جملة تامر نزلت علينا زي المايه الساقعة. بصيت للراجل اللي واقف وراه ببدلته الشيك وملامحه الرسمية الصارمة، وبعدين بصيت لتامر وقلت بقلق: “شقة إيه ومصيبة إيه يا تامر؟ اتكلم في إيه؟” الراجل اللي وراه خطى خطوة لقدام، وطلع من جيب جيليه البدلة كارت شخصي وقدمهولي وهو بيقول بنبرة هادية بس حاسمة: “أنا الأستاذ إبراهيم الهواري، المحامي الوكيل عن الحاج رفعت صاحب العمارة اللي فيها شقتكم.. أنا جيت لتامر لما عرفت إنه هنا في المستشفى عشان نوصلكم قبل ما الموضوع يتدخل فيه الشرطة.”
مريم سابت إيدي وطلعت قدامه وهي مش قادرة تتحمل صدمات تانية، وقالت بصوت مرعوب: “شرطة إيه يا فندم؟ إحنا لسه متجوزين ملحقناش نعمل حاجة، والشقة إحنا شاريينها بفلوسنا وورقنا كله سليم!” المحامي اتنهد وطلع ملف من الشنطة الجلد اللي في إيده وقال: “يا مدام مريم، ورقكم سليم بالنسبة للشخص اللي باع لكم.. لكن الشخص ده طلع نصاب ومزور، والعمارة كلها عليها قرار تمكين وحجز قضائي من المحكمة لصالح وريث تاني خالص.. والحاج رفعت نفذ القرار النهاردة الصبح، والشقة بتاعتكم اتختمت بالشمع الأحمر وكل حاجتكم جوه!”
الدنيا اسودت في عيني.. الشقة؟ شقة العمر اللي جمعت قرش على قرش عشان أشطبها؟ الشقة اللي أمي ضغطت عليا عشان ألحق أشتريها قبل الأسعار ما تغلى؟ كل شقايا وتحويشة عمري راحت في لحظة؟ بصيت لمريم لقيت رجليها سابت تاني، لولا إني لحقتها وضميتها لصدـ,,ـــرى كانت وقعت على الأرض. مريم بصتلي وعينيها غرقانة دموع وقالت بصوت يقطع القلب: “هدومي يا أحمد.. طقم الكيماوي والروشتات والتحاليل اللي هحتاجها بعد بكرة في الجرعة.. كل الورق والعلاج جوه الشقة.. أنا مش هعرف أدخل المستشفى من غيرهم!”
الخوف على مريم وعلى علاجها نسّاني صدمة الفلوس والشقة. بصيت للمحامي وبقيت بكلمه برجاء عمري ما كلمت بيه حد في حياتي: “يا أستاذ إبراهيم، أرجوك.. مراتي بتتعالج من أورام وعلاجها وورقها كله جوه.. أنا مش عاوز الشقة دلوقتي، بس سيبونا ناخد العلاج والورق.. دي مسألة حياة أو مــ,,ـــــوت!” المحامي ملامحه لانت شوية لما شاف حالة مريم والوريد اللي باين في إيدها من أثر المحلول، وقال:
“يا بني أنا مقدر، بس الشمع الأحمر ده قرار محكمة.. لو انفتح من غير إذن رسمي هتبقى قضية جنائية وتديروا نفسكم.. الحل الوحيد إننا نقدم طلب عاجل للقاضي الصبح يفتح الشقة لدقايق تحت إشراف محضر عشان تاخدوا المتعلقات الشخصية والعلاج.. وأنا هساعدكم في ده تقديراً لظرف المدام.” تامر أخد المحامي على جنب عشان يتابع معاه الإجراءات، وأنا أخدت مريم وقعدتها على الكراسي. كانت بتبكي بحــ,,ـــــرقة، مش على الشقة، لكن على حظها اللي عمال يلطش فيها من كل حتة.. مرض، وأم بين الحياة والمــ,,ـــــوت، ودلوقتي بيت اتقفل في وشنا.
قعدت على ركبي قدامها، ومسكت إيديها الاتنين وبستهم، وقلت والدموع في عيني: “مريم.. بصيلي يا حبيبتي.. الشقة فدا جزمة رجليكي.. الفلوس بتروح وتيجي وأنا هشتغل ليل نهار عشان أعوضك وأجيبلك أحسن منها.. المهم أنتِ.. طول ما أنتِ بتتنفسي أنا مش هيهمني أي حاجة في الدنيا.” مريم بصتلي وسط دموعها، ولأول مرة أشوف في عينيها نظرة حنين حقيقية.. نظرة حد حاسس إن في ضهر بجد بيسنده مش مجرد كلام. حطت راسها على كتفي وبكت بسكوت، وأنا ضميتها بكل قوتي، وحلفت جوه قلبي إني هكون الراجل اللي يستاهلها بجد.
— عدى الليل طويل وتقيل وإحنا صاحيين في المستشفى.. أنا بمر بين أوضة حماتي اللي بدأت تستقر، وبين مريم اللي كنت بحاول أخليها تشرب أي حاجة عشان تقدر تقف على رجليها. تاني يوم الصبح، المحامي كلمنا وقالي إن القاضي وافق على الطلب الإنساني، والمحضر هيتحرك معانا الساعة 1 الظهر عشان يفتح الشقة لمدة نص ساعة بس ناخد العلاج والهدوم. أخدت مريم في العربية ورحنا على الشقة.. أول ما وصلنا وشفت الشمع الأحمر على باب بيتي، قلبي اتعصر.. مريم كانت واقفة جنبي وماسكة في دراعي وبتترعش. المحضر جه وفك الشمع وفتح الباب وقال بحسم:
“معاكم نص ساعة بالظبط.. تاخدوا الشنط والعلاج وتخرجوا فوراً.” دخلنا الشقة بسرعة.. كانت الشقة هادية وكل حاجة فيها مترتبة زي ما مريم سابتها. جرينا على أوضة النوم، مريم بدأت تلم علاجها وتقاريرها الطبية وتحطهم في شنطة، وأنا بدأت ألم الهدوم الأساسية والفلوس اللي كنت شايلها في الدولاب للطوارئ. وإحنا بنلم الحاجة بسرعة، عيني جت على الدرج بتاع الكومودينو بتاع مريم.. كان موارب وفي كشكول صغير لونه كحلي. من غير ما أفكر، سحبت الكشكول وحطيته في جيب جاكتي.
خلصنا وفاضل خمس دقايق، خرجنا بره الشقة والمحضر قفل الباب تاني ورجع الشمع الأحمر.. حسيت كأن حتة من قلبي اتدفــ,,ـــــنت جوه، بس لما بصيت لمريم وهي ماسكة شنطة علاجها في إيدها، قلت الحمد لله.. المهم سلاحها ضد المرض معاها. — لأن شقتنا اتقفلت وأم مريم لسه في المستشفى، تامر أصر إننا نيجي نقعد في شقة والدة مريم (حماتي) وهي فاضية لحد ما تخرج بالسلامة.. وافقت عشان مريم تكون مرتاحة وفي مكان تألفه. وصلنا الشقة، مريم كانت مهدودة تماماً من قلة النوم والضغط. دخلت الأوضة بتاعتها القديمة ونامت من كتر التعب.
قعدت أنا في الصالة لوحدي.. الدنيا كانت هسس. طلعت الكشكول الكحلي من جيب الجاكت وفتحته.. ولقيت إنه مذكرات مريم. بدأت أقلب في الصفحات.. وقرأت كلام خلى دموعي تنزل زي المطر.. مريم كانت كاتبة عني من أول يوم خطوبة: *”النهاردة شوفت أحمد.. هو باين عليه محترم وشيك، بس دايما حاسة إنه بعيد.. عينيه مش معايا.. يا رب حببني فيه وحببه فيا، أنا نفسي أكون الزوجة اللي يسعد بيها ويشوفها أجمل ست في الدنيا.”* وفي صفحة تانية بتاريخ قبل الفرح بأسبوع:
*”النهاردة عرفت نتيجة التحاليل.. الدكتور قالي ورم.. الدنيا اسودت في عيني.. خايفة أقول لأحمد يسيبني، وخايفة أقول لأمي تمــ,,ـــــوت فيها.. أنا هتحمل لوحدي، وهحاول أسعد أحمد ومحسسهوش بأي تعب.. يا رب قويني.”* وأخر صفحة كانت مكتوبة قبل ما تسيب الشقة بيوم واحد: *”أحمد قالي إني ندمان.. الكلمة دحت في قلبي زي السكــ,,ـــــينة.. هو مش طايقني.. أنا بمــ,,ـــــوت من الخوف من المرض وبمــ,,ـــــوت من قسوته وبروده.. أنا ماشية عشان أريحه مني.. أنا بحبه بس كرامتي وجعاني أوي.”*
قفلت الكشكول وأنا بنهار.. أنا كنت غمي وبظلــ,,ـــــم ملاك. قمت وقفت ورحت عند باب أوضتها، فتحته براحة ودخلت.. قعدت على طرف السر,,ـــــير وبصيت لوشها الهادي البسيط.. الجمال اللي كنت بدور عليه بره، طلع ولا حاجة جنب جمال قلبها ونقائها اللي كان تحت رجلي وأنا مش حاسس. مديت إيدي وملست على شعرها بحنان، وفجأة مريم فتحت عينيها.. بصتلي بنظرة هادية وقالت بصوت ناعم: “أحمد.. أنت بتعيط؟” نزلت على إيدها بستها وقلت: “أنا أسف يا مريم.. أنا قرأت الكشكول.. أنا مكنتش راجل معاكي، بس وحياة دموعك دي لأعيش بقية عمري خدام تحت رجليكي بس سامحيني.”
مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة ودمعة نزلت من عينها.. ولسه هترد عليا وتتكلم.. سمعنا صوت خبط عنيف جداً وهستيري على باب الشقة برا.. خبط وراه صراخ وصوت تامر ابن خالتها وهو بيزعق بنبرة مرعوبة: “أحمد!!! افتح بسرعة المصيبة كبرت والدكاترة بيكلموني من المستشفى!!!”
