
اسمي ألكسندر بيومي. عندي ٣٢ سنة، وبملك شركة شحن وتأمين حدود مقرها في القاهرة. شغلي كان دايمًا بيخليني ألف بين القاهرة، الإسكندرية، السويس، وأسوان، على طرق التجارة اللي نص البلد عايشة عليها. من ست سنين اتجوزت ڤاليري… لا، اسمها الحقيقي بقى “ياسمين عبد الحميد”، البنت اللي حبيتها من أيام الجامعة. وقتها كنا بنحلم نبني بيت دافي في التجمع الخامس، البيت اللي العيال تجري فيه حافية، وريحت الفطار المحروق يوم الجمعة تملى المكان، والضحك يبقى أعلى من أي رنة تليفون شغل.
بس بعد تلات سنين علاج في أكبر مستشفيات القاهرة والإسكندرية، وبعد تحاليل وحقن وأدوية ومواعيد دكاترة كتير، وبعد ليالي كانت ياسمين بتستخبى فيها تعيط في الحمام… الدكاترة قالولنا الحقيقة. ياسمين عندها مشكلة صعبة جدًا في الحمل، وفرصة إنها تخلف كانت شبه مستحيلة. ياسمين حاولت تداري وجعها. كانت لسه تعملي القهوة الصبح، ولسه تبتسم في العزايم، ولسه تمسك إيدي لما حد يسأل:
“ها يا جماعة؟ هنفرح بيكم إمتى بقى؟”
بس أنا كنت شايف عينيها وهي بتطفي كل ما تشوف أم شايلة طفل في النادي. كنت شايف رعشة إيديها لما تفتح الدولاب بالغلط وتلمس علبة صغيرة فيها هدوم أطفال كنا اشتريناها أول سنة جواز. في ليلة حضنتها وقلت:
“إنتِ كفاية عليا.” بس الحقيقة؟
أنا كنت بكدب. نفسي أبقى أب كانت بتاكلني من جوا. كرهت نفسي بسبب الإحساس ده. كرهت السكون اللي بيستقبلني كل ما أرجع الفيلا الكبيرة ومسمعش صوت عيل بيضحك، ولا رجلين صغيرة بتجري، ولا ألعاب مرمية على الأرض.
وكنت بكره التجمعات العائلية أكتر حاجة، لما عماتي يضحكوا ويقولوا:
“هنشوف عيل للعيلة دي إمتى يا ألكسندر؟” كل مرة، ياسمين كانت توطي راسها وتبتسم بحزن. وأنا… كنت واقف زي الجبان. بعد ست سنين جواز، البعد بينا بقى حقيقي. بقيت أتحجج بالسفر للشغل عشان أرجع البيت أقل. القاهرة، الغردقة، شرم الشيخ… أي مكان بعيد عنها. ياسمين بطلت تسألني هرجع إمتى. ورمت نفسها في شغل الخير، تزور ملاجئ وستات محتاجة وأطفال أيتام حوالين القاهرة، تساعد ناس غريبة… بينما جوزها نفسه كان بيبعد عنها يوم بعد يوم.
في ليلة قبل ما أسافر إسكندرية، سبت ورق طلاق ممضي على مكتبي. كنت مقنع نفسي إني لما أرجع هكلمها بهدوء.
وإن ده أرحم حل لينا إحنا الاتنين. الذنب بيبقى أسهل لما تغلفه بكلام شكله رحمة. بس عمري ما تخيلت إن نفس اليوم ده، حياتي كلها هتتقلب بسبب مكالمة واحدة. كنت واقف في اجتماع كبير في إسكندرية، وسط رجال أعمال ومستثمرين، لما تليفوني الخاص فضل يرن ورا بعض. الرقم كان من مستشفى دار الشفا في القاهرة.
رديت باستغراب. صوت دكتور قال بسرعة:
“أستاذ ألكسندر، لازم تيجي فورًا. مدام ياسمين في أوضة الولادة.” جسمي كله اتجمد. قلت بصوت مبحوح:
“أكيد في غلطة… مراتي مستحيل تخلف.” سكت شوية، وبعدها الدكتور قال:
“مفيش أي غلطة يا فندم. مدام ياسمين حامل في توأم ثلاثي… وحالتها خطير-ة.” تلات أطفال. الكلمة ضربتني زي القنب-لة. الاجتماع اختفى. الأصوات اختفت. الصفقة اللي بالملايين اختفت. كل اللي سمعته كان صوت ياسمين من خمس سنين وهي بتقول وهي بترتعش:
“لو في يوم حبيت تسيبني عشان مش بعرف أخلف… مش هلومك.”
وقتها حضنتها ووعدتها إني مستحيل أعمل كده. وفي الآخر؟
أنا اللي سبتلها ورق الطلاق. جريت من الاجتماع، طلبت العربية فورًا، وطلعت على القاهرة بأقصى سرعة. طول الطريق، إيديا كانت بتترعش لدرجة إني معرفتش أمسك كوباية مية. إزاي ده حصل؟ إحنا أصلًا بقالنا شهور شبه غرب عن بعض. بالكاد بنتكلم. عايشين في نفس البيت، لكن كأننا شبحين بيعدوا جنب بعض. بس السؤال اللي كان مرعب أكتر من أي شك… هو:
هل ياسمين عدت بكل ده لوحدها؟
لوحدها في الحمل.
لوحدها في كل كشف.
لوحدها وهي شايلة التلات أطفال دول.
ولوحدها لما لقت ورق الطلاق. لما وصلت المستشفى، الممر كان منور زيادة عن اللزوم. أمي، وقرايبنا، وسكرتيري كانوا واقفين بقلق. بس أنا ما بصتلهمش. كل اللي سألته:
“ياسمين فين؟” دكتور قرب مني وقال بهدوء:
“حضرتك كنت عارف إنها حامل في تلات أطفال؟” هزيت راسي بالنفي وأنا مش قادر أتنفس. الدكتور تنهد وقال:
“الحمل كان خطر جدًا على حالتها. وفي وقت اقترحنا نقلل عدد الأجنة حفاظًا عليها… لكنها رفضت.”
بصيتله بصدمة. قلت:
“هي كانت عارفة من إمتى؟” رد عليا بنظرة صعبة:
“من بدري جدًا. وكانت دايمًا تيجي المتابعة لوحدها. كل مرة تقول إن حضرتك مشغول ومش حابة تضايقك.” “مش حابة تضايقك.” الجملة دي كسرتني أكتر من أي لوم. بينما أنا بهرب في الشغل والسفر… ياسمين كانت بتحارب لوحدها عشان تحافظ على المعجزة اللي إحنا حلمنا بيها سنين. وأنا؟
كنت سايبلها ورق طلاق. سندت ضهري على الحيطة وأنا حاسس ببرد غريب جوايا. وفجأة، ممرضة خرجت من أوضة العمليات وهي بتنادي:
“أهل مدام ياسمين!”
جريت ناحية الباب. الباب اتفتح… وفي اللحظة دي عرفت إن حياتي عمرها ما هترجع زي الأول. لأن وش الدكتور ماكنش وش واحد جاي يطمن حد. ومن جوه…
سمعت صوت طفل بيعيط. وبعدين صوت طفل تاني. وبعدين… سكون. السكون اللي حصل بعد صوت الطفل التاني كان مرعب. قلبي وقف حرفيًا. بصيت للدكتور وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني، وقلت:
“والتالت؟! فين الطفل التالت؟! وياسمين عاملة إيه؟!” الدكتور ما ردش بسرعة… ودي كانت أسوأ ثانية عدت عليا في حياتي.
بعدها قال:
“الطفلين الأول والتاني بخير… لكن الطفل التالت حصلتله مضاعفات وقت الولادة، والفريق بيحاول ينعشه دلوقتي. أما مدام ياسمين… حصلها نزيف حاد.” حسيت إن الدنيا بتلف. أمي جريت ناحيتي تمسكني، لكني زقيت إيدها ودخلت أوضة العمليات من غير ما أفكر. أول حاجة شفتها كانت ياسمين. وشها أبيض بشكل مخيف، شعرها لازق في جبينها من العرق، وأجهزة حوالين السرير بتطلع أصوات متقطعة. بس أول ما شافتني… ابتسمت. ابتسامة ضعيفة جدًا، كأنها طالعة من آخر نقطة قوة عندها.
قربت منها بسرعة ومسكت إيدها الباردة. قلت بصوت متكسر:
“ليه يا ياسمين؟… ليه عملتي كل ده لوحدك؟” عينيها دمعت فورًا. همست بصعوبة:
“لأنك كنت بتبعد يوم عن يوم… وكنت خايفة لو قولتلك… تفتكر إني بحاول أربطك بيا بالأطفال.” الكلام نزل على صدري كالسكاكين. أنا اللي خلتها تحس إنها لازم تخبي عني أكبر خبر في حياتنا. أنا اللي خلت مراتي تواجه الحمل والخوف والموت… لوحدها. فجأة سمعنا صوت جهاز بيطلع إنذار عالي. الدكاترة اتحركوا بسرعة حوالينها.
واحد منهم شدني:
“لازم تطلع بره حالًا!” صرخت:
“مش هسيبها!” لكن ياسمين شدت إيدي بضعف. وبصتلي بنظرة عمري ما هنساها. قالت:
“لو حصلي حاجة… خليك أب كويس ليهم يا ألكسندر.” الدموع نزلت مني غصب عني. هزيت راسي بعنف:
“اسكتي! مفيش حاجة هتحصل! إنتِ هتروحي معايا البيت… وهتربيهم بنفسك… فاهمة؟!” لكن الممرضين كانوا بيخرجوني غصب. آخر حاجة شفتها…
إيد ياسمين وهي بتبعد عني بالتدريج. وقفت برا أوضة العمليات، لأول مرة في حياتي حاسس إني ضعيف بالكامل.
لا فلوس.
لا شركات.
لا نفوذ. ولا أي حاجة تقدر تنقذ الإنسان اللي بيحبه. بعد حوالي عشر دقايق، باب غرفة الأطفال اتفتح. ممرضة خرجت وهي شايلة طفل صغير ملفوف في بطانية زرقا. وقالت:
“مبروك… ده ابنك.” بصيتله وأنا مش مستوعب. وش صغير جدًا… وأنفه نفس أنفي. وأول ما مسكت إيده الصغيرة بإصبعي… قبض عليها. في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت. أو يمكن…
اتصلحت لأول مرة. بعدها خرجت ممرضة تانية ببنت صغيرة، ملفوفة في بطانية وردي.
وقالت بابتسامة:
“ودي الأميرة الصغيرة.” خدتها بحذر، وكانت نايمة بهدوء كأنها مش عارفة الفوضى اللي جاية بيها للدنيا. لكن أنا كنت مستني الطفل التالت. مستني أي خبر. أي كلمة. وأخيرًا، الدكتور خرج. وشه كان مرهق جدًا. قربت منه بسرعة:
“ابني؟!” بصلي ثواني طويلة… وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة:
“اتأخر شوية… لكنه رجع يتنفس.” رجليا خانتني تقريبًا. سندت على الحيطة وأنا ببكي زي طفل صغير قدام الكل، من غير ما أهتم. تلات أطفال. المعجزة اللي فقدت الأمل فيها رجعتلي مرة واحدة.
لكن فرحتي ما كملتش… لأن الدكتور كمل بصوت هادي:
“لسه في مشكلة.” قلبي وقع تاني. قال:
“ياسمين فقدت دم كتير جدًا… والساعات الجاية حرجة.” الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودني: “الساعات الجاية حرجة.” كنت واقف شايل بنتي الصغيرة، وابني في حضن أمي، والطفل التالت جوه الحضّانة… لكن ولا واحد فيهم كان قادر يفرحني بالكامل. لأن ياسمين كانت بين الحياة والموت. الدكاترة دخلوا العناية المركزة بسرعة، وسابوني واقف قدام الباب الأزرق المقفول. لأول مرة من سنين… حسيت إني عاجز.
قعدت على الكرسي في الممر، ودفنت وشي بين إيديا. وفجأة، لقيت حد قاعد جنبي. كانت حماتي. الست اللي عمرها ما حبتني بالكامل، واللي كانت شايفة إني دايمًا بحط الشغل فوق بنتها. بصتلي وقالت بهدوء:
“عارف هي كانت بتقول إيه كل يوم؟” ما رديتش. قالت:
“كانت تقول إنك رغم كل حاجة… قلبك طيب. وكانت مستنياك ترجع.” الكلام خنقني. طلعت ورق الطلاق من الشنطة اللي معايا، وبصيت عليه للحظات. الورق اللي كنت فاكره نهاية علاقتنا… بقى دلوقتي أبشع حاجة عملتها في حياتي.
قطعته حتت صغيرة قدامها. حماتي بصتلي وسكتت، لكن لأول مرة شفت في عينها نظرة مختلفة… كأنها شافت ندمي الحقيقي. الساعات عدت ببطء قاتل. كل شوية ممرضة تدخل وتخرج.
كل شوية جهاز يرن.
كل شوية قلبي يقع. لحد الفجر تقريبًا… الدكتور خرج أخيرًا. قمت جري قبل ما يتكلم حتى. قال:
“النزيف وقف… بس هي لسه ضعيفة جدًا.” نفخت نفس طويل كأني كنت غرقان وطلعت للسطح. سألته بسرعة:
“أقدر أشوفها؟” هز راسه بالإيجاب. دخلت العناية المركزة بهدوء.
ياسمين كانت نايمة، وشها شاحب جدًا، لكن الأجهزة حوالينها بقت أهدى. قربت منها وقعدت جنب السرير. ومسكت إيدها. المرة دي كانت دافية شوية. بصيتلها وقلت بصوت مكسور:
“أنا آسف… آسف على كل لحظة حسستك فيها إنك لوحدك.” دمعة نزلت من تحت جفنها المقفول. عرفت إنها سامعاني. كملت:
“أنا كنت جبان… هربت في الشغل عشان مش قادر أواجه وجعي… ونسيت وجعك إنتِ.” سكت شوية، وبعدها طلعت نفس مرتعش:
“بس أقسم بالله… لو ربنا اداكي فرصة ترجعيلي… عمري ما هخذلك تاني.”
وفجأة… صوابعها اتحركت وسط إيدي. رفعت راسي بسرعة. لقيتها بتفتح عينيها بالعافية. بصتلي ثواني طويلة…
وبعدين همست:
“الأطفال… كويسين؟” ضحكت وسط دموعي لأول مرة من شهور. قلت:
“التلاتة زي القمر… ومستنيين أمهم.” ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا. وبعدين قالت جملة هزتني من جوا:
“كنت عارفة إنك هترجع.” في اللحظة دي فهمت حاجة مهمة… إن الحب الحقيقي مش بس إنك تفضل موجود وقت السعادة. الحب الحقيقي…
إنك ترجع حتى بعد ما تضيع الطريق. بعد أسبوعين، رجعنا البيت.
البيت اللي كان زمان ساكت وبارد… بقى مليان صريخ أطفال، وزجاجات لبن، وهدوم صغيرة مرمية في كل مكان. وبشكل غريب… كان أجمل فوضى شفتها في حياتي. بقيت أصحى بالليل على عياط طفل، وأنام وأنا شايل التاني، وأضحك على التالت وهو بيشد دقني الصغيرة بإيده. وياسمين؟ رجعلها النور اللي كان اختفى من عينيها سنين. وفي يوم، وأنا واقف في أوضة الأطفال، لقيتها واقفة على الباب تراقبني وأنا بلعب معاهم. قالت بابتسامة:
“إيه رأيك؟… لسه شايف إن البيت كان ناقصه حاجة؟”
بصيت حواليّا… على أولادي.
وعليها.
وعلى الحياة اللي كنت هضيعها بإيدي. وقلت:
“لا… أنا اللي كنت ناقص.” الحياة بعد الأطفال ماكنتش سهلة. كانت فوضى بكل معنى الكلمة. فيلا كاملة كانت زمان هادية زيادة عن اللزوم، بقت دلوقتي ساحة حرب صغيرة. عياط، حفاظات، رضاعة، مواعيد نوم متلخبطة… وأنا؟ راجل كان فاكر نفسه بيعرف يدير شركات بملايين، ومش عارف يسكّت طفل عنده شهرين. أول أسبوع، كنت مرهق لدرجة إني نمت مرة وأنا قاعد على الكنبة وماسك الببرونة في إيدي.
ياسمين ضحكت عليا وقتها لأول مرة من قلبها من سنين. وقالت:
“واضح إن الباشا اتبهدل.” بصيتلها وقلت:
“الشركات أسهل والله.” لكن رغم التعب…
كنت سعيد. سعادة غريبة، دافية، فيها روح. كل حاجة كنت فاكر إنها مهمة فقدت قيمتها فجأة. الاجتماعات؟
العقود؟
السفر؟ كل ده بقى يختفي أول ما بنتي تمسك صباعي، أو ابني ينام على صدري. وفي ليلة متأخرة، بعد ما الأطفال ناموا أخيرًا، لقيت ياسمين واقفة في المطبخ بتعمل شاي. قربت منها من ضهرها وحضنتها.
سكتت شوية… وبعدها قالت بهدوء:
“أنا كنت خايفة منك.” الجملة وجعتني. لفّيتها ناحيتي وقلت:
“عارف.” هزت راسها وقالت:
“مش عشان الطلاق وبس… كنت خايفة تبص للأطفال وتحس إنهم جم متأخر.” اتجمدت مكاني. دي كانت أول مرة تقول اللي جواها بصراحة كاملة. بصيت في عينيها وقلت:
“ياسمين… الأطفال دول مش جم متأخر. دول جم في اللحظة اللي أنقذوا فيها حياتي.” دموعها نزلت فورًا. حضنتني بقوة، كأنها أخيرًا صدقت إن الكابوس خلص. لكن الحقيقة؟ لسه ماكنش خلص.
بعد شهر تقريبًا، كنت في المكتب لأول مرة من وقت الولادة، لما سكرتيري دخل عليا بتوتر. وقال:
“في واحدة برا مُصرة تقابل حضرتك… وبتقول الموضوع يخص مدام ياسمين.” استغربت.
