Advertisements
Advertisements
منوعات

مكاني حكايات اسما السيد ●1

Advertisements

ابنها الصغير كان نايم على صدرها… نفسه الدافي طالع نازل ببطء… وكأنه الحاجة الوحيدة البريئة وسط الخراب ده كله.
افتكرت نفسها من شهور… وهي قاعدة تستناه يرجع البيت.
بتجهز عشا.
بتصدّق أعذاره.
بتقنع نفسها إنها “مقصرة”.
وإن كل الستات لازم تستحمل.
افتكرت الليلة اللي نامت فيها على الكنبة حامل في شهرها التاسع لأنها كانت مرهقة… بينما هو كان بيبعت قلوب لرانيا في أوضة تانية.
افتكرت خوفها وهي بتولد لوحدها.
والوجع.
والوحدة.
والكرسي الفاضي جنب سرير المستشفى.
وفجأة… ماحستش بأي حب ناحيته.
ولا حتى كره.
بس قرف.

كريم قرب منها بصوت واطي لأول مرة.
“إنتِ عايزة إيه؟”
ليلى بصتله بثبات.
“حضانة كاملة.”
“هتاخديها.”
“الفيلا.”
عض على سنانه.
“…تمام.”
“نص الشركة.”
هنا انفجر.
“إنتِ اتجننتي؟”
ليلى ما اتهزتش.
“قدامك حلين يا كريم.”
رفعت الملف الأسود شوية بإيدها.
“يا إما نمضي بهدوء… يا إما الملف ده يروح للنيابة.”
رانيا بصتله بذهول.
“إنت هتوافق؟”
كريم لف ناحيتها بعصبية مرعبة.
“إنتِ اخرسي!”
لكن رانيا كانت بدأت تستوعب إنها ماكنتش “الحب الحقيقي”.
كانت مجرد غلطة متغلفة بكلام حلو.

مجرد سكرتيرة اتغرّت براجل غني.
دلوقتي الراجل ده بيغرق… ومستعد يغرقها معاه.
اتراجعت خطوتين للخلف وهي حاطة إيدها على بقها.
“أنا… أنا ماكنتش أعرف.”
ليلى ضحكت ضحكة قصيرة متعبة.
“كل الستات بيقولوا الجملة دي في الآخر.”
الصمت رجع تاني.
لكن المرة دي… كان صمت هزيمة.
المحامي التاني بص لكريم بحذر.
“أنصحك تحل الموضوع ودي.”
كريم قعد على الكرسي ببطء.
أول مرة شكله بان أكبر من سنه.
أول مرة الغرور اختفى من وشه.
كأنه فجأة فهم إن كل حاجة بناها ممكن تقع في يوم واحد.
سمعته.
فلوسه.

شركته.
صورته قدام الناس.
كل ده بسبب حاجة كان فاكرها بسيطة…
خيانة.
لكن الخيانة عمرها ما بتكون بسيطة.
لأن الإنسان لما يخون… بيبدأ يستهين بكل حاجة بعدها.مراته.
ابنه.
ضميره.
القانون.
كل الحدود بتتكسر واحدة واحدة.
ليلى قامت ببطء وهي بتعدل البطانية حوالين الطفل.
ألم الولادة كان لسه بيقطع جسمها.
لكن لأول مرة من شهور… نفسها كان أخف.
كريم رفع عينيه ليها.
“إنتِ خططتي لكل ده إمتى؟”
بصتله ثواني طويلة.
“وأنا في المستشفى.”
الكلمات ضربته أقوى من أي صريخ.
“وإنت كنت في الفندق.”

رانيا نزلت عينيها للأرض فورًا.
ليلى كملت بهدوء:
“عارف أصعب حاجة إيه؟ مش الخيانة.”
سكتت لحظة.
“أصعب حاجة إن الست وهي بتولد… بتكون بين الحياة والموت… وإنت كنت مشغول تختار نوع الشامبانيا.”
كريم حاول يتكلم… لكن مافيش كلمة طلعت.
لأول مرة… ماكانش عنده رد.
ولا كذبة.
ولا تمثيل.
ليلى أخدت الملف الأسود وقفلت السوستة بتاعته بهدوء.
وبعدين قالت آخر جملة وهي ماشية ناحية الباب:
“أنا مش جاية أرجعك يا كريم.”
لفت تبصله نظرة أخيرة.
“أنا جاية أوريك إن الست اللي سيبتها لوحدها وهي بتولد…

هي نفسها الست اللي تقدر تدفنك وإنت صاحي.”
وخرجت.
الكعب الواطي بتاعها كان صوته ثابت فوق أرضية الرخام.
ولا مرة بصت وراها.
السكرتيرة فضلت واقفة مكانها منهارة.
المحامين بيتبادلوا نظرات متوترة.
وكريم…
قعد لوحده.
وسط الورق.
والفضايح.
والصمت.
لحد ما موبايله رن.
بص للشاشة.
اسم المتصل كان:
“إدارة مكافحة التهرب المالي.”
وفي اللحظة دي بالظبط…
فهم إن حياته القديمة انتهت فعلًا.
أما ليلى…
فنزلت أسانسير البرج الزجاجي وهي شايلة ابنها على صدرها.
الطفل فتح عينيه الصغيرة لأول مرة من ساعة طويلة.

بصلها.
وابتسم ابتسامة خفيفة وهو نايم.
ليلى ضمته أكتر… ودموعها نزلت أخيرًا.
مش ضعف.
ولا ندم.
دي كانت دموع ست نجت.
ست خسرت وهم… وكسبت نفسها.
ولأول مرة من سنين…
حست إنها مش خايفة من بكرة.
باب الأسانسير اتقفل ببطء… وليلى واقفة شايلة ابنها، حاسة إن رجليها خلاص مبقوش قادرين يشيلوها.
أول ما الأسانسير نزل للدور الأرضي… الماسك اللي كانت حابسة بيه نفسها طول الوقت بدأ يضعف.
إيديها كانت بتترعش.
جرح العملية بيوجعها مع كل نفس.
واللبن نازل غصب عنها من التعب والتوتر لدرجة إن قميصها بدأ يبتل.

لكنها رفضت تقع.
مش دلوقتي.
مش بعد ما وصلت للنهاية دي.
البواب فتحلها باب البرج بسرعة وهو بيبصلها باستغراب.
“مدام ليلى… العربية تطلع؟”
هزت راسها بالنفي.
هي ماكنتش عايزة سواق.
ولا حماية.
ولا حد يسألها إذا كانت بخير.
كل اللي كانت محتاجاه… مكان هادي تعرف تعيط فيه من غير ما حد يشوفها.
طلعت موبايلها بإيد مرتعشة… واتصلت برقم واحد بس.
“ماما.”
أول ما سمعت صوت أمها… سكتت.
الكلمات اختفت.
أمها قامت من النوم مفزوعة.
“ليلى؟ مالك؟ البيبي كويس؟”
ليلى بلعت ريقها بالعافية.

“ممكن تيجي تاخديني؟”
بعد أقل من نص ساعة… عربية والدتها وقفت قدام البرج.
أمها نزلت بسرعة أول ما شافتها.
ولأول مرة من سنين طويلة… ليلى رجعت بنت صغيرة.
أول ما أمها حضنتها… انفجرت.
شهقاتها خرجت بعنف وهي مستخبية في كتف أمها والطفل بينهم.
“خلاص يا حبيبتي…” أمها كانت بتمسح على شعرها وهي نفسها بتحاول ماتعيطش.
“خلاص… أنا جيت.”
ليلى كانت بتبكي بصمت موجوع.
“سابني لوحدي يا ماما… سابني وأنا بولد.”
أمها غمضت عينيها بألم.
ماقالتش “حقير”.
ولا “مايستاهلكيش”.
بعض الوجع بيكون أكبر من الكلام.
ركبوا العربية.

طول الطريق ليلى كانت ساكتة… باصة من الشباك على القاهرة الليلية.
الإعلانات المضيئة.
الزحمة.
الناس اللي ماشية وكأن العالم طبيعي.
الغريب إن الحياة ما بتقفش علشان قلب حد اتكسر.
وصلوا بيت أمها في مصر الجديدة قبل الفجر.
نفس البيت اللي اتربت فيه.
ريحة القهوة القديمة.
صوت الساعة الحائط.
الكنبة اللي كانت بتنام عليها أيام الثانوية.
كل حاجة كانت دافية بشكل وجعها أكتر.
أمها أخدت الطفل بحنان.
“روحي خدي شاور بسرعة.”
ليلى دخلت الحمام وقفلت الباب.
وقفت قدام المراية… واتصدمت من شكلها.
وش شاحب.
هالات سوداء.

شفايف ناشفة.
وجسم واضح عليه التعب والانهيار.
دي ماكنتش الست اللي كانت بتطلع على أغلفة المجلات مع جوزها.
ولا المؤثرة اللي الناس كانت بتحسد حياتها.
دي واحدة نجت بالعافية.
بصت لجرح العملية تحت الإضاءة الصفراء… وافتكرت إنه كان المفروض يكون معاها وقتها.
كان المفروض يمسك إيدها.
يطمنها.
يبوس راسها وهي خايفة.
بدل كده… كان في حضن ست تانية.
الوجع ضربها من جديد.
فنزلت على الأرض فجأة وهي بتبكي بصوت مكتوم علشان أمها ماتسمعهاش.
فضلت كده وقت طويل.
لحد ما صوت ابنها وصلها من بره.

عيّطته الصغيرة رجعتها للحياة.
مسحت وشها بسرعة… وخرجت.
أمها كانت تهدهده بحنان.
“شكله جعان.”
ليلى أخدته وقعدت على الكنبة ترضعه.
الطفل كان صغير جدًا… وإيده متعلقة في قميصها كأنه خايف يسيبها.
بصتله طويل.
“أنا آسفة…” همست وهي دموعها بتنزل تاني.
“آسفة إن أول حاجة شفتها في الدنيا كانت الخيانة دي.”
لكن الطفل كمّل رضاعة بهدوء… وكأنه بيقولها إنه مش فاهم غير إنها أمه.
وفجأة حسّت بحاجة غريبة.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!