
اختبأ العريس تحت سرير فندق في القاهرة ليلة زفافه كمزحة… فسمع إخوته يقولون:
“بعد الفرح… مراته مش هتبقى في أمان إلا لما تمضي على أي ورق نحطه قدامها.”
سمعت الجملة دي وأنا مستخبي تحت سرير جناح فخم في فندق مطل على النيل في الزمالك… خدي لازق في السجاد، وقلبي بيدق بعنف لدرجة حسّيت إنهم هيسمعوه.
اسمي أدهم السيوفي.
وفي اليوم اللي بعده، كان المفروض أتجوز ياسمين… الست الوحيدة اللي قدرت تهدّي الفوضى اللي جوايا بعد سنين من الشيل والتعب وتحمل عيلتي كلها فوق ضهري.
في الليلة دي… عملت أغبى قرار في حياتي.
قررت أستخبى في جناحي بالفندق كنوع من الهزار، علشان أسمع عيلتي وهي فاكراني مش موجود.
كنت متوقع أسمع حاجة حلوة.
يمكن أختي نادين تقول إنها فرحانة إني لقيت الحب من جديد.
يمكن إخواتي كريم وحسام يضحكوا على ذكريات زمان ويعاكسوني زي أي إخوات قبل الفرح.
لكن أول اتنين دخلوا الأوضة كانوا كريم وحسام.
قال كريم وهو بيقفل الباب:
ــ بكرة كل حاجة هتتغير.
ضحك حسام وقال:
ــ أخيرًا ماكينة الصرف المتحركة هتتجوز.
الهوا وقف في صدري.
أنا اللي دفعت ديونهم كلها.
أنا اللي اشتريت شقة لنادين في مدينة نصر علشان تساعدني مع ولادي وأنا في الشغل.
أنا اللي سددت قروض كريم… وغيرت عربيته مرتين… وصدقت كل مرة يقول دي “آخر أزمة”.
وساعدت حسام يفتح مشروعين.
الاتنين فشلوا.
وفي كل مرة كان يلوم الظروف… والشركاء… والسوق… أي حاجة إلا نفسه.
ومع ذلك… كنت مؤمن إن العيلة أهم من أي حاجة.
قال حسام:
ــ الورق جاهز؟
رد كريم بثقة:
ــ طبعًا. بعد الفرح، أدهم هيمضي على أوراق الصندوق العائلي. هو أصلًا عمره ما بيقرأ حاجة تخصنا.
حبست نفسي.
وبعدين بدأوا يتكلموا عن ياسمين.
قال كريم بصوت منخفض:
ــ البنت دي خطر.
ضحك حسام:
ــ دي هادية زيادة عن اللزوم.
ــ وده اللي مخوفني… الست الهادية بتلاحظ كل حاجة.
وسكت ثانية… قبل ما يكمل:
ــ زي ريم.
ريم.
طليقتي.
الست اللي قضيت معاها سنين من الخناق والشك والضغط لحد ما جوازنا انهار.
كنت فاكر إننا دمـ,ـرنا بعض بسبب اختلافنا.
لكن كريم ضحك وقال:
ــ ريم كانت سهلة. كنا بنغذي شكوكها شوية شوية… نوريها نص الحقيقة… ونسيبها تكمل الباقي بخيالها. كانت بتتخانق مع أدهم… وإحنا نكسب من الناحيتين.
بطني اتقلبت.
وبعدين حسام سأل السؤال اللي جمّد الدم في عروقي:
ــ والولاد؟
وطي كريم صوته:
ــ لو ياسمين بقت أذكى من اللازم… هنستخدم الولاد. أدهم عمره ما هيختار حد عليهم.
سكتوا لحظة.
ثم قال كريم بهدوء مرعب:
ــ غير إن لسه معانا السر.
اتشنج جسمي كله.
قال حسام بسرعة:
ــ ملف المستشفى؟
ــ أيوه.
غطيت بقي بإيدي.
الدنيا بدأت تلف.
قال كريم:
ــ السر اللي لو طلع… هيدمره.
حسام شتم تحت نفسه.
ــ هو لسه ميعرفش؟
ــ لا. أدهم أصلًا مش متأكد إن الولاد ولاده.
في اللحظة دي… حسيت إن الأرض فتحت تحت السرير وبلعتني.
عمر وآدم كانوا حياتي كلها.
كل ساعة شغل زيادة… كل سفرية… كل جنيه… كل تعب… كان علشانهم.
وإخواتي بيتكلموا عنهم كأنهم أسلحة.
وفجأة… وقع شيء من جيب كريم على الأرض.
ظرف أبيض صغير.
اتزحلق فوق السجادة… ووقف على بعد سنتيمترات من وشي.
كان مكتوب عليه اسم ياسمين.
عرفت الخط فورًا.
نادين.
أختي.
الست اللي وثقت فيها مع ولادي.
اللي دفعتلها… وحميتها… ودافعت عنها قدام أي حد قال إنها بتستغلني.
بصيت للظرف وأنا حرفيًا مش قادر أتنفس.
أصواتهم فوقي بقت بعيدة.
لأن معنى الظرف ده إن نادين مش مجرد متفرجة.
دي جزء من كل حاجة.
مدّيت إيدي ببطء ناحية الظرف… بحذر رهيب علشان ماعملش صوت.
وفي اللحظة دي… المراتب نزلت فوقي فجأة.
حد قعد على طرف السرير.
ثم قال كريم فجأة:
ــ استنى…
الغرفة سكتت تمامًا.
قال حسام:
ــ في إيه؟
صوت كريم نزل أكتر:
ــ إنت سمعت حاجة؟
إيدي تجمدت قبل الظرف بسنتيمترات.
كنت شايف جزمهم قدامي دلوقتي.
جزمة كريم السودة اللامعة.
وجزمة حسام البنية.
قريبين جدًا.
ثم انحنى أحدهم.
السرير صرّ.
ظل طويل اتحرك على الأرض.
حد كان بينزل يبص تحته.
لزقت جسمي أكتر في السجاد، وقلبي بيخبط ضلوعي بعنف، والظرف اللي عليه اسم ياسمين مرمي جنب وشي كأنه قنبلة.
وفي نفس الثانية…
موبايلي اهتز في جيبي.
مرة.
ثم مرة تانية.
كريم وقف فجأة.
همس حسام:
ــ في حد هنا.
قفلت عيني.
لأن الليلة اللي قبل فرحي… كنت بدور على هزار عائلي بسيط.
لكن بدل كده… اكتشفت خطة لسـ,ـرقة فلوسي… وتهديد مراتي المستقبلية… والتلاعب بولادي…
ودفـ,ـن سر في ملف مستشفى ممكن يغيّر حياتي كلها.
ودلوقتي…
كانوا على وشك يلاقوني تحت السرير.
صوت اهتزاز الموبايل كان عالي في ودني كأنه إنذار حريق.
مرة. ثم مرة تانية.
كريم اتجمد.
شفت ضل إيده وهو بينزل أكتر ناحيتي، والمرتبة غرقت فوق صدري لدرجة حسيت نفسي هتخنق.
همس حسام: ــ في حد تحت السرير؟
قلبي كان بيدق بعنف مرعب. لدرجة فعلًا افتكرت إنهم سامعينه.
وفي الثانية اللي كنت متأكد فيها إن كل حاجة انتهت…
رن تليفون الغرفة الأرضي فجأة.
الصوت قطع التوتر كالساطور.
كريم اتعدل بسرعة وهو بيشتم:
ــ مين الزفت بيرن دلوقتي؟
حسام رد بعصبية: ــ أكيد الفندق.
رن التليفون مرة تانية.
ثم تالتة.
كريم اتنهد بضيق ومشى ناحيته. وأنا تحت السرير حرفيًا كنت بحاول أتعلم إزاي أتنفس من غير صوت.
رفع السماعة: ــ أيوه؟
صمت. ثم ملامحه اتغيرت.
ــ دلوقتي؟!
بص لحسام: ــ أبو العروسة وصل تحت وعايز يشوفنا.
حسام شتم: ــ الراجل ده ما بينامش؟
ــ يلا.
اتحركوا بسرعة.
لكن قبل ما يخرجوا… كريم وقف فجأة.
لف ناحية السرير تاني.
ثم انحنى وخطف الظرف من على الأرض.
روحي تقريبًا خرجت مني.
بص للظرف، عقد حاجبيه، ثم حطه في جيبه.
ــ كنت هنساه.
وبعدين خرجوا.
الباب اتقفل.
وساعتها فقط… قدرت أتنفس.
فضلت تحت السرير دقيقة كاملة، مش قادر أتحرك. مش قادر أصدق.
إخواتي. الناس اللي شيلتهم فوق ضهري سنين. الناس اللي كنت مستعد أبيع عمري علشانهم.
بيتكلموا عني كأنني حيوان مربوط في مزرعة.
“ماكينة صرف.” “نستخدم الولاد.” “ملف المستشفى.”
الجملة الأخيرة كانت بتضـ,ـرب في دماغي كالمطرقة.
أولادي. عمر وآدم.
مش متأكد إنهم ولادي؟
طلعت من تحت السرير بالعافية، ركبي كانت بتترعش. الأوضة الفخمة حواليا بقت غريبة، كأنها مش بتاعتي.
المراية الكبيرة عكست شكلي.
بدلة الفندق البيضاء. شعري منكوش. ووش واحد اكتشف إن حياته كلها كانت متبنية على رمل.
طلعت موبايلي بسرعة.
الاهتزاز اللي تقريبًا كشفني كان من ياسمين.
رسالتين.
“وصلت البيت الحمد لله ”
“أوعى تنام متأخر يا عريس.”
قفلت عيني للحظة.
ياسمين.
الشيء الوحيد الحقيقي اللي حسيت بيه من سنين.
وفجأة… بقيت مرعوب عليها.
مش من ناس غريبة. من عيلتي.
مشيت بسرعة ناحية الباب، لكنني وقفت فجأة.
لا.
لو نزلت دلوقتي وواجهتهم، هينكروا. وهيخبوا كل حاجة. والسر هيفضل مدفـ,ـون.
أنا محتاج أعرف.
خصوصًا ملف المستشفى.

