Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

رجوع الاب بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

Advertisements

بقيت أم لتوأم وأنا عندي سبعتاشر سنة. في الوقت اللي صاحباتي كانوا مشغولين بفستان حفلة التخرج وتحضير امتحانات الثانوية، كنت أنا مشغولة بالحفاضات وبإني أخبي الترجيع الصبح عن المدرسين.   أبوهم، كريم — حبيبي في الثانوية ولاعب الكورة المشهور في المدرسة — كان دايمًا يقولي إنه بيحبني.   ولما عرف إني حامل، الخوف سيطر عليا، بس قلتله. رد عليا بسرعة: “هنعديها سوا يا حبيبتي. أنا بحبك. إحنا عيلة. وهفضل جنبك… على طول.”   تاني يوم اختفى.

لا رسالة. لا مكالمة. ولا أي تفسير.   ربّيت نوح وآدم لوحدي. كان الموضوع مر-هق بشكل مايتوصفش. قضيت سنين بحاول أوفق بين تربية الولاد وإني أخلص المدرسة، وبعدها الشغل وأي وردية زيادة ألاقيها عشان أدفع الإيجار والفواتير وأجيب لبن للأطفال.   بس عدينا.   السنة دي، لما الاتنين اتقبلوا في برنامج جامعي للمتفوقين وهما عندهم ستاشر سنة، حسيت إن كل تعب السنين راح في مكانه الصح.   لحد يوم التلات.   رجعت من الشغل ولقيتهم قاعدين على الكنبة، وشهم متغير ومتوترين.

  قلت بقلق: “في إيه؟”   صوت آدم كان بارد بشكل خوّفني: “ماما… إحنا مبقيناش نقدر نشوفك بنفس الطريقة.”   بطني اتقبضت.   “إنت بتقول إيه؟”   نوح ما بصليش.   وقال بهدوء: “إحنا قابلنا بابا النهارده. لقانا… وقالنا الحقيقة.”   الدم جمد في عروقي.   “حقيقة إيه؟! ده سابنا ومشى—”   آدم قاطعني بعصبية: “قال إنك إنتِ اللي بعدتيه عننا! وإنك طردتيه!”   فضلت باصة له ومش قادرة أتكلم.   نوح كمل بصوت واطي:

“طلع مدير البرنامج اللي إحنا فيه. عرف يوصلنا من اسم العيلة.”   حسيت الأوضة بتلف بيا.   آدم كمل: “قال لو ماروحناش مكتبه ووافقنا على شروطه، هيطردنا من البرنامج. وقال يقدر يخلي محدش يقبلنا في أي جامعة.”   حلقي نشف.   قلت بالعافية: “شروط إيه؟”   وصوت نوح كان مليان قرف وهو بيرد… “…قال إننا لازم نعيش معاه.” الكلمات نزلت عليا زي السكينة. بصيت لهم بعدم تصديق:
“إيه؟!” آدم شد فكه بعصبية وقال:
“مش بس كده… قال لازم نقطع علاقتنا بيكي بالكامل. ولو ر-فضنا، هيد-مر مستقبلنا.”

حاولت أتكلم، أشرح، أقول أي حاجة… لكن ولا كلمة طلعت. نوح أخيرًا بصلي، وعينيه كانوا مليانين شك:
“ماما… هو قال إنك زمان رفضتي حتى تخليه يشوفنا. وإنك كنتي بتقوليله إننا مش ولاده.” ضحكت ضحكة مكسو-رة من الصدمة. “ده كدب.” ساد الصمت. وبعدين قمت بهدوء، ورحت ناحية الدولاب القديم في أوضتي.
طلعت صندوق كرتون متخبي تحت هدومي. إيديا كانت بتترعش وأنا بفتحه. “تعالوا.” الاتنين قربوا ببطء. طلعت رزمة جوابات قديمة، وصور، وورق متبهدل من الزمن. أول جواب كان بخط كريم.

قرأه نوح بصوت عالي: “أنا آسف يا سارة… أبويا هد-دني. قال لو ما سبتكيش هيحرمني من الجامعة والعربية وكل حاجة. أنا ضعيف. سامحيني.” آدم خطف الجواب من إيده بسرعة. طلعت جواب تاني.
وبعدين تالت. كلهم منه. كلهم اعتراف إنه هرب بمزاجه. وآخر حاجة طلعتها كانت صورة. أنا وهو في المستشفى بعد الولادة. كان شايل نوح، وبيبصله ودموعه نازلة. وخلف الصورة مكتوب بخطه: “لأولادي… أوعدكم إني هرجعلكم.” الصمت قتل الأوضة. نوح قعد على الكنبة ببطء، وشه شاحب.

أما آدم فكان بيتنفس بسرعة، وكأنه هيكسر حاجة. “يعني… كان بيكدب؟” قالها بصوت مبحوح. بصيتلهم بعين مليانة وجع:
“أنا عمري ما منعتكم عنه. هو اللي اختار يمشي.” وفجأة، نوح بدأ يعيط. أول مرة أشوف ابني ينهار بالشكل ده. غطى وشه بإيده وقال:
“إحنا صدقناه…” أما آدم، فطلع موبايله فورًا. “رايحله.” قلت بسرعة:
“استنى—” لكنه بصلي بعين مليانة غضب:
“لا يا ماما. الراجل ده لعب بينا سنين. ودلوقتي بيهد-د مستقبلنا؟” وفي أقل من ساعة، كانوا واقفين قدام مكتب كريم في البرنامج.

السكرتيرة حاولت تمنعهم، لكن آدم زعق:
“قوليله ولاده جم.” ولما دخلوا، كريم قام من مكانه وهو مبتسم. لكن الابتسامة اختفت أول ما شاف الجوابات في إيد نوح. آدم رمى الورق على مكتبه وقال:
“إنت مش أب. إنت جبان.” كريم حاول يتكلم:
“اسمعوني بس—” نوح قاطعه والدموع في عينه:
“إحنا كان ممكن نكره أمنا بسببك.” ولأول مرة من سنين…
كريم ماعرفش يرد. فضل ساكت، باصص للجوابات كأن الماضي كله وقع قدامه مرة واحدة. آدم قرب منه وقال بحدة:
“إنت فاكر إنك تقدر تدخل حياتنا فجأة عشان بقيت معاك سلطة؟”

كريم بلع ريقه وقال بصوت مهزوز:
“أنا كنت صغير… غلطت.” نوح رد عليه فورًا:
“أمي كانت صغيرة برضه. بس هي ما هربتش.” الكلمة خبطته جامد. قعد على الكرسي ببطء، وحط إيده على وشه. “أنا كنت خايف…” قالها بصوت واطي. آدم ضحك بسخرية:
“وخوفك خلاك تسيب ست حامل لوحدها سبعتاشر سنة؟” السكوت رجع يملأ المكتب. وبعدين كريم قال:
“أنا حاولت أدور عليكم بعدين…” نوح رفع الجوابات قدامه:
“لا. إنت حاولت تدور علينا لما بقينا متفوقين.” وشه اتغير.

لأنه عرف إنهم فهموا الحقيقة. ماكانش جاي بدافع الأبوة…
كان جاي عشان يلمع صورته قدام الناس. مدير البرنامج الناجح، اللي اكتشف إن عنده ولاد عباقرة. آدم قرب أكتر وقال:
“إحنا مش محتاجين اسمك. الاسم اللي تعب عشانه حد تاني.” وفي اللحظة دي، الباب اتفتح. وكانت مديرة الإدارة التعليمية داخلة، ومعاها اتنين من أعضاء البرنامج. شكلهم كان متوتر. الست بصت لكريم وقالت بصرامة:
“وصلتنا شكوى بخصوص تهديد طلاب واستغلال منصب.” كريم وقف بسرعة:
“في سوء فهم—”

لكن آدم طلع موبايله. “معانا تسجيل.” الكل سكت. ضغط تشغيل. وصوت كريم طلع واضح: “لو ما وافقتوش تعيشوا معايا، أقدر أخلي مفيش جامعة تبص في ورقكم.” لون وشه اختفى تمامًا. المديرة مدت إيدها وقالت:
“الدكتور كريم… حضرتك موقوف عن العمل لحين التحقيق.” كريم بص لولاده بصدمة، وكأنه مستني منهم يدافعوا عنه. لكن نوح رجع خطوة لورا. وقال بهدوء موجع:
“إحنا جينا النهارده عشان نعرف إذا كان عندنا أب فعلًا.” آدم كمل:
“واضح إننا كنا غلطانين.”

وسابوه واقف لوحده في مكتبه. لأول مرة…
من غير نفوذ.
من غير كدب.
ومن غير حد يصدقه. ولما الولاد رجعوا البيت، كنت واقفة مستنياهم وأنا قلبي هيقف من التوتر. أول ما فتحت الباب، نوح حضني جامد. وقال وهو بيعيط:
“حقك علينا يا ماما.” أما آدم، فبصلي بعين حمرا وقال:
“إحنا عمرنا ما هنسيبك.” وفي اللحظة دي…
بعد سنين من التعب والخوف والوحدة…
حسيت إن ربنا أخيرًا رجعلي حقي. عدّت أسابيع بعد اللي حصل. التحقيق مع كريم انتشر بسرعة في البرنامج، وبعدها في الجامعة كلها.
الناس اللي كانت شايفاه الرجل المثالي بدأت تسمع الحقيقة من أكتر من جهة.

طلع إن دي مش أول مرة يستغل سلطته عشان يضغط على الطلبة. وفي النهاية، اتفصل رسميًا. أما نوح وآدم، فرغم كل اللي حصل، درجاتهم ما اتأثرتش.
بالعكس… بقوا أقوى. لكن الحاجة اللي كانت بتوجعني فعلًا، إني بقيت أصحى بالليل أسمعهم بيتكلموا سوا بصوت واطي. كانوا بيحاولوا يفهموا:
إزاي أب يقدر يعمل كده؟ وفي ليلة، وأنا بعدي جنب أوضتهم، سمعت آدم بيقول:
“تفتكر كان بيحبنا أصلًا؟” وقبل ما أتحرك، نوح رد:
“يمكن… بس مش أكتر من ما كان بيحب نفسه.”

الجملة كسرت قلبي. لأن مهما حصل، الولد بيفضل محتاج أب. بعدها بأيام، حصلت حاجة ماكنتش متوقعاها. لقيت ظرف تحت باب الشقة. من غير اسم. فتحته بإيدي المرتعشة. وكان جواه مفتاح… وعنوان. وفي ورقة صغيرة مكتوب: “دي الحاجة الوحيدة اللي سابهالي أبويا قبل ما يموت. ويمكن تكون حقكم.”
— كريم ماكنتش عايزة أروح.
لكن الولاد أصروا. العنوان كان لبيت قديم جدًا في المنصورة. بيت متواضع، باين عليه مقفول من سنين. دخلنا بحذر، والتراب مالي المكان. وفضلنا ندور لحد ما نوح لقى باب صغير تحت السلم.

مخزن. ولما فتحناه… اتصدمنا. كراتين. عشرات الكراتين. كل كرتونة عليها سنة مكتوبة بالقلم. 2009
2010
2011… آدم فتح أول واحدة. وكان جواها لعب أطفال. عربية صغيرة.
تيشيرت أطفال عليه اسم “نوح”.
دفاتر رسم. وفي كرتونة تانية… صور. صور للولاد. من بعيد. في المدرسة.
في النادي.
حتى صورة ليا وأنا ماشية معاهم في الشارع. اتجمدت مكاني. نوح قال بصدمة:
“هو… كان بيراقبنا؟” لكن آدم فتح ظرف صغير، وطلع منه جواب قديم. قرأ بصوت عالي: “كنت كل سنة أشتريلكم هدية في عيد ميلادكم. عارف إني ماستحقش أشوفكم… بس كنت بحاول أقنع نفسي إنكم بخير.”

سكت شوية، وكمل القراءة: “أنا جبان. وكل سنة كانت بتعدي كانت بترعبني أكتر من اللي قبلها. لحد ما بقيت راجل الناس بتحترمه… بس أنا عارف الحقيقة. أنا مجرد أب هرب.” السكوت كان تقيل. بعدين لقيت حاجة خلت نفسي يتقطع. صندوق صغير باسمي. فتحته… ولقيت خاتم. خاتم رخيص جدًا، فضة بسيطة. ومعاه ورقة: “كنت ناوي أرجع يوم ما أستحقك. بس الظاهر إن اليوم ده ماجاش.” دموعي نزلت من غير ما أحس. مش عشان بحبه. لكن عشان فهمت حاجة متأخرة.

كريم عاش عمره كله هربان.
من المسؤولية.
من الذنب.
ومن نفسه. وفجأة، حسيت بإيد نوح على كتفي. وقال بهدوء:
“إحنا مش محتاجين نفتكر الوحش اللي عمله.” آدم بص حواليه وقال:
“بس يمكن… نحاول نفتكر إنه ندم.” ولأول مرة من سنين طويلة… حسيت إن الجرح بدأ يقفل، حتى لو الندبة هتفضل موجودة طول العمر. حكايات المجهول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!