بعد خمسةبعد خمسة أيام أيام من الطلاق، سألتني حماتي:
“إنتي لسه هنا ليه؟”
ابتسمت بهدوء وقلت: “عشان البيت ده مدفوع من فلوسي.” ساعتها وشها شحب فجأة.
بعد خمسة أيام من الطلاق، وقفت حماتي السابقة عند باب سفرة الفطار، ماسكة كباية القهوة بإيديها الاتنين كأن المطبخ ده ملكها هي لوحدها… مش بس المطبخ، ده حتى الهوا اللي جواه.
بصّتلي من فوق لتحت —
أنا واقفة حافية، لابسة بنطلون بيت، وشعري مربوط بسرعة ورا، وقاعدة أراجع فواتير الصنايعية على الترابيزة اللي أنا اللي اخترتها وأنا اللي دفعت تمنها.
وقالت بصوتها الهادي المتصنع اللي دايمًا تستخدمه لما تحب تبان مؤدبة وهي في الحقيقة بتجرح:
“إنتي لسه هنا ليه؟”
الغرفة سكتت فجأة.
برا، المطر كان بينزل على الشبابيك الكبيرة للفيلا في التجمع الخامس. وجوه البيت كان صوت التلاجة بس اللي شغال… وساعة الحيطة دقّت مرة. وجوزي السابق، كريم حلمي، كان نازل على السلم… ووقف في نصه كأنه اتجمد. ابتسمت بهدوء… وحطيت القلم على الترابيزة.
وقلت:
“عشان البيت ده مدفوع من فلوسي.” وش حماتي، مدام سعاد حلمي، اصفرّ بسرعة كأن الدم اتسحب منه. كريم وقف مكانه. وأخته الصغيرة دينا كانت بتمد إيدها تاخد توست… سحبتها بسرعة كأنها لمست نار.
قالت حماتي بسرعة:
“لأ… لأ طبعًا… الكلام ده هزار مش كده؟” قلت بهدوء: “أنا بهزرش.” كريم نزل باقي السلم بسرعة، وإيده ماسكة الدرابزين.
قال بعصبية:
“يا مي… بلاش تعملي كده دلوقتي.” لفيت الكرسي ناحيته. وقلت: “تقصد دلوقتي؟
ولا تقصد من سنتين لما فضلت ترجاني أطلع جزء من فلوس التعويض بتاعي عشان نكسب الصفقة ونشتري البيت ده؟
ولا تقصد الصيف اللي فات لما والدتك كانت طول الوقت بتقول للناس ده بيت كريم وعيلة حلمي؟” حماتي فتحت بوقها… وبعدين قفلته. وكريم سنانه كانت مطبقة من الغيظ. البيت ده —
فيلا كبيرة، ست أوض، وجنينة و حمام سباحة وواجهة حجر أبيض —
كان أكبر فخر ليهم… وأكبر كدبة في حياتهم. كل العيلة كانت بتحب تحكي إن كريم حلمي اشتراه بتعبه ونجاحه وشغله. وكانوا بيحكوا القصة دي للناس كتير… لدرجة إنهم صدقوها هم نفسهم. بس الحقيقة كانت أبسط… وأقسى.
المقدم بتاع البيت… كان تقريبًا كله من فلوسي أنا.
فلوس التعويض اللي خدتها بعد ما أبويا اتوفى في حادثة على طريق السويس بسبب سواق نقل متهور. فلوس… كنت أرجعها في ثانية واحدة بس لو ده كان هيجيب أبويا للحياة. كنت حاطاها في حساب لوحدها. وكريم وعدني وقتها إنه مش هيقرب منها أبدًا.
لكن وأنا واقفة دلوقتي في المطبخ بعد الطلاق…
وحماتي بتعاملني كأني ضيفة تقيلة المفروض تمشي…
فهمت إنهم كلهم صدقوا نفس الكدبة:
إن أول ما الجواز خلص… أنا لازم أختفي… وأسيب البيت وامشي.
كريم ضحك ضحكة عصبية وقال:
“إنتي خدتي حكم الطلاق… وإمضيتي عليه.”
قلت:
“أيوه…
بس واضح إنك ما فهمتش هو كان شامل إيه.”
حماتي بصت له… وبصت لي… والخوف بدأ يبان في عينيها.
وقالت: “شامل إيه؟” بصتلها في عينيها مباشرة وقلت كلمة واحدة: “الحقيقة.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
ساعتها إيدها بدأت تترعش. لأن السؤال ما بقاش: أنا لسه هنا ليه؟ السؤال الحقيقي بقى:
هل حد فيهم أصلًا يملك البيت اللي عايشين فيه…؟
يتبع… حماتي سابت كباية القهوة من إيدها على الرخام برنة عالية، وكأنها بتحاول تسترد سيطرتها اللي اتهزت في ثانية. بصت لكريم مستنية منه رد، مستنية يطردني أو يكذبني، بس كريم كان باصص للأرض، وصوت نفسه كان عالي ومكتوم. دينا أخته سألت بصوت واطي ومذعور: “يعني إيه يا كريم؟ يعني إيه البيت بفلوسها؟ إنت مش قلت إنك بعت أرض المزرعة عشان تشتريه؟”
ضحكت بسخرية وأنا بلم الفواتير وبحطها في الفايل بتاعي:
“أرض المزرعة اللي كريم بيتكلم عنها يا دينا، لسه معروضة للبيع ومحدش اشتراها لحد النهاردة.. كريم استلف مني المقدم، ومضى لي وقتها وصل أمانة وتنازل جزئي عن ملكية البيت بنسبة ٧٠٪.. عشان يضمن لي حقي، أو ده اللي كان بيقوله وقتها وهو بيمثل دور الزوج المخلص.” مدام سعاد قربت من كريم، ومسكت دراعه بعنف: “رد يا كريم.. الكلام ده حقيقي؟ إنت مضيت لها على ورق؟” كريم رفع عينه، وكانت حمرا من الغل، وزعق فجأة:
“كنت محتاج السيولة! الصفقة كانت هتضيع.. وبعدين ما هي مراتي، كان المفروض إن اللي ليّا ليها واللي ليها ليّا.. مكنتش أعرف إنها شايلة الورق ده عشان تذلنا بيه في يوم زي ده!”
قربت منه خطوتين، وعيني في عينه بكل قوة: “أذلكم؟ إنت بتتكلم عن الذل وإنت كنت بتخليني أقف في المطبخ أخدم ضيوفك وأسمع والدتك وهي بتقول للجيران إنك “نظفتني” وجبتني من شقة إيجار لفيلا في التجمع؟ إنت كنت بتشرب دموعي مع كل كلمة إهانة كانت بتوجهها لي وتسكُت عشان خايف تفتح سيرة الفلوس.” مدام سعاد حاولت تستعيد قناع الكبرياء، وقالت بحدة: “والله لو ليكي حق هتاخديه ونرميهولك في وشك، بس اطلعي بره بيتنا.. مش هتقعدي معانا ثانية واحدة زيادة بعد ما بقيتي غريبة.”
ابتسمت ببرود، وسحبت كرسي وقعدت وحطيت رجل على رجل:
“ده اللي إنتي لسه مش فاهمينه.. أنا مش بس ليّا ٧٠٪ من تمن الفيلا.. أنا كمان رفعت دعوة حجز تحفظي على الـ ٣٠٪ الباقيين مقابل مؤخر الصداق ونفقة المتعة اللي كريم مش عايز يدفعهم.. يعني قانونياً، ومن اللحظة دي، البيت ده تحت وصايتي أنا.. وإنتوا اللي ضيوف عندي.” كريم اتجنن، وحدف فازة كانت جنبه كسرت المراية اللي ورايا:
“إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟ ده بيتي! أنا مش هطلع من هنا!”
فتحت الموبايل بهدوء، ووريتهم صورة من قرار المحكمة اللي استلمته الصبح: “القرار بيقول إنك ليك حق السكن في أوضة واحدة لحين تصفية النزاع.. أما مدام سعاد ودينا، فوجودهم هنا مرهون بمزاجي أنا.. لأنهم ببساطة “أغراب” عن البيت وعن الورق.” الفيلا اللي كانت دايمًا مليانة بصوت ضحكهم العالي وهزارهم وتخطيطهم لمستقبلهم بفلوسي، سكتت تماماً. المطر بره زاد، وبقى صوته بيخبط على القزاز بقوة، وكأنه بيدق طبول الحرب اللي بدأت فعلاً.
مدام سعاد قعدت على الكنبة وهي بتنهج، وشها اللي كان دايمًا مرفوع للسما، انكسر لأول مرة. بصت لكريم وقالت بصوت مرعوش:
“يعني إيه يا كريم؟ يعني إحنا هنمشي من هنا؟ هنروح فين؟”
كريم بصلي بغل وقال بصوت واطي كأنه فحيح -أفع-ى:
“فاكرة إنك كسبت يا مي؟ الفيلا دي مش هتخرجوا منها غير على جثتي.. والورق اللي معاكي ده هخليه ما يسواش تمن الحبر اللي مكتوب بيه.”
قمت وقفت، ولميت حاجتي، وبصيت لهم بصه أخيرة قبل ما أطلع أوضتي:
“الشنط بتاعتكم تكون جاهزة في الصالة خلال ٢٤ ساعة.. لأني طلبت شركة أمن هتيجي تستلم البوابة الصبح.. وأي حد ملوش صفة قانونية، هيطلع بره بشنطة هدومه بس.”
طلعت السلم وأنا سامعة صوت خناقهم بيبدأ تحت، وصوت كريم وهو بيحاول يبرر لأمه وأخته الكارثة اللي حطهم فيها. لأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا في البيت ده بقى خفيف.. وإني أخيراً بدأت أتنفس. بس وأنا بقفل باب أوضتي، سمعت صوت حركة غريبة في الجنينة تحت.. بصيت من الشباك، وشفت عربية سودة واقفة قدام الباب، وكريم كان بيكلم حد في الموبايل وهو بيبص لشباك أوضتي بنظرة خوفوني.. وعرفت إن الحكاية لسه بتبدأ.. وإن كريم مش ناوي يسلم بالساهل.
نزلت الصبح الصالة ببرود تام، كنت لابسة طقم خروج وشايلة مفاتيح العربية في إيدي. لقيتهم كلهم متجمعين في “الليفينج”؛ كريم قاعد بيلف حوالين نفسه، ومدام سعاد قاعدة بعبايتها وكأنها مستعدة لأي مصيبة، ودينا عينيها ورمت من العياط.
أول ما شافوني، كريم وقف قدامي وسد الطريق:
“مي.. إحنا لازم نتكلم كبشر عاقلين. إنتي عارفة إن اللي بتعمليه ده معناه فضيحة لينا وليكي.” بصيت في ساعتي وقلت بهدوء: “الفضيحة هي إنك تعيش في بيت مش ملكك بفلوس واحدة كنت بتخطط تكسرها. الساعة دلوقتي ٩.. شركة الأمن زمانها على البوابة بره.” حماتي وقفت وقربت مني، المرة دي مكنتش بتزعق، كانت بتحاول تستعطفني بصوت واطي:
“يا بنتي.. البيوت أسرار، وإنتي كنتِ واحدة مننا. هان عليكي العشرة؟ تطلعينا من البيت في المطر ده؟”
رديت عليها وأنا بفتح باب الفيلا:
“العشرة هانت لما كنتِ بتقولي لصحباتك في النادي إني مجرد ‘شغالة بلقب زوجة’ عشان ابني كريم بيه مش فاضي يشوف طلبات البيت. العشرة هانت لما كريم خد فلوس أبويا وراح جاب لك طقم ألماظ ولبسهولك وهو بيقولك ‘ده من خيري’.. وهو في الحقيقة من دم أبويا.” فجأة، دخل اتنين رجالة بزي رسمي، أفراد شركة الأمن اللي اتفقت معاهم. كريم اتجنن وزق واحد منهم: “إنتوا داخلين فين؟ إنتوا عارفين ده بيت مين؟”
الفرد رد عليه بكل برود:
“إحنا معانا أمر تنفيذ وتكليف من صاحبة العقار، الأستاذة مي. أي اعتراض من حضرتك هيكون مكانه القسم.”
كريم بصلي والشرار بيطلع من عينه، وطلع تليفونه وكلم حد وقال بجملة واحدة:
“تعالوا دلوقتي.. المحضر اللي قلت لك عليه لازم يتعمل فوراً.”
قعدت على الكرسي اللي جنب الباب وراقبتهم وهم بيلموا هدومهم في شنط بسرعة وبصدمة. دينا كانت بتلم ميكب بتاعها وهي بتشهق، ومدام سعاد كانت بتلم دهبها وهي بتبص لي بحقد وكأنها عايزة تاكلني بسنانها.
كريم قرب مني وهمس في ودني قبل ما يخرج:
“البيت ده مش هتهني بيه يا مي.. والتعويض اللي بتتكلمي عنه، أنا رفعت قضية إثبات إنك اتنازلتي عنه بمحض إرادتك مقابل استمرار الجواز.. الورقة اللي مضيتها لك زمان؟ أنا بلغت بضياعها وعملت محضر فقد.” ضحكت بصوت عالي خلاه يترعش من الثبات اللي أنا فيه: “يا كريم.. إنت لسه بتلعب بدماغ زمان. الورقة الأصلية في خزنة البنك مش في البيت هنا.. والمحامي بتاعي قدم نسخة موثقة منها للمحكمة من أسبوع. يعني محضر الفقد بتاعك ده هيلبسك قضية بلاغ كاذب زيادة على اللي عندك.”
وشه جاب ألوان، وخرج وهو بيخبط الباب وراه بكل قوته.
البيت فضي.. السكون اللي حل فجأة كان غريب، بس كان مريح.
دخلت المطبخ، عملت لنفسي كباية قهوة، وقعدت في نفس المكان اللي حماتي سألتني فيه “إنتي لسه هنا ليه؟”. بصيت للجنينة من الشباك، شفتهم وهم بيرصوا الشنط في عربية كريم، ومدام سعاد بتبكي بحرقة وهي بتبص لواجهة الفيلا. لكن الفرحة مكملتش.. تليفوني رن، كان رقم غريب. رديت، لقيت صوت راجل غليظ بيقولي:
“يا مدام مي.. مبروك عليكي الفيلا، بس يا ريت تراجعي حساباتك تاني.. كريم عليه ديون لناس ‘مبتعرفش تهزر’، والفيلا دي كانت الضمان الوحيد ليهم. لو هو مشي، إنتي اللي هتسددي.. يا إما الفيلا دي مش هتقعدي فيها يوم واحد بسلام.”
قفل السكة قبل ما أنطق كلمة.
بصيت للفراغ حواليا.. وبدأت أفهم إن المعركة مع كريم كانت مجرد البداية، وإن البيت اللي دفعت تمنه غالي، لسه تمنه بيزيد كل دقيقة.
#الكاتب_روماني_مكرم
