Advertisements
Advertisements
منوعات

بالمدرسه الثانويه حكايات اسما

Advertisements

تنـاولت الغـداء فـي حمـام المدرسـة ثـلاث سـنوات بسـبب تنـمر زميلتي على وزني… وبعـد عشـرين عـامًا اتصـل بـي زوجـها ليكشـف أكبـر سـر أخـفته
عندما كان عمري أربعة عشر عامًا، توفي والدي في حادث سيارة على طريق السويس.
ذلك اليوم حطم عالمي بالكامل.
الحزن لا يؤثر فقط على القلب… بل على الجسد أيضًا.
بعد وفاته بدأت أكتسب وزنًا بشكل ملحوظ، رغم أنني لم أغير عاداتي الغذائية أبدًا.
الأطباء قالوا إن السبب هو الضغط النفسي الشديد.
لكن في المدرسة… لم يهتم أحد بالتفسير…
خصوصًا زميلتي في الصف، داليا.

داليا كانت أشهر فتاة في مدرستنا الثانوية في القاهرة.
شعرها الأشقر المصبوغ دائمًا مصفف، ملابسها باهظة، وثقتها بنفسها كانت تجعل الجميع يدور في فلكها.
كانت تعرف كيف تكتشف نقطة ضعف أي شخص.
وفي حالتي… كانت تلك النقطة واضحة.
في أول مرة نادتني فيها أمام الجميع: بصوا… الحوت دخل الكافتيريا!
ضحك الطلاب كلهم…أتذكر ذلك الصوت حتى اليوم.
صوت الضحك…
الذي جعلك تشعر وكأن الأرض اختفت تحت قدميك.
لكن ذلك كان البداية فقط…
بعدها أصبحت حياتي اليومية جحيمًا.
كانت تسخر مني في الممرات…تترك أوراقًا في خزانتي مكتوب فيها:ولا حد ممكن يحبك..

مين ممكن يتجوز واحدة زيك؟
مرة… سكبت طبق كشري كامل في حجري أمام الجميع.
ضحكوا.
وأنا… لم أستطع حتى البكاء.
بعد فترة… توقفت عن الذهاب إلى كافتيريا المدرسة.
لمدة ثلاث سنوات كاملة أصبحت استراحة الغداء مهمة للاختباء…. كل يوم…
كنت أدخل أبعد حمام في المدرسة.
أغلق الباب على نفسي.
أجلس فوق المرحاض… وأرفع قدمي حتى لا يظهر حذائي الرياضي تحت الباب..
كنت أخاف أن تمر داليا وصديقاتها… ويكتشفن مكاني.
هكذا كنت أتناول الغداء…
ساندويتش صغير في كيس بلاستيكي…
في حمام المدرسة… ثلاث سنوات.
لكن… رغم كل شيء، نجوت.

تخرجت من الثانوية…. دخلت جامعة القاهرة.
درست الإحصاء وعلوم البيانات… حصلت على الماجستير.
وبنيت مسيرة مهنية ناجحة في مجال تحليل البيانات.
ومع السنوات… فقدت الوزن أيضًا.
لكن الجروح النفسية… احتاجت علاجًا طويلًا.
العلاج النفسي… جلسات طويلة…
حتى أتعلم كيف أعيش دون صوت داليا في رأسي.
أما هي…
فآخر ما سمعته عنها، أنها تزوجت رجل أعمال ثري اسمه طارق.
وكانت تعيش حياة مثالية في أحد الكمبوندات الفاخرة في القاهرة الجديدة، كزوجة أب لابنته الصغيرة.
لم أفكر فيها منذ سنوات… إلى أن حدث شيء غريب.
يوم الثلاثاء الماضي… رن هاتفي..

رقم غير معروف.
عادةً لا أرد على هذه الأرقام… لكن لسبب ما شعرت أن عليّ أن أجيب… رفعت الهاتف.
صوت رجل تحدث.
كان صوته مرتجفًا… وكأنه بكى كثيرًا.
قال:…. صلي على محمد وآل محمد وتابع ✍️✍️✍️

صلى الله على محمد وآل محمد
قال الرجل بصوت متقطع وكأنه يجمع شجاعة ثقيلة بين كلماته
أنا… طارق… زوج داليا
تجمدت يدي حول الهاتف
اسمها وحده كان كفيلًا بأن يعيدني فجأة إلى ممرات المدرسة القديمة
إلى رائحة الكافتيريا
إلى صوت الضحك الذي كان يطاردني حتى في نومي
لم أتكلم
كنت فقط أستمع
تابع بصوت خافت
أنا أعرف إن اتصالي غريب… ويمكن آخر شخص في الدنيا تحبي تسمعي صوته هو شخص له علاقة بداليا… لكن أنا محتاج أكلمك…

ضروري
ظللت صامتة للحظة
جزء مني أراد أن يغلق الهاتف فورًا
لكن فضولي… أو ربما شيء أعمق… جعلني أقول بهدوء
تفضل
تنهد طويلًا ثم قال
داليا… ماتت
لم أشعر بأي شيء في البداية
لا حزن… ولا شماتة… فقط فراغ غريب
سألته بهدوء
البقاء لله… لكن ليه بتكلمني أنا؟
سكت لثوانٍ ثم قال
قبل ما تموت… طلبت مني أتصل بيكي
قبض قلبي فجأة
قال
كانت مريضة بالسرطان… اكتشفناه متأخر جدًا… في الشهور الأخيرة بقت تقضي وقتها في كتابة رسائل… وكانت بتتكلم كتير عن الماضي…

سألته
وإيه علاقتي أنا؟
تنهد وقال
قالت إن في حاجة لازم تعرفيها… حاجة كانت مخبياها طول السنين دي
لم أحب نبرة صوته
كانت ثقيلة… كأنها تحمل شيئًا أكبر من مجرد اعتذار
قلت ببرود
لو الموضوع مجرد اعتذار متأخر… فأعتقد خلاص ملوش لازمة
قال بسرعة
لا… الموضوع أكبر من كده
سكت لحظة ثم قال
هي طلبت مني أديكي ظرف… فيه رسالة… وبعض الحاجات… وقالت إنك لازم تعرفي الحقيقة
سألته
حقيقة إيه؟
قال
الحقيقة اللي غيرت حياتها… وحياتك…

من غير ما تعرفي
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري
قلت
أنا مش فاهمة حاجة
قال
ولا أنا… لحد ما قريت الرسالة
ثم سكت… وكأنه يتردد
قلت
طيب قول
قال بصوت منخفض
الحادث اللي مات فيه والدك…
شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة
قال ببطء
ماكانش حادث عادي
تجمدت تمامًا
سألته بصوت بالكاد خرج
تقصد إيه؟
قال
أنا مش عايز أشرح في التليفون… الرسالة معاها كل التفاصيل…

بس لازم تعرفي إن داليا عاشت عمرها كله وهي شايلة الذنب ده
لم أفهم
قلت
ذنب إيه؟
قال
لأن…
سكت… ثم قال الجملة التي قلبت العالم من حولي
داليا كانت السبب في الحادث
شعرت كأن الأرض تميد تحت قدمي
قلت بحدة
إنت بتهزر؟
قال بسرعة
لا والله… أنا نفسي اتصدمت لما عرفت
بدأ صوت دقات قلبي يعلو في أذني
قال
الحادث حصل على طريق السويس… صح؟
قلت
أيوه
قال
في نفس الليلة… داليا كانت هاربة بعربية أبوها… من غير ما حد يعرف…

كانت بتسوق بسرعة… واتخانقت مع أبوها قبلها بساعات
توقف لحظة
ثم قال
العربية اللي خبطت عربية والدك… وهربت… كانت عربيتهم
لم أستطع الكلام
قال
داليا عمرها ما قالت لحد… حتى أهلها… بس هي كانت عارفة
سألته بصوت مرتجف
طب ليه محدش عرف؟
قال
لأن العربية اتصلحت في ورشة خاصة… وأبوها وقتها كان رجل أعمال كبير… الموضوع اتدفن بسرعة
شعرت بالغثيان
قال
بس داليا… ما نسيتش
سكت قليلًا ثم تابع
قالت إن كل مرة كانت بتشوفك في المدرسة…

كانت بتشوف نتيجة اللي عملته
قلت بمرارة
فقررت تدمر حياتي كمان؟
قال
هي قالت في الرسالة إنها كانت بتكره نفسها… وكانت بتهاجمك لأنك كنتِ المرآة اللي بتفكرها بالذنب كل يوم
لم أعرف هل أضحك أم أبكي
قال
هي كانت طفلة وقتها… متهورة… وخافت تعترف… ومع السنين الخوف بقى عادة
صمتنا طويلًا
ثم قال
قبل ما تموت بأسبوع… قالتلي إنك الشخص الوحيد اللي ما قدرتش تنساه…
تنهد ثم أكمل
قالت إنك أقوى إنسانة شافتها…

وإنك رغم اللي حصل قدرتي تبني حياة ناجحة
أغمضت عيني
صوت ضحكات الكافتيريا عاد في ذاكرتي
قال
طلبت مني أسلمك الرسالة… وفيها اعتراف كامل… وفلوس
سألته بحدة
فلوس؟
قال
تركتلك جزء كبير من ميراثها
ضحكت بمرارة
قلت
مش محتاجة فلوسها
قال بهدوء
عارف… قالت إنك ممكن تقولي كده
سكت لحظة ثم قال
بس هي قالت جملة واحدة قبل ما تموت
سألته
إيه هي؟
قال
لو سامحتني…

يمكن أبوها يسامحني كمان
شعرت بشيء ينكسر داخلي
مر وقت طويل قبل أن أتكلم
قلت
فين الرسالة؟
قال
ممكن أقابلك وأسلمهالك
فكرت قليلًا
ثم قلت
تمام
حددنا موعدًا في مقهى هادئ في وسط القاهرة
عندما وصلت… كان طارق يجلس وحده
رجل في أواخر الأربعينات… وجهه متعب
وضع ظرفًا بني اللون على الطاولة
قال
دي الرسالة
فتحته ببطء
داخل الظرف كانت ورقة مكتوبة بخط يد
خط داليا
بدأت أقرأ
“إلى الفتاة التي جرحتها أكثر من أي شخص…

أنا أعرف أن اعتذاري لن يغير شيئًا…
لكن الحقيقة يجب أن تُقال قبل أن أموت…”
كانت الرسالة طويلة
كتبت فيها تفاصيل تلك الليلة
كيف سرقت مفاتيح سيارة والدها
كيف كانت تبكي وهي تقود بسرعة
كيف فقدت السيطرة…
وكيف رأت السيارة الأخرى تنحرف…
سيارة أبي
كتبت أنها توقفت للحظة
ثم خافت… وهربت
وفي اليوم التالي سمعت الخبر في المدرسة
أن الرجل الذي مات في الحادث… هو والد الفتاة الجديدة
أنا
كتبت أنها أرادت الاعتراف آلاف المرات
لكن الخوف… والضغط من والدها… والصورة التي صنعتها لنفسها في المدرسة…

كلها جعلتها تصمت
ثم كتبت الجملة التي جعلت دموعي تسقط أخيرًا
“كل مرة كنت أسخر منك… كنت في الحقيقة أكره نفسي…
لأنك كنت الدليل الحي على الشيء الذي قتل والدك… وأنا.”
أغلقت الرسالة
شعرت بثقل سنوات طويلة تتحرك في داخلي
طارق قال بهدوء
أنا عارف إن مفيش كلمة ممكن تصلح ده
نظرت إلى الرسالة مرة أخرى
ثم قلت
داليا دفعت ثمن غلطتها طول حياتها
قال
كانت بتقول كده دايمًا
تنهدت ببطء
ثم قلت
أنا سامحتها
نظر إلي بدهشة
قلت
مش علشانها…

علشان نفسي
لأن حمل الكراهية عشرين سنة… كان كفاية
في تلك اللحظة شعرت بشيء غريب
كأن صوت الضحك القديم… اختفى أخيرًا
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
خرجت من المقهى…
وشعرت أنني تحررت.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!