فتحت الباب والشنطة وقعت من إيدي، تامر كان واقف ووشه أصفر وبيتنفّس بصعوبة، مسكني من قميصي وهو بيترعش: “أحمد.. المستشفى كلمتني.. طنط إلهام حالتها تدهورت فجأة والنبض وقف، ودلوقتي بيعملوا لها إنعاش قلبي رئوي في الرعاية.. لازم نروح حالاً!” الكلام نزل عليا كأنه حيطة وتهدت فوق دماغي. مريم مكنتش لسه نامت، كانت واقفة ورايا على باب الأوضة وسامعة كل كلمة. شفت في عينيها النظرة اللي كنت خايف منها.. نظرة الروح اللي بتتسحب من صاحبها. مفيش صراخ، مفيش عياط.. هي بس حطت إيدها على قلبها ووقعت في الأرض زي ورقة الشجر.
شلتها وأنا حاسس إن الدنيا كلها بتتهد فوق سقف طموحاتنا. تامر جرى معايا، نزلنا السلم كأننا بنسابَق مع المــ,,ـــــوت، ركبنا العربية وطول الطريق كنت بسوق وعيني بتروح بين الطريق وبين مريم المرمية في الكنب اللي ورا وتامر بيحاول يفوقها. كنت بقول في سري: *يا رب.. أنا عاقبتني بالندم وشفت غباوتي، بس هي ذنبها إيه؟ طهرها ده يستاهل تجازيها فيه؟ يا رب متكسرش ضهرها بأمها.* وصلنا المستشفى، دخلنا جري على الرعاية المركزة. الممر كان مقلوب، والدكاترة جوه الأوضة سامعين صوت جهاز الصدمات الكهربائية وهو بيدي الإشارة.. “طااااخ”.. والصوت الصفارة المتصل اللي يعلن توقف القلب “بييييييييييب”.
مريم كانت فاقت، زقت تامر وزقتني وجريت على باب الزجاج بتاع الرعاية، بدأت تضــ,,ـــــرب عليه بإيديها وتصرخ بصوت شرخ جدران المستشفى: “أميييييي!! لأ يا أمي متمشيش وتسبيني!! أنا لسه محتجاكي.. مين هيشيلني ومين هيدعيلي في مرضي؟ أمييييي!” الدكتور خرج والبدلة بتاعته متبهدلة وعرقه سايح، بص للزملاء اللي جوه وهز راسه بيأس.. قرب من مريم وحط إيده على كتفها وهو بينهج: “البقاء لله يا بنتي.. شدوا حيلكم.. الجلطة التانية كانت عنيفة والقلب مستحملش الصدمة.”
الدنيا اسودت تماماً. مريم مفيش ثانية ووقعت بين إيديا غايبة عن الوعي. الدكاترة جريوا عليها، والممرضين أخدوها على أوضة الطوارئ. أنا وتامر كنا واقفين في الممر.. تامر دفــ,,ـــــن وشه في الحيطة وبدأ يعيط بحــ,,ـــــرقة، وأنا كنت واقف مشلول.. الشقة راحت، وحماتي اللي كانت هتبقى السند لمريم ماتت، ومراتي بين الحياة والمــ,,ـــــوت بتواجه مرض خبيث وضغط يهد جبال. —
عدت ساعات الجنازة والدفــ,,ـــــن كأنها كابوس طويل وممل ومؤلم. كنت واقف في المدافن بأخد العزا وأنا عقلي مش معايا.. عقلي في المستشفى مع مريم اللي محجوزة تحت الملاحظة وممنوع عنها الحركة لأن المناعة بتاعتها نزلت الأرض من كتر الحزن والضغط، والجرعة بتاعتها اتأجلت لإن جسمها مش هيستحمل الكيماوي دلوقتي. خلصت العزا ورجعت المستشفى جري. دخلت الأوضة.. مريم كانت قاعدة على السر,,ـــــير، باصة للشباك، عينيها مكنش فيها دموع.. الدموع جفت وبقى مكانها نظرة جمود تخوف. نظرة حد وّدع كل حاجة حلوة في حياته.
قربت منها وقعدت على طرف السر,,ـــــير، مسكت إيدها اللي كانت ساقعة زي الثلج.. مريم مأبدتش أي رد فعل، لا شدت إيدها ولا ضغطت على إيدي. بصتلي وقالت بصوت خالي من أي مشاعر: “شفت يا أحمد؟ أمي ماتت.. ماتت بسببي وبسبب السر اللي خبيته.. وماتت وهي مفكرة إننا مبسوطين.. الشقة اللي كانت فرحانة بيها ضاعت.. وأنا كمان هحصلها قريب، المرض مفيش حاجة تخليني أحاربه علشانه دلوقتي.. أنا خسرت كل حاجة.”
نزلت دموعي على إيدها وبستها بنهم: “لأ يا مريم.. متقوليش كده.. أنا معاكي، أنا جنبك.. والله العظيم هعيش اللي باقي من عمري علشانك بس.. أنتِ مامتك راحت بس سابتلك راجل اتولد من جديد على إيديكي.. راجل عرف قيمتك وشريكي بروحه.” بصتلي وابتسمت ابتسامة حزينة تقطع القلب: “أنت واقف جنبي عشان صعبانة عليك يا أحمد.. عشان حاسس بالذنب من برودك وقسوتك زمان.. بس أنا مش عاوزة حد يشيل همي وهو مغصوب.. أنا مسامحاك على كل حاجة.. بس سيبني أمشي في طريقي لوحدي.”
“مش هسيبك يا مريم.. مش هسيبك لو فيها مــ,,ـــــوتي!” صرخت والنبرة بتاعتي هزت الأوضة. — فات أسبوع ومريم خرجت من المستشفى ورجعنا على شقة والدتها. كنت قايم بدور الممرض، والأب، والأخ، والزوج.. بطبخ، وبنظف، وبديلها العلاج في مواعيده، وبحاول أرسم الضحكة على وشي عشان أديها أمل، رغم إن قلبي من جوه كان بيتقطع. وفي يوم.. جالي تليفون من المحامي، الأستاذ إبراهيم الهواري. “أحمد.. الحقني على مكتب القاضي في المحكمة حالا.. الوريث التاني بتاع الشقة ظهر، ومقدم ورق جديد هيقلب القضية كلها رأساً على عقب، والشقة بتاعتكم ممكن ترجعلكم بكرة.. بس في شرط غريب طالبه!”
سبت مريم نايمة بعد ما أخدت مهدئ، وجريت على المحكمة. دخلت مكتب المحامي وأنا بلهث: “خير يا أستاذ إبراهيم؟ إيه اللي حصل؟ وشقة إيه والشرط إيه؟” المحامي بصلي بملامح مشحونة بالغموض، وطلع ملف تاني خالص وحطه قدامي وقال: “الوريث الشرعي الحقيقي طلع راجل أعمال كبير.. ولما شاف اسمك واسم مريم في الأوراق، طلب يقابلني.. الراجل ده قالي إنه مستعد يتنازل عن القضية تماماً ويسيب لكم الشقة وتعيشوا فيها فوراً فدا صحة المدام مريم.. بس بشرط واحد.”
بلعت ريقي وبصيت للمحامي: “شرط إيه؟” المحامي سكت لحظة وقال: “الراجل ده هو نفسه الدكتور مدحت.. دكتور الأورام بتاع مريم.. واللي طلع يبقى طليق والدتها (إلهام) من عشرين سنة ومحدش يعرف السر ده غيرها.. وهو طالب يقابل مريم حالاً لإن في سر خطير يخص مرضها مكنش ينفع يقوله غير ليها!”

