طلبت منها أخذ الطفلة لحمايتها، وسعاد أنكرت، ثم انهارت عندما واجهها الضابط بتسجيل صوتي أرسله سامح قبل وصولهم، كان التسجيل يحوي صوتها وهي تقول بوضوح: البنت لازم تبقى في بيتنا قبل ما مريم تتحرك، خلي رانيا تجيبها بسرعة، وبعدها نقول إنها سابت بنتها وجريت ورا فضايح، التفتت مريم إلى سعاد، تلك المرأة التي أذـ .

لتها سنوات، التي جعلتها تقف في المطبخ قبل الفجر، التي سخـ . ـرت من تعـ . ـبها وولادتها ودمـ . ـوعها، ورأتها الآن صغيرة، خائفة، ترتجف مثل كل ظالم حين يكتشف أن الضحيـ . ـة كانت تحفظ كل شيء.
أما كريم فحاول إنقاذ نفسه بطريقته المعتادة، بدأ يلوم الجميع، قال إن أمه خططت، وإن رانيا نفذت، وإن فؤاد ضغط عليه، لكن سامح وضع أمام الضابط ورقة واحدة جعلت صوته يختفي، كانت رسالة بخط كريم إلى المحامي يطلب فيها تجهيز ملف عدم أهلية مريم، مرفقة بتحويل بنكي من حسابه الخاص، نظر الضابط إليه وقال: يعني مش ضحيـ .

ـة يا أستاذ كريم، إنت شـ . ـريك، لم يجب، فقط جلس على الكرسي كأنه فقد عظامه.
مرت الأسابيع التالية كأنها عاصفة طويلة، مريم لم تعد إلى فيلا المنصوري أبدًا، حصلت على أمر حماية، ثم على حضانة مؤقتة كاملة، ثم بدأت القضايا تتفتح واحدة تلو الأخرى، قضية خطف جـ . ـنى كانت المفتاح، لكنها لم تكن النهاية، الملفات المالية كشفت ما لم يتخيله أحد، حسابات مخفية، شـ . ـركات وهمية، تزوير، رشاوى، تحويلات خارجية، وسامح عزت الذي عاش سنوات هاربًا من تهـ . ـمـ .

ـة لم يرتكبها وقف أمام التحقيقات شاهدًا ومعه كل الأدلة التي أخفاها طوال سنوات خـ . ـوفًا على أسرته، ومع كل اعتراف كان اسـ . ـم فؤاد المنصوري يلمع أكثر في قلب الفضيحة، الرجل الذي ظن أنه فوق القانون وجد نفسه فجأة محاصرًا من كل جهة، أما سعاد فقد فقدت نفوذها أسرع مما حصلت عليه، صديقاتها في النوادي توقفن عن الرد، أبواب الحفلات أُغلقت، والنساء اللواتي كن يبتسـ . ـمن لها بدأن يتهامسن كلما مرت، لم يكن السقوط في السجـ . ـن فقط، أحيانًا السقوط الحقيقي أن تعيش وترى صورتك التي بنيتها بالعظمة تتحول إلى عار.

نادين أدلت بشهادتها أيضًا، قالت كل ما عرفته، وقدمت الصور والمحـ . ـادثات، لم تكن بطلة في عيني مريم، ولم تصبح صديقة، لكنها اختارت في النهاية أن تقول الحقيقة، وهذا كان كافيًا، بعد شهادتها خرجت من حياة الجميع بصمت، أما كريم فظل يحاول إرسال الرسائل لمريم، يعتذر تارة، يهدد تارة، يترجى تارة، لكنها لم تقرأ إلا الرسالة الأولى فقط، كتب فيها: أنا أبو بنتك، كان ردها الوحيد عبر المحامي: الأبوة ليست ورقة ميلاد، الأبوة أمان، وأنت حاولت سـ . ـرقة الأمان من طفلتك.

في المحكمة، وقف كريم بوجه شاحب وبدلة لم تعد تمنحه هيبته القديمة، بينما جلست مريم في الصف الأول تحمل جـ . ـنى التي بدأت تبتسـ . ـم وتلوح بيديها الصغيرتين، سأل القاضي مريم إن كانت تريد إضافة شيء، فقامت ببطء، كان صوتها هادئًا لكنه وصل إلى كل ركن في القاعة، قالت: أنا لا أطلب انتقـ. ـامًا، أنا أطلب حق ابنتي في أن تكبر بعيدًا عن ناس ظنوا أن المال يسـ . ـمح لهم بسـ . ـرقة أم من حـ . ـضن طفلتها، أطلب أن تعرف كل امرأة تسـ . ـمع قصتي أن الصمت ليس صبرًا دائمًا، وأن الخـ .

ـوف لا يحمي البيوت، بل يطيل عمر الظلـ . ـم، أنا صبرت كثيرًا، خدمت كثيرًا، وسامحت كثيرًا، لكن عندما وصل الأمر لطفلتي، لم أعد زوجة مكسورة، أصبحت أمًا، والأم عندما تُهدد في طفلها لا تُهزم.
صدر الحكم بعد شهور، لم يكن حكمًا واحدًا، بل سلسلة أحكام وقرارات، حضانة كاملة لمريم، نفقة كبيرة لجـ . ـنى، تجميد أصول تخص كريم في انتظار التحقيقات المالية، إحالة ملفات فؤاد وكريم وعدد من شـ . ـركائهم للمحاكمة الاقتصادية، وحبس رانيا وسعاد في قضية الخطف والتآمر بعد ثبوت الأدلة، لم تكن مريم ترقص فرحًا، لم تصـ . ـرخ في الشارع، لم تنشـ .

ـر صورًا شمـ . ـاتة، فقط عادت إلى شقة أحمد، وضعت جـ . ـنى في سريـ . ـرها، وجلست بجوارها طويلًا تبكي بصمت، ليس لأنهم خسروا، بل لأنها أخيرًا نجت.
بعد عام كامل، كانت مريم تسير في مكتبها الجديد في شـ . ـركة محاسبة صغيرة أسستها بنفسها، على الباب لوحة بسيطة مكتوب عليها: مريم الشاذـ . لي للاستشارات المالية، لم تكن إمبراطورية ضخمة، لكنها كانت ملكها، بمالها وجهدها واسـ . ـمها، كانت تساعد نساءً كثيرات على فهم حقوقهن المالية، وتساعد شـ . ـركات صغيرة على ترتيب حساباتها بشـ .

ـرف، وكلما دخلت امرأة خائفة إلى مكتبها كانت مريم ترى نفسها القديمة فيها، فتبتسـ . ـم وتقول: احكيلي من الأول، وخدي وقتك.
كبرت جـ . ـنى قليلًا، بدأت تخطو خطواتها الأولى في الممر الصغير بين المكتب وغرفة الاستقبال، وكان أحمد يزورها كل يوم تقريبًا حاملًا لعبة أو كيس فاكهة أو نكتة سخيفة، أما سامح عزت فاستعاد اسـ . ـمه بعد سنوات، وبرأته التحقيقات من التهـ . ـمـ . ـة القديمة بعدما ثبت أنه كان كبش فداء، وفي يوم زار مريم ليشـ . ـكـ . ـرها، لكنها قالت له: أنت اللي أنقذت بنتي، فأجابها:

لا، إنتِ أنقذتي نفسك، وأنا بس فتحتلك باب الحقيقة.
وفي مساء هادئ من أمسيات الشتاء، وقفت مريم أمام نافذة شقتها الجديدة في مدينة نصر، كانت الشقة صغيرة لكنها دافئة، جدرانها لا تحمل صورًا تجعلها على الحافة، بل تحمل صورًا لها وهي تضحك، لجـ . ـنى وهي تأكل الكيك بفوضى، لأحمد وهو يحمل الطفلة كأنها كأس بطولة، ولأمها الراحلة التي كانت مريم تضع صورتها قرب المصحف وتهـ . ـمس لها كل ليلة: أنا بقيت قوية يا ماما.
رن هاتفها برسالة من رقم قديم لم تمسحه، كريم، فتحتها بعد تردد، كانت الرسالة تقول:

سامحيني، خسرنا كل حاجة، قرأتها مرة واحدة، ثم نظرت إلى جـ . ـنى التي كانت تلعب على السجادة وتضحك، فأدركت أن بعض الاعتذارات تصل بعد مـ . ـوتالحاجة إليها، لم ترد، حذفت الرسالة، ثم حذفت الرقم، وشعرت كأن قفلًا قديمًا انكسـ . ـر داخل صدرها.
في صباح اليوم التالي، استيقظت مريم قبل الشـ . ـروق، لكنها لم تكن في مطبخ فيلا المنصوري، ولم تكن تطبخ لأناس لا يرونها، كانت في مطبخها الصغير، تعد لنفسها كوب قهوة ساخنًا، وجـ . ـنى على كرسيها تضحك وتضـ . ـرب الملعقة فوق الطاولة، دخل الضوء الأول من النافذة، ناعمًا وهادئًا، فتذكرت ذـ .

لك الصباح البعيد عندما قال كريم: أنا عايز أطلقك، وتذكرت كيف ظن أنها ستنهار، وكيف ظنوا جميعًا أن المرأة التي تحمل طفلًا بيد وتحرك الشوفان باليد الأخرى لا تملك قوة، لم يعرفوا أن أقوى النساء غالبًا لا يصـ . ـرخن، بل يراقبن، يصبرن، يجمعن الأدلة، ثم يخرجـ . ـن في اللحظة المناسبة ومعهن الحقيقة كلها.
حملت مريم ابنتها، قبلت رأسها، وقالت لها وهي تبتسـ . ـم: إحنا نجينا يا جـ . ـنى، مش لأنهم رحمونا، لكن لأن ربنا سترها، ولأن أمك في يوم قررت ما تسكتش تاني، ضحكت الطفلة كأنها فهمت، فضمتها مريم أكثر، وفي الخارج كانت الشمس تشـ .

ـرق ببطء فوق القاهرة، لا كأنها بداية يوم عادي، بل كأنها بداية حياة جديدة، حياة لا تقف فيها مريم على حافة الصورة، ولا تحمل صينية لأحد، ولا تنتظر أن يمنحها أحد قيمة، لأنها أخيرًا عرفت أن قيمتها لم تكن يومًا في بيت عائلة المنصوري، ولا في اسـ . ـم كريم، ولا في رضا حمـ . ـاتها، بل في قلبها الذي انكسـ . ـر ولم يمت، وفي ابنتها التي عادت إلى حـ . ـضنها، وفي الشجاعة التي وُلدت داخلها في أكثر صباح ظنت فيه أنها ستفقد كل شيء، فربحت نفسها.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!