
وإعادة مبالغ ضخمة. وخسر معظم ما جمعه خلال سنوات. أما بعض القضايا الجنائية فقد انتهت بتسويات قانونية وغرامات قاسية بعد تعاون عدد من الأطراف وكشف الوثائق كاملة. وانتهى الرجل الذي كان يتفاخر بأنه لا يُهزم… إلى شخص يحاول فقط أن يبدأ من جديد. أما بسمة… فبعد أن أدلت بشهادتها وغادرت المشهد كله… اختفت من حياة الجميع. لم تعد تظهر في الصور. ولا الحفلات. ولا الأخبار. فقد اكتشفت هي الأخرى أن بناء الحياة فوق خيانة الآخرين لا يؤدي إلا إلى الخراب.
ومع مرور الوقت… بدأت مجموعة الشاذلي تتعافى. أعادت سلمى هيكلة الشركات. وأعادت الموظفين الأكفاء الذين طُردوا ظلمًا. وأغلقت أبواب الفساد. وفتحت أبوابًا جديدة للاستثمار. وبعد عامين فقط… حققت المجموعة أفضل نتائج في تاريخها. حتى أن بعض المجلات الاقتصادية بدأت تضع صورتها على أغلفتها. لكن أكثر ما كان يسعدها… لم يكن النجاح. ولا المال. ولا النفوذ. بل السلام. ذلك السلام الذي يعود للإنسان عندما يتوقف عن الركض خلف من لا يقدّره. وفي مساء ربيعي هادئ… وقفت سلمى أمام قبر والدها.
وضعت باقة من الزهور البيضاء. وجلست للحظات. ثم ابتسمت. وقالت بهدوء: “كنت عندك حق يا بابا.” “الحب عمره ما كان المفروض يخليني أخسر نفسي.” مر نسيم خفيف بين الأشجار. فأغمضت عينيها. وكأنها تسمع صوته من جديد. وكأن الرجل الذي علّمها القوة ما زال يربت على كتفها. وعندما غادرت المقبرة… لم تنظر خلفها. لأن الماضي انتهى. في الجهة الأخرى من المدينة… كان كريم يجلس وحده داخل مقهى صغير. يشاهد مقابلة تلفزيونية جديدة مع سلمى. كانت تتحدث عن النجاح.
والإدارة. والثقة بالنفس. ثم سألها المذيع: “لو رجع الزمن… هل كنتِ ستتخذين القرارات نفسها؟” ابتسمت سلمى أمام الكاميرا. وأجابت: “نعم.” “لأن أصعب الخيانات أحيانًا تكون أعظم النعم المتخفية.” ساد الصمت داخل الاستوديو. أما كريم… فأغلق الشاشة ببطء. ونظر إلى انعكاس صورته على زجاج النافذة. ثم ابتسم ابتسامة حزينة. لأنه فهم أخيرًا شيئًا متأخرًا جدًا. لقد خسر الشركة. وخسر المال. وخسر النفوذ. لكن كل ذلك لم يكن أكبر خسائره. أكبر خسائره كانت المرأة التي أحبته بصدق…
بينما كان هو منشغلًا باعتبار حبها أمرًا مضمونًا. أما سلمى… فواصلت السير نحو سيارتها تحت ضوء الغروب. ورأسها مرفوع. وقلبها خفيف. لأنها لم تنتصر على كريم. بل انتصرت على خوفها. وعندما ينتصر الإنسان على خوفه… لا يعود أحد قادرًا على هزيمته. تمت.
