
الفصل الخامس: الوريث المجهول فضلت ماسكة الرسالة بإيدي. حاسّة إن الكلمات بتتحرك قدام عيني. “الأرض مش ملكنا لوحدنا… وفي وريث تاني محدش يعرف عنه حاجة.” قرأت الجملة مرة. واتنين. وتلاتة. لكن معناها فضل صادم زي أول مرة. رفعت رأسي ناحية كريم. “إيه الكلام ده؟” أخذ الرسالة مني بسرعة. وقرأ الجزء الأخير بنفسه. ثم قال: “واضح إن والدتك كانت مخبية سر كبير.”
— قعدت على السرير القديم بتاع أمي. إيدي بترتعش. أمي كانت ست واضحة وصريحة في كل حاجة. عمرها ما خبت عني أسرار. فليه تخبي حاجة بالحجم ده؟ وليه لحد آخر يوم في عمرها ما قالتش؟ — رجعت أكمل الرسالة. وكان مكتوب: “لو عبد الحميد رجع يدور على الأرض، يبقى اعرفي إنه عرف إنها بقت تساوي ملايين.” “لكن الحقيقة اللي ميعرفهاش إن نص الأرض قانونًا مش من حقه ولا من حقنا.”
“وفي شخص تاني لازم تعرفيه الأول.” — وقفت القراءة فجأة. لأن الصفحة اللي بعدها كانت ناقصة. اختفت. ممزقة من النص. — صرخت: “لا!” جريت أقلب الظرف. أدور في الملفات. في الخزنة. في الأرض. في كل مكان. لكن الصفحة الأخيرة كانت مفقودة. — قال كريم: “ممكن حد أخدها.” بصيتله بصدمة. “مين؟” سكت. لكن إحنا الاتنين كنا عارفين الإجابة.
عبد الحميد. — بدأنا نفتش باقي الملفات. وفجأة لقيت صورة قديمة جدًا. صورة بالأبيض والأسود. فيها أمي وهي صغيرة. واقف جنبها ولد عنده حوالي عشر سنين. وعلى ضهر الصورة مكتوب: “أنا وأخويا ياسين.” اتجمدت. “أخوها؟” أنا طول عمري أعرف إن أمي عندها أخ واحد بس. عبد الحميد. — أخذ كريم الصورة. وبص فيها كويس. ثم قال: “يبقى الوريث التاني ده ممكن يكون ابن الراجل ده.”
حسيت بقشعريرة. لأن الاسم ده… عمري ما سمعته قبل كده. ولا مرة. ولا حتى بالصدفة. — وفي نفس اللحظة… رن موبايلي. رقم مجهول. رديت. وجالي صوت راجل كبير في السن. صوته متوتر. وخايف. قال: “حضرتك سارة؟” استغربت. “أيوه.” سكت ثواني. ثم قال: “أنا بقالى أسبوع بدور عليكي.” — نظرت لكريم. وشغلت السماعة الخارجية.
الرجل أكمل: “أنا كنت صاحب والدتك.” — قلبي بدأ يدق أسرع. “حضرتك مين؟” قال: “اسمي الحاج عوض.” ثم أضاف: “وأمك قبل ما تموت سلمتني أمانة.” — اتسعت عيني. “أمانة؟” قال: “وقالتلي لو عبد الحميد ظهر في حياتك… أو حد سألك عن الأرض… أسلمك الحاجة دي فورًا.” — أنا وكريم بصينا لبعض. ثم سألته بسرعة: “إيه هي؟”
سكت. ثم قال: “دفتر قديم.” “دفتر إيه؟” “مذكرات والدتك.” — حسيت أن قلبي هيقف. مذكرات؟ أمي كانت بتكتب يومياتها؟ — قال الحاج عوض: “وفيه أسرار كتير جوه الدفتر.” ثم أضاف بصوت أخفض: “ومنها الحقيقة الكاملة عن ياسين.” — قبل ما أسأله أي سؤال… سمعنا صوت فرامل عربية قوية برا البيت. ثم باب عربية اتقفل بعنف. وبعدها صوت رجالة.
كتير. — أنا وكريم جمدنا مكاننا. قربنا من الشباك. وبصينا. — وكانت الصدمة. عبد الحميد واقف تحت البيت. ومعاه أربعة رجال. وبيشاور ناحية المنزل. — همس كريم: “واضح إنه عرف إننا هنا.” — وفي نفس اللحظة… وصلت رسالة على هاتفي من رقم مجهول. فتحتها. وكان فيها صورة لينا إحنا الاتنين واقفين جوه البيت من دقائق. ومكتوب تحتها:
“سلمي الخزنة والورق… قبل ما أخدهم بنفسي.” رفعت رأسي ناحية الباب. وسمعت أول خبطة قوية عليه. ثم الثانية. ثم الثالثة. وعرفت إن عبد الحميد مش جاي يتفاهم. عبد الحميد جاي ياخد كل حاجة. يتبع… الفصل السادس: الحصار دوى صوت الطرق على الباب مرة أخرى. أقوى من المرة السابقة. حتى إن زجاج النافذة اهتز. وقفت مكاني للحظة. أحاول استيعاب الموقف. عبد الحميد واقف تحت البيت.
ومعاه رجال. وعارف إننا هنا. وعارف إن الخزنة اتفتحت. وعارف إن عندنا حاجة هو مستعد يعمل أي حاجة عشان ياخدها. — قال كريم بسرعة: “اقفلي كل الشبابيك.” جريت ناحية الصالة. وقفلت الشباك الخشبي القديم. قلبي بيدق بعنف. والصوت برا بيزيد. أحد الرجال صاح: “افتحي يا سارة.” جمد الدم في عروقي. لأن الصوت كان صوت خالي نفسه. — رجعت لأوضة أمي.
لقيت كريم بيجمع الأوراق كلها. والرسالة. والصور. والمستندات. ويحطهم في شنطة جلد. قلت: “هنعمل إيه؟” قال: “هنخرج من الباب الخلفي.” — تذكرت فجأة. في البيت القديم كان فيه باب صغير يطلع على حارة جانبية. باب محدش بيستخدمه من سنين. كانت أمي دايمًا تقول إنه باب الطوارئ. عمري ما تخيلت إني هحتاجه يوم. — لكن قبل ما نتحرك…
سمعنا صوت تكسير. حد بدأ يحاول يخلع الباب الرئيسي. — صرخت: “يا نهار أبيض!” قال كريم: “مفيش وقت.” مسك الشنطة. وأمسك إيدي. وجرينا. — وصلنا للمطبخ. ثم للباب الخلفي. لفيت المفتاح. لكن الباب ما اتحركش. مرة. واتنين. وتلاتة. كان مصدي من السنين. — وفي نفس اللحظة… سمعنا صوت الخشب وهو بيتكسر في الصالة.
عرفنا إنهم دخلوا. — بدأ العرق ينزل من جبيني. وكدت أنهار. لكن كريم دفع الباب بكل قوته. وفجأة… اتفتح. — خرجنا للحارة. وجرينا. ورانا أصوات صريخ. وأقدام. ورجالة بتدور علينا. — لفينا أول شارع. ثم الثاني. ثم وقفنا خلف مخزن قديم. نحاول نلتقط أنفاسنا. — قال كريم: “لازم نوصل للحاج عوض.” هززت رأسي.
“فين؟” قال: “هو بعتلي عنوانه في رسالة.” — ركبنا عربية كريم. وانطلقنا. — طوال الطريق كنت أبص من الشباك. وأحاول أفهم. ليه كل ده؟ ليه أرض قديمة ممكن تخلي الناس تعمل كده؟ وليه أمي كانت خايفة للدرجة دي؟ — بعد حوالي ساعة. وصلنا لبيت قديم في أطراف المدينة. — فتح لنا رجل في السبعينات. وجهه مليان تجاعيد.
لكن عينيه كانوا أذكى من أي حد شفته. — أول ما شافني. دمعت عينه. وقال: “بقيتي شبه أمك قوي.” — شعرت بغصة في حلقي. — دخلنا. وقعدنا. — ثم قام الحاج عوض.

