
وجاب صندوق خشب صغير. أصغر من صندوق الخزنة. — حطه قدامي. وقال: “ده اللي أمك ائتمنتني عليه.” — فتحت الصندوق. — كان فيه دفتر جلدي قديم. وحزمة خطابات. وصورة. — الصورة كانت لأمي. ومعاها نفس الولد اللي في الصورة القديمة. ياسين. — سألت: “مين ياسين؟” — سكت الحاج عوض. ثواني طويلة. —
ثم قال: “أخو أمك الكبير.” — اتجمدت. — قال: “عبد الحميد مش كان الأخ الوحيد.” — بلعت ريقي. — “أمال فين ياسين؟” — تنهد. — “اختفى.” — “إزاي؟” — نظر للحائط. كأنه رجع بالزمن عشرات السنين. — وقال: “اختفى بعد خناقة كبيرة مع عبد الحميد.” — صمت. — ثم أكمل:
“خناقة بسبب الأرض.” — شعرت بقشعريرة. — قال: “والد أمك كان ناوي يكتب الأرض لياسين.” — “ليه؟” — “لأنه الأكبر.” — “وبعدين؟” — أغمض عينيه. — “وبعدين ياسين اختفى قبل التسجيل بأسبوع.” — ساد الصمت. — لكن عقلي كان بيصرخ. — اختفى؟ — ولا تم إخفاؤه؟ — فتحت الدفتر بسرعة.
— كانت صفحات مكتوبة بخط أمي. — بدأت أقرأ. — اليوميات الأولى كانت عادية. ذكريات. مواقف. حكايات. — ثم وصلت لصفحة مختلفة. — عنوانها: “الحقيقة اللي عمري ما قدرت أقولها.” — بدأت أقرأ. — “أنا متأكدة إن عبد الحميد يعرف أكتر مما بيقول.” “ياسين ما هربش.” “ياسين ما سافرش.” “وياسين ما ماتش في الحادثة زي ما الناس فاكرة.”
— شعرت أن قلبي توقف. — كريم أخذ الدفتر بسرعة. وأكمل القراءة. — “في الليلة اللي اختفى فيها ياسين سمعت عبد الحميد بيتخانق معاه.” “وسمعت تهديدات.” “وبعدها بيوم اختفى أخويا للأبد.” — ساد الصمت في الغرفة. — الحاج عوض قال بهدوء: “أمك طول عمرها شاكّة.” — “شاكّة في إيه؟” — قال: “إن عبد الحميد كان سبب اختفاء أخوه.”
— في اللحظة دي… رن هاتف كريم. — نظر للشاشة. ثم شحب وجهه. — “إيه؟” سألته. — رفع الموبايل. — كانت رسالة جديدة. — وفيها صورة. — صورة لعبد الحميد. واقف قدام بيت الحاج عوض. — والرسالة تحتها: “لقيتكم.” — تجمدت الدماء في عروقي. — ثم سمعنا صوت سيارة تقف بالخارج.
— ثم الثانية. — ثم الثالثة. — نظر الحاج عوض من النافذة. — واختفى اللون من وجهه. — وقال بصوت مرتجف: “هما هنا.” — يتبع…
