
تجمد كريم في مكانه. نظر إليّ. ثم إلى الملف. ثم عاد ينظر إليّ مرة أخرى. وكأن عقله يرفض تصديق ما سمعه. قال بصوت مخنوق: “إنتِ؟” لم أرد. اكتفيت برفع كوب الماء أمامي وأخذ رشفة هادئة. كانت تلك أول مرة منذ سنوات أشعر فيها أنني لست مضطرة لتبرير نفسي. أما سعاد فقد وقفت فجأة. وقالت بعصبية: “إيه الكلام الفارغ ده؟!” أغلقت ياسمين الملف بهدوء.
وقالت: “مش فارغ.” ثم دفعت مجموعة من المستندات فوق الطاولة. “كل ورقة هنا متراجع عليها من ثلاث جهات قانونية.” بدأت سعاد تقلب الأوراق بسرعة. وكان لون وجهها يتغير مع كل صفحة. أما كريم فلم يتحرك. كأنه تمثال. قال أخيرًا: “سلمى… عملتي كده ليه؟” ضحكت. ولأول مرة منذ شهور خرجت الضحكة من قلبي. ضحكة مليئة بالوجع. قلت: “بجد بتسأل؟” ساد الصمت.
فأكملت: “لما كنت بترجع الساعة اتنين الفجر.” “لما كنت بتقفل باب الأوضة بالمفتاح عشان تتكلم في التليفون.” “لما أمك كانت بتقنع الناس إني فاشلة ومش نافعة.” “لما بقيتوا تتعاملوا معايا كأني خدامة في البيت.” رفعت رأسي. ونظرت مباشرة في عينيه. “كنت متوقع أعمل إيه؟” خفض عينيه. لأول مرة. منذ سنوات. خفض عينيه. — لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من ياسمين. قالت وهي تنظر إلى كريم:
“في حاجة تانية.” رفع رأسه ببطء. وكان واضحًا أنه لم يعد يحتمل المزيد. قالت: “أنا مش مرتبطة بيك.” نظر الجميع إليها بدهشة. حتى أنا. ابتسمت بسخرية. وقالت: “أنا كنت براقبك.” عقدت سعاد حاجبيها. “يعني إيه؟” أجابت: “الصفقة اللي كنت داخل فيها مع شركتنا كانت ضخمة.” “وأبويا طلب مني أدرس شخصية الشريك بنفسي.” نظرت إلى كريم. “وأنت كنت ممتاز في تمثيل دور رجل الأعمال الناجح.”
ثم أشارت إلى الملف. “لكن فاشل جدًا في إخفاء الحقيقة.” ابتلع كريم ريقه بصعوبة. أما سعاد فجلست ببطء فوق الكرسي. كأن ساقيها لم تعودا تحملانها. — في تلك اللحظة رن جرس الفيلا. نظر الجميع نحو الباب. ودخل الحارس مسرعًا. ثم قال: “فيه ضيوف بره يا فندم.” سألت سعاد بتوتر: “مين؟” تردد الرجل للحظة. ثم قال: “الشرطة.” ساد صمت مطبق.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف. التفتت سعاد نحو ابنها. وكانت تلك أول مرة أرى فيها الخوف الحقيقي في عينيها. قالت بصوت مرتجف: “كريم… قول إن ده سوء تفاهم.” لكن كريم لم يتكلم. لأنه كان يعرف. وأنا كنت أعرف. وياسمين كانت تعرف. أن مرحلة سوء التفاهم انتهت منذ زمن. — دخل ضابطان إلى الفيلا. تقدما بخطوات ثابتة. ثم أخرجا أوراقًا رسمية.
وقال أحدهما: “الأستاذ كريم الحديدي؟” رفع كريم رأسه ببطء. “أيوه.” قال الضابط: “حضرتك مطلوب للتحقيق في عدد من البلاغات المالية.” أغمض كريم عينيه. لثوانٍ طويلة. ثم فتحهما من جديد. ونظر إليّ. وقال: “إنتِ كنتي بتخططي لكل ده؟” نظرت إليه بهدوء. وقلت: “لا.” سكت الجميع. ثم أكملت: “أنا بس بطلت أسامح.” — خرج كريم مع الضباط.
واختفى صوته في الممر الطويل. أما سعاد فجلست على الأريكة تبكي. لكن للمرة الأولى… لم أشعر بالشفقة. لأنها لم تبكِ عندما كانت تهينني. ولم تبكِ عندما كانت تشجع ابنها على تدمير زواجه. ولم تبكِ عندما أحضرت امرأة أخرى إلى بيتي وكأنني غير موجودة. — وقفت ياسمين استعدادًا للمغادرة. ثم اقتربت مني. وقالت: “أنا مدينة لك باعتذار.” ابتسمت. “أنتِ مكنتيش تعرفي.” هزت رأسها.
ثم قالت: “بس فيه حاجة لازم تعرفيها.” عقدت حاجبي باستغراب. فأخرجت ظرفًا صغيرًا من حقيبتها. ووضعته أمامي. وقالت: “ده حقك.” فتحت الظرف. واتسعت عيناي. لأن بداخله كانت هناك نسخة من عقد. عقد ملكية. باسمي أنا. ولأول مرة منذ أحد عشر عامًا… اكتشفت أن الفيلا التي عشت فيها كضيفة غير مرغوب فيها… كانت في الأصل مسجلة باسمي منذ ثلاث سنوات.
وكان كريم وسعاد يخفون ذلك عني. في تلك اللحظة فقط… فهمت لماذا كانت ياسمين تنظر إليّ منذ دخولها وكأنها تعرف شيئًا لا أعرفه. وفهمت أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ بعد. لأن سعاد الحديدي عندما عرفت أن الفيلا لم تعد ملك ابنها… أطلقت صرخة هزت أرجاء المنزل كله. يتبع…

