
ما كنت أخاف من فكرة الخيانة بل كانت امرأة عادية جدًا ربما في أواخر الثلاثينيات بملامح متعبة وعينين غائرتين ووجه يعرف الحزن أكثر مما يعرف الراحة وضعت الصينية على الطاولة ونظرت إلى أحمد نظرة طويلة لا تشبه نظرات الغرباء ثم جلست بالقرب منه بينما الطفلة ما تزال ملتصقة به وكأنها اعتادت وجوده في حياتها من زمن طويل شعرت بغثيان حاد واضطررت أن أضع يدي على فمي حتى لا أصرخ أو أبكي أو أركض إلى الداخل وأكسر كل شيء في طريقي لكن شيئًا ما أوقفني لم يكن التعقل بل كان الفضول القاتل الذي يريد أن يعرف كيف يمكن لإنسان أن يعيش حياتين
كاملتين خمسة عشر عامًا دون أن ينكشف عدت إلى السيارة وجلست أرتجف وأفكر ماذا أفعل هل أقتحم البيت هل أواجهه هل أعود إلى أطفالي وكأن شيئًا لم يحدث أم أراقب أكثر حتى أفهم حجم الكذبة كاملة وبعد نحو أربعين دقيقة خرج أحمد من البيت مرة أخرى وحده واتجه إلى الحديقة الخلفية فاستغللت اللحظة واقتربت من الباب أكثر مما ينبغي كان مفتوحًا قليلًا بسبب هواء البحر الذي يمر في الشارع وس,معت بوضوح صوت حماتي تقول للمرأة متقلقيش يا هناء هو وعدني إن الموضوع قرب يتحل ومش هيفضل يلف بين بيتين كتير كانت كلمتها الأخيرة كافية لأن تجعل قلبي يتوقف بيتين لم أعد
بحاجة إلى مزيد من الأدلة لكنني رغم ذلك بقيت أستمع س,معت المرأة التي اس,مها هناء تقول بصوت مكسور أنا تعبت يا طنط تعبت من الاستخبا ومن أسئلة البنت ومن كل مرة يوعدني فيها بحل قريب وأنت عارفة إنه كل سنة بيقول نفس الكلام س,معت حماتي ترد ببرود أمهله بس شوية هو راجل مسؤول وعنده خمسة عيال ومش سهل يهد,,م كل حاجة مرة واحدة حسيت وقتها أن شيئًا باردًا انكسر في داخلي ليس فقط لأن أحمد كان يعيش حياة أخرى معي بل لأن أمّه كانت تعرف وتغطي عليه وربما كانت جزءًا من الكذبة منذ البداية تراجعت بسرعة قبل أن يلاحظني أحد
وعدت إلى السيارة وأنا أشعر أنني لم أعد الشخص نفسه الذي نزل من الطائرة قبل ساعات بقيت هناك حتى الغروب ورأيت أحمد يخرج من البيت مرة أخرى ثم يقود إلى فندق في وسط المدينة ففهمت أنه لا يبيت هناك طوال الوقت وربما كان يحتفظ بمظهر الرحلة العملية بهذا الشكل حتى لا ينهار كل شيء مرة واحدة قضيت تلك الليلة في فندق صغير قريب ولم أنم دقيقة واحدة كنت أحدق في السقف وأعيد كل السنوات الماضية في رأسي كل رحلة كل عطر غريب على قميصه كل مرة تأخر فيها عن الرد كل مرة عاد متعبًا وقال إن الاجتماعات كانت كثيرة كل مرة
صدقته فيها لأنني أردت أن أصدق في الصباح لم أعد إلى القاهرة بل عدت إلى البيت نفسه توقفت بعيدًا وراقبت المكان من جديد ورأيت الطفلة تخرج مع هناء إلى المدرسة الصغيرة القريبة من الحي وعند,,ما ابتعدتا دخلت حماتي إلى الحديقة وحدها عندها فقط نزلت من السيارة ومشيت نحو الباب وأنا أشعر أن وجهي تحول إلى حجر طرقت الباب مرتين وعند,,ما فتحته حماتي ونظرت إلي شهقت كأنها رأت شبحًا لم أعطها فرصة للكلام فقط دفعت الباب بيدي ودخلت قلت لها بصوت منخفض لكنه حاد أنا عرفت كل حاجة ارتبكت وتراجعت خطوتين وهي تردد اس,معيني يا بنتي الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة
ضحكت ضحكة قصيرة ومرة وقلت لا هو بالضبط زي ما أنا فاهمة ابنيكوا راجل متجوز اتنين وخلف من الاتنين وإنتي قاعدة هنا عاملة فيها ست فاضلة وبتسندي الكذبة نظرت حولها بخ كأنها تخشى أن يس,معها أحد ثم قالت وطي صوتك الجيران هيس,معوا قلت لها وأنا أقترب منها أكثر خليهم يس,معوا أنا بقالى خمسة عشر سنة عايشة في كذبة وانتي همك الجيران جلست على أقرب كرسي كأن ساقيها خذلتها وقالت بصوت مبحوح أنا ماكنتش عايزة ده يحصل بالطريقة دي قلت لها بحدة إمتى بدأ إمتى بالضبط هزت رأسها كأنها تحاول تجنب الإجابة ثم قالت من قبل جوازكم بسنة شعرت أن شيئًا يطع,,نني
في ص.دري قبل جوازن,ا بسنة يعني أنه لم يخنني لاحقًا فقط بل دخل حياتي أصلًا وهو يحمل حياة أخرى معه سقطت على الكرسي المقابل لها وأنا أتمتم يعني من أول يوم من أول يوم وأنا مجرد ستارة قالت بسرعة لا ما تقوليش كده هو كان بيحبك فعلًا وبيحب عياله منك قاطعتها وصرخت وهو بيحبهم منها كمان صح سكتت وعرفت من صمتها أن الإجابة نعم سألتها عن الطفلة فقالت إن عنده من هناء بنتًا واحدة فقط وإنه كان قد عقد عليها عرفيًا في البداية ثم تطور الأمر وأصبح زواجًا فعليًا في مكان آخر بعيد عن الأوراق التي قد تصلني ولم أفهم كيف
يمكن لإنسان أن يرتب هذا الكم من الكذب لسنوات دون أن يختنق به ثم دخلت هناء من الباب الخلفي فجأة وعند,,ما رأتني تجمدت في مكانها كانت تحمل كيس خضار صغيرًا وملامحها انطفأت في ثانية واحدة قلت لها وأنا أنظر في عينيها هل كنت تعرفين أنه متزوج من البداية أطرقت رأسها ثم قالت نعم كنت أعرف لكن قال لي إن زواجه انتهى من زمان وإنه عايش علشان الأولاد فقط وإنه هيطلقك أول ما الظروف تس,مح ضحكت مرة أخرى لكن هذه المرة كان صوتي أقرب للبكاء نفس الجملة القذرة اللي بيقولها كل راجل كذاب لكل ست بيد,,مر حياتها رفعت عينيها إلي وقالت أنا
كمان اتخدعت صدقيني هو فضل يقول لي كل سنة إن النهاية قربت وإنه مستني الوقت المناسب وإنه مش عايز يكسر ولاده قلت لها بمرارة وعلى حساب مين على حسابي أنا وعيالي سكتت ثم قالت بصوت مكسور وعلى حسابي أنا وبنتي كمان لأنه عمره ما كان معنا بالكامل ولا معاكم بالكامل هو كان عايش لنفسه فقط كانت كلماتها موجعة لأنها حقيقية إلى حد مرعب وجدت نفسي لا أكرهها بالقدر الذي توقعت بل أكره الرجل الذي جعل اثنتين تجلسان أمام بعضهما بهذه الطريقة وكل منهما تشعر أنها سُرقت منها حياتها في تلك اللحظة فتح الباب ودخل أحمد وعند,,ما رآني وقف كأن أحدهم صفعه
بكل قوته سقطت الحقيبة من يده إلى الأرض وتراجع نصف خطوة وهو يهمس اس,مي كأنه لا يصدق حضوري هنا قلت له بهدوء أخافه أكثر من الصراخ تعالى اقفل الباب وقعد عشان نخلص المسرحية دي مرة واحدة نظر إلى أمه ثم إلى هناء ثم إلي وعرف من الوجوه أن كل شيء انكشف أغلق الباب ببطء وجلس لكنه لم يجد أي كلمة مناسبة للخيانة التي عاشها خمسة عشر عامًا قال أخيرًا كنت هقولك قلت له إمتى بعد عشرين سنة لما تكبر البنت وتتجوز ولا لما أمو,,,ت وأنا فاكرة إن جوزي راجل محترم قال وهو يمرر يده على وجهه الموضوع معقد قلت له لا
الموضوع بسيط جدًا إنت كداب وتافه وجبان استنشق نفسًا طويلًا وقال أنا ماكنتش عايز أوجع حد قهقهت بمرارة لكنك عملت ده ببراعة وجعت الكل وخليت كل واحدة فينا تعيش نص حياة لا هي كاملة ولا هي محترمة تدخلت أمه بسرعة وقالت يا بنتي اهدى وخلونا نفكر بعقلانية فالتفت إليها وقلت بعصبية لأول مرة في حياتي ما تتكلميش انتي تحديدًا انتي ساعدتيه وعرفتي وسكتي وخليتيني أعيش سنين معرفش أنا مين بالنسبة لجوزي ثم التفت إليه مرة أخرى وسألته سؤالًا واحدًا كم مرة كنت بترجع من عندهم لبيتي وتبص في وش عيالك كأنك أب طبيعي كم مرة كنت بتسافر لهم وتقول لنا شغل
كم مرة كنت بتنسى اس,م بنتك التانية وإنت بتشتري هدية لبنتنا الصغيرة د,,معت عيناه للحظة لكنني لم أعد أصدق الد,,موع قال أنا غلطت قلت له لأ إنت بنيت حياتك كلها على الغلط ثم وقفت من مكاني وأخرجت هاتفي وقلت دلوقتي هتس,معني كويس أنا هرجع القاهرة النهارده وإنت عندك أربع وعشرين ساعة تبعتلي كل حاجة تخص حساباتنا وبيتنا وممتلكاتنا وكل ورقة رس,مية بيننا ولو حاولت تكذب في حاجة واحدة أنا هرفع قضية وأفضحك قدام الشركتين والعيلتين والمحكمة والحي كله حاول الاقتراب مني وقال خلينا نتكلم في البيت بعيد عنهم فقلت له لا انتهى زمن البيوت المغلقة والكلام الهادي اللي كنت بتعرف تلوّن
بيه الحقيقة أنا عرفت حقيقتك الحقيقية هنا وفي المكان اللي كنت مستخبيه فيه خرجت من البيت وأنا أتنفس بصعوبة لكنني لم أبك في الطريق إلى الفندق اتصلت بالمحامي الذي كان قد ساعد إحدى صديقاتي في قضية طلاق وشرحت له باختصار ما حدث فقال لي أول شيء لا ترجعي من غير أي دليل أرسلت له فورًا صور البيت وصورة لأحمد وهو يحتضن الطفلة من بعيد وصورة لحماتي داخل المنزل ثم عدت إلى الفندق وجمعت أشيائي وعدت إلى المطار طوال الرحلة كنت أفكر فقط في أطفالي كيف سأشرح لهم كيف سأحميهم كيف سأمنع هذه الفضيحة من أن تحطمهم عند,,ما وصلت القاهرة كان الليل
قد بدأ يهبط والشارع أمام العمارة هادئًا بشكل جعلني أرغب في الصراخ صعدت إلى الشقة فوجدت الأطفال مع الجليسة يركضون نحوي بفرح كأن العالم لم يتحطم بعد حملت أصغرهم وبكيت لأول مرة بصمت في شعره حتى لا يراني أحد تلك الليلة ناموا جميعًا في غرفتي وأنا جالسة بينهم لا أغمض عيني لأنني كنت أعرف أن الغد سيبدأ حياة جديدة لا تشبه أي شيء عرفته قبلها وفي الصباح أرسل أحمد رسالة طويلة يقول فيها إنه سيشرح كل شيء وإنه لم يتوقف عن حبي يومًا وإنه وقع في خطأ قديم وكبر فوق رأسه ولم يعرف كيف ينهيه ومسح الرسالة قبل أن أرد وأرسل
بعدها أنه قاد,,م لرؤية الأطفال فأجبت بكلمة واحدة لا ثم اتصل المحامي وبدأت معه أولى الخطوات القانونية اكتشفت خلال الأيام التالية أن أحمد لم يكن فقط يخونني عاطفيًا بل كان يحول جزءًا من دخله إلى حسابات لا أعرفها ويدفع إيجار البيت الآخر من أموال كان يفترض أنها تخص أسرتنا وأولادنا وكانت تلك خيانة أخرى أكثر قذارة لأنها سرقت من أطفالي لصالح حياة مخفية لم أوافق عليها ولم أعرف بها وعند,,ما واجهته بالأوراق في جلسة التسوية الأولى انهار أخيرًا واعترف أمام المحامين بكل شيء اعترف أنه أحب فكرة أن يكون له بيتان لأن كل بيت كان يعطيه جزءًا مختلفًا من نفسه وأنه
كان يقنع نفسه بأنه يسيطر على الوضع وأن أحدًا لن ينكشف له السر أبدًا نظر إلي يومها وقال أنا عارف إني خسرتك للأبد قلت له وأنت خسرت نفسك قبل ما تخسرني بعد شهور طويلة من القضايا والشد والجذب حصلت على الطلاق وحصلت على حقوقي وحقوق أطفالي كاملة ونقلت الأولاد إلى مدرسة أخرى بعد أن بدأت الشائعات تنتشر قليلًا لكن شيئًا غريبًا حدث في تلك الفترة هناء نفسها تواصلت معي بعد أشهر وقالت إنها تركته أيضًا لأنه استمر في الكذب حتى بعد انكشاف كل شيء ووعدها بوعود جديدة لا تنتهي وقالت لي جملة لن أنساها طول عمري إحنا الاتنين كنا بنحب راجل
مش موجود أصلًا كنا بنحب نسخة هو بيخلقها لكل واحدة فينا وكانت محقة جدًا لأن أحمد الحقيقي لم يكن الزوج المخلص الذي عرفته ولا الرجل المسكين الممزق بين بيتين كما حاول أن يصور نفسه بل كان رجلًا أنانيًا أحب أن يرى نفسه مطلوبًا ومحبوبًا في أكثر من مكان دون أن يفكر في الخراب الذي يتركه خلفه ومع مرور الوقت بدأت أتعافى ببطء لم يكن الأمر سهلًا طبعًا كانت هناك ليالٍ أبكي فيها من الإهانة أكثر مما أبكي من الفراق وكانت هناك أسئلة موجعة من أطفالي ومرات اضطررت أن أقول لهم إن الكبار أحيانًا يكسرون أشياء جميلة لأنهم لا يعرفون كيف يكونون
صادقين لكنني في المقابل بدأت أرى نفسي بوضوح لأول مرة منذ سنوات بدأت أشتغل أكثر على نفسي وعلى أولادي وعلى بيتنا الصغير الذي صار أكثر هدوءًا رغم كل شيء وبعد حوالي عام كامل كنت أقف في شرفة الشقة عند الغروب وأراقب أطفالي يذاكرون ويضحكون في الداخل عند,,ما وصلتني رسالة من رقم لا أعرفه فتحتها فوجدت صورة لأحمد وحده داخل شقة صغيرة ومعها جملة قصيرة أنا آسف على كل شيء مسحت الرسالة دون رد لأن بعض الاعتذارات لا تصلح شيئًا وبعض الأبواب إذا أغلقت يجب أن تظل مغلقة وفي تلك اللحظة فقط فهمت الحقيقة التي قلبت حياتي فعلًا لم تكن الحقيقة أن
زوجي كان يعيش حياة مزدوجة فقط بل الحقيقة الأكبر أنني كنت أقوى بكثير مما ظننت وأن اليوم الذي تبعته فيه إلى الإسكندرية لم يكن اليوم الذي انتهت فيه حياتي كما تخيلت في البداية بل كان اليوم الذي بدأت فيه حياتي من جديد.


