Advertisements
Advertisements
منوعات

طـ . ـلاق بائن الخامس والأخير حكـايـات أسـمـا

Advertisements

لم تستطع مريم النوم تلك الليلة. ظلت الرسالة أمام عينيها كأنها محفورة داخل الجدار. العـ . ـنوان الغامض. الفيلا المهجورة. والجملة القصيرة التي بدت وكأنها خرجت من قلب عاصفة: “إذا كنتِ تريدين الحقيقة كاملة… تعالي وحدك.”

كانت جـ . ـنى نائمة بجوارها، صدرها الصغير يرتفع وينخفض بهدوء، بينما كانت مريم تشعر أن حياتها كلها تتحرك نحو نقطة لا عودة بعدها. طوال الشهور الماضية كانت تظن أنها اكتشفت الحقيقة. ظنت أن خـ . ـيانة كريم هي الحقيقة. ثم ظنت أن التهرب المالي هو الحقيقة. ثم ظنت أن خطة سلب حضانة طفلتها هي الحقيقة. لكن كل مرة كانت تكتشف أن هناك طبقة أعمق وأكثر ظـ . ـلامًا مخبأة تحت ما قبلها. مع اقتراب الفجر اتخذت قرارها.

في الصباح أخبرت أحمد أنها ستخرج لبعض الوقت. حاول منعها. حاول معرفة المكان. لكنها رفضت. لأول مرة منذ سنوات شعرت أن عليها أن تواجه الأمر بنفسها. بعد ساعتين كانت سيارتها تسير على الطريق المؤدي إلى العـ . ـنوان المرسل. كلما ابتعدت عن القاهرة أصبحت الطريق أكثر هدوءًا. الأشجـ . ـار قليلة. المباني متباعدة. والسـ . ـماء مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة. وأخيرًا ظهرت الفيلا. كانت قديمة. كبيرة. ومهجورة منذ سنوات. البوابة الحديدية نصف مكسورة. والحديقة تحولت إلى أعشاب جافة.

أوقفت السيارة ونزلت ببطء. دقات قلبها كانت عالية لدرجة أنها شعرت أنها تسـ . ـمعها. دفعت الباب الخارجي. فصدر صرير طويل مزعج. دخلت. وكان أول ما لاحظته أن المكان ليس مهجورًا كما يبدو. هناك آثار أقدام حديثة. وأكواب قهوة فارغة. وشيء آخر… ضوء خـ . ـافت قادم من الداخل. تقدمت بحـ . ـذر. ثم تجمدت فجأة. كان هناك رجل يجلس في الصالة. وعندما رفع رأسه نحوه شعرت أن الهواء اختفى من رئتيها. لأنها تعرفه. جيدًا.

كان سامح عزت. المحاسب السابق لمجموعة المنصوري. الرجل الذي اختفى قبل ثلاث سنوات. الرجل الذي قالت الجرائد إنه هرب خارج البلاد بعد سـ . ـرقة ملايين الجـ . ـنيهات من الشـ . ـركة. الرجل الذي كان فؤاد المنصوري يؤكد دائمًا أنه خائن. نظر إليها سامح طويلًا. ثم قال: “أخيرًا.” وقفت مريم مكانها. “إنت؟!” ابتسـ . ـم بمرارة. “أيوه.” “إزاي؟” ضحك ضحـ . ـكة قصيرة. “السؤال الصح مش إزاي. السؤال ليه.” جلس أمامها. ثم دفع نحوها ملفًا أسود.

شعرت بقلبها يتوقف. الملف الأسود. الذي اختفى من خزنة كريم. فتحته بيد مرتجفة. وبدأت تقرأ. بعد الصفحة الأولى شعرت بالدوار. بعد الصفحة الثالثة شعرت بالغثيان. أما بعد الصفحة العاشـ . ـرة… فأدركت أنها لم تكن تعرف شيئًا عن عائلة المنصوري. لا شيء. كانت هناك أسـ . ـماء مسؤولين. وأرقام حسابات. وعقود مزورة. ورشاوٍ. وأموال تم تحويلها خلال أكثر من خمسة عشـ . ـر عامًا. لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في الأرقام. بل في التوقيعات. كل شيء تقريبًا كان يحمل توقيع فؤاد المنصوري نفسه.

رفعت رأسها ببطء. “يعني كريم مش المـ . ـسؤول؟” أجاب سامح: “كريم مذنـ . ـب… لكن مش العقل المدبر.” شعرت مريم وكأن الأرض تميد تحتها. “إذن ليه أبوه كان بيسلمه كل حاجة؟” نظر إليها سامح. وقال: “لأنه كان بيجهزه.” “لإيه؟” صمت لحظة. ثم قال: “كبش فداء.” ساد الصمت. ثم أكمل: “فؤاد كان عارف إن اليوم ده هييجي. يوم الملفات تتفتح. يوم حد يسأل عن الفلوس. وكان محتاج شخص يتحمل كل الذنـ . ـب.” شعرت مريم بقشعريرة.

“وابنه؟” هز رأسه. “حتى ابنه.” لأول مرة شعرت بالشفقة على كريم رغم كل ما فعله. لكن سامح أكمل قبل أن تتحدث. “متتعاطفيش معاه بسرعة.” ثم أخرج ظرفًا آخر. وضعه أمامها. فتحت مريم الصور الموجودة بداخله. وشحب وجهها. كانت صورًا لكريم. لكنه لم يكن وحده. كان يجتمع سرًا مع أشخاص آخرين. ويوقع أوراقًا. ويستلم حقائب. وكان يعلم بالضبط ما يحدث. أغلق سامح الملف. وقال: “هو عارف كل حاجة. وكان موافق على كل حاجة. لحد ما بدأ يحس إن أبوه هيضحي بيه.”

سكتت مريم. كل شيء أصبح أكثر تعقيدًا. أكثر قسـ.ـوة. وأكثر خطورة. ثم سألته السؤال الذي كان يحترق داخلها: “ليه ساعدتني؟” نظر إليها طويلًا. ثم قال: “عشان بنتك.” لم تفهم. فأكمل: “أنا عندي بنت في سنك تقريبًا. ولما شوفت اللي كانوا ناويين يعملوه فيكي افتكرت بنتي.” ثم أضاف بصوت منخفض: “كانوا ناويين يدمروكي بالكامل.” شعرت مريم بالبرد يسري في جسدها. “أكتر من موضوع الحضانة؟” هز رأسه. “بكتير.” ثم فتح صفحة داخل الملف. وأشار إلى سطر محدد.

قرأت. وتوقفت أنفاسها. كانت خطة كاملة لتوريطها في قضية اختلاس مالي. مستندات مزورة. تحويلات باسـ . ـمها. وحسابات مـ . ـزيفة. كل شيء كان جاهزًا. بعد الطـ . ـلاق بأيام قليلة فقط. كانت ستصبح متهـ . ـمـ . ـة. مطلوبة للتحقيق. وربما تدخل السجـ . ـن. أما جـ . ـنى… فكانت ستنتقل مباشـ . ـرة إلى عائلة المنصوري. جلست مريم في مكانها غير قادرة على الكلام. كانت تعرف أن كريم قاسٍ. لكنها لم تتخيل هذا.

أبدًا. وفجأة رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. كان أحمد. أجابت فورًا. لكن صوته جاء مذعـ . ـورًا: “مريم… ارجعي حالًا.” انتفض قلبها. “في إيه؟” “جـ . ـنى.” تجمد الدم في عروقها. “مالها؟!” جاء صوته مرتعشًا:

“البنت اختفت.”تجمدت مريم في مكانها كأن الهاتف تحول في يدها إلى قطعة ثلج، لم تسـ . ـمع بقية كلمـ . ـات أحمد بوضوح، كل ما تردد داخل عقلها كان كلمة واحدة فقط، جـ . ـنى، اختفت جـ . ـنى، الطفلة التي لم تكمل ثلاثة أشهر، الجسد الصغير الذي كان ينام على كتفها قبل ساعات، الرائحة الناعمة التي كانت تمنحها سببًا للاستمرار وسط كل الخراب، اختفت، صـ . ـرخت مريم في الهاتف وهي تركض خارج الفيلا المهجورة: اختفت إزاي يا أحمد؟! قال أحمد بصوت مكسور: كنت داخل المطبخ أعمل لها الرضعة، أقسـ . ـم بالله دقيقة واحدة، رجعت ملقيتش السريـ .

ـر ولا البطانية ولا البنت، الباب كان مفتوح، وموبايلك كان مقفول من الشبكة، أنا اتجـ . ـننت يا مريم، اتجـ . ـننت، شعرت مريم أن قدميها لا تلمـ . ـسان الأرض، ركبت سيارتها ويداها ترتجفان فوق المقود، بينما سامح عزت يركض خلفها وهو ينادي: متروحيش لوحدك، دي مصيدة، لكنها لم تكن تسـ . ـمعه، لم يعد هناك ملف أسود ولا ملف أخضر ولا انتقـ. ـام ولا قضايا، لم يعد هناك إلا وجه جـ . ـنى وهي تفتح عينيها الصغيرتين كل صباح كأنها تسأل أمها: هتحميني؟ قادت مريم بجـ . ـنـ .

ـون عائدة إلى مدينة نصر، كانت السيارات حولها أبواقًا وأضواءً وأصواتًا مشوشة، لكنها لم ترَ إلا احتمالًا واحدًا يقطع قلبها: كريم أخذ ابنتها، وربما لن يعيدها أبدًا.
حين وصلت إلى العمارة، وجدت أحمد واقفًا أمام الباب كالمجـ . ـنون، وجهه شاحب وعيناه حمراوان، وما إن رآها حتى قال: أنا بلغت، الشـ . ـرطة جاية، بس مريم… في كاميرا العمارة، شفتها، شفت اللي خدها، لم تنتظر، صعدت معه إلى شقة الجار الذي يملك شاشة الكاميرات، وقفوا جميعًا أمام التسجيل، وبدأ الفيديو من جديد، الساعة كانت تشير إلى الحـ . ـادية عشـ . ـرة وعشـ .

ـر دقائق، باب الشقة يُفتح ببطء، امرأة ترتدي عباءة سوداء ونقابًا تدخل بثقة، كأن لديها مفتاحًا، لم تفتش ولم تتردد، دخلت مباشـ . ـرة إلى الغرفة، وبعد أقل من دقيقتين خرجت تحمل جـ . ـنى داخل بطانتها الوردية، توقفت مريم عن التنفس، ثم اقترب وجه المرأة من الكاميرا لحظة قصيرة عندما التفتت نحو السلم، ورغم النقاب، عرفت مريم العينين، لم تكن نادين، لم تكن غريبة، كانت رانيا المنصوري، أخت كريم.
انهار أحمد غاضـ . ـبًا، لكن مريم لم تنهَر، حدث داخلها شيء مرعـ .

ـب، شيء صامت وصلب، سحبت هاتفها واتصلت بكريم، رد بعد ثلاث رنات، صوته كان هادئًا بشـ . ـكل مقزز: أخيرًا افتكرتي تكلميني؟ قالت مريم وهي تضغط على كل حرف: بنتي فين؟ صمت لحظة، ثم قال: بنتنا بخير، مع أهلها، ضحك ضحـ . ـكة قصيرة وأضاف: إنتِ اللي اخترتي الحـ . ـرب يا مريم، وأنا بس بحمي بنتي من أم مش مستقرة بتجري ورا ملفات وناس مشبوهة في أماكن مهجورة، عندنا شهود، وعندنا تسجيل إنك خرجتي وسايبة الطفلة، وقريب جدًا المحكمة هتشوف إنك خـ .

ـطر عليها، أغمضت مريم عينيها، كل شيء اتضح، الرسالة، الفيلا المهجورة، سامح، الملف الأسود، كلها كانت الطُعم الأخير، كانوا يريدون أن تخرج من البيت، أن يختفي هاتفها عن الشبكة، أن تؤخذ جـ . ـنى، ثم يُقال إنها تركتها، لكن كريم لم يكن يعرف أن الكاميرا التقطت رانيا، ولم يكن يعرف أن سامح كان قد ركب معها في السيارة قبل أن تغادر الفيلا المهجورة، وأن هاتفه سجل كل كلمة قالها لها عن المؤامـ . ـرة.
قالت مريم بهدوء أخـ . ـاف كريم أكثر من الصراخ: اسـ . ـمعني كويس يا كريم، قدامك ساعة واحدة ترجع بنتي، رد ساخرًا: وإلا؟ قالت:

وإلا التسجيل اللي معايا هيوصل لكل مكان، وصورة أختك وهي داخلة شقة أخويا هتوصل للنيابة، والملف الأسود هيتنشـ . ـر، وأبوك اللي كان فاكر إنه هيضحي بيك هيعرف إنك سبقت وضحيت بيه، سكت كريم، ولأول مرة سـ . ـمعت أنفاسه تضطرب، ثم قال: إنتِ بتكـ . ـدبي، قالت: جرّب.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!