
حسام أول ما سمع الكلمة، وشه اصفر.
لف بسرعة وبص ناحية الشارع.
العربية السودة كانت واقفة آخر الحارة.
والراجلين لسه واقفين جنبها.
همس:
ـ اقفل الباب… بسرعة.
قفلت الباب فورًا.
ندى كانت بتبكي ومش مستوعبة اللي بيحصل.
بعد عشر سنين من الغياب، أخوها واقف قدامها.
لكن بدل الأحضان والفرحة، كان في خوف مرعب مالي المكان.
قلت له:
ـ مين دول؟
بص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش سامعه.
ثم قال:
ـ لو كنتوا عاوزين تعيشوا… لازم تسمعوا كلامي للآخر.
قعدناه جوه الصالة.
كان مرهق بشكل مخيف.
هدومه متربة.
وإيده فيها جروح قديمة وجديدة.
كأنه عايش في حرب بقاله سنين.
بدأ يحكي.
من عشر سنين فعلًا كان مديون.
لكن المشكلة ما كانتش الفلوس.
المشكلة إنه اشتغل محاسب عند رجل أعمال كبير.
واكتشف بالصدفة شبكة ضخمة لغسيل الأموال والفساد.
ولما عرف معلومات ما كانش المفروض يعرفها…
بقوا عايزين يخلصوا منه.
بلغ جهة رقابية وقتها.
لكن قبل ما القضية تخرج للنور، اتسرب اسمه.
وبقى مطارد.
اضطر يختفي.
ويبدأ حياة جديدة بهوية مختلفة.
قلت:
ـ وبعد كل السنين دي رجعت ليه؟
نزل دموعه لأول مرة.
وقال:
ـ عشان بموت.
سكتنا كلنا.
حتى ندى بطلت عياط من الصدمة.
قال:
ـ عندي مرض في القلب.
والأطباء قالوا إن وقتي محدود.
كنت عاوز أشوف أمي وأختي قبل ما أموت.
لكن في حاجة أهم.
مد إيده داخل الجاكيت.
وطلع فلاشة صغيرة.
وحطها على الترابيزة.
ـ دي كل الأدلة.
كل المستندات.
كل الحسابات.
كل الأسماء.
لو حصلي حاجة… لازم توصل للجهات المختصة.
بصيت للفلاشة.
وحسيت إن وزنها أثقل من جبل.
ندى قالت بخوف:
ـ سلّمها بنفسك.
ابتسم بحزن.
ـ حاولت.
عشر سنين وأنا بحاول.
وفي كل مرة كانوا بيسبقوني.
في اللحظة دي…
سمعنا صوت فرامل عربية بعنف برا البيت.
كلنا اتجمدنا.
حسام قام واقف فورًا.
وشه فقد آخر نقطة لون.
بص من الشباك.
ثم همس:
ـ وصلوا.
والثانية اللي بعدها…
اتسمع صوت خبط قوي على الباب الخارجي.
خبطة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
كأنهم هيكسروا الباب.
العيال صحوا من النوم مرعوبين.
ندى جريت عليهم.
وأنا وقفت قدام الباب.
قلبي كان بيدق بعنف.
وصوت من الخارج صرخ:
ـ افتحوا الباب!
حسام مسكني من كتفي.
وقال:
ـ متفتحش.
لكن الخبط زاد.
وفجأة…
اتسمع صوت سيارات تانية داخلة الحارة.
وأضواء زرقا وحمراء انعكست على الحيطان.
ثوانٍ بعدها…
صوت جديد دوّى في الخارج:
ـ شرطة! محدش يتحرك!
بصينا لبعض بعدم تصديق.
حسام جري للشباك.
وبص للخارج.
ثم جلس على الأرض فجأة.
كأنه فقد كل قوته.
سألته:
ـ في إيه؟
بصلي والدموع في عينيه.
وقال:
ـ أخيرًا.
أخيرًا حد صدقني.
في الخارج كانت قوات الشرطة بتقبض على الراجلين اللي كانوا بيراقبوا البيت.
وفي الأيام التالية اتفتحت تحقيقات كبيرة.
واتضح إن جزءًا كبيرًا من كلام حسام كان صحيحًا.
أما هو…
فقضى الشهور التالية وسط أسرته.
رجع يشوف أمه.
ورجع يضحك مع أخته.
وقضى وقتًا مع أولاد ندى كأنهم أولاده.
أما أنا…
فكنت براقب ندى كل يوم.
وبدأت رحلة علاجها من جديد بإصرار أكبر.
وفي يوم من الأيام، بعد شهور طويلة من العلاج…
دخل الطبيب بابتسامة مختلفة.
وقال الجملة اللي كنا مستنيينها من زمان:
ـ النتائج ممتازة.
العلاج ماشي بشكل رائع.
ندى انفجرت في البكاء.
وأنا حضنتها.
لأول مرة من شهور حسينا إن المستقبل لسه موجود.
أما حسام…
فكان واقف عند باب الغرفة.
بيبتسم.
ورغم مرضه، كان شكله مرتاح.
كأنه أخيرًا شال الحمل اللي كان شايله عشر سنين.
وبعد ما خرج الطبيب، بصتلي ندى فجأة.
وابتسمت ابتسامة خفيفة.
ثم فتحت درج الكومودينو.
وطلعت نفس الروج القديم.
وقالت وهي تضحك:
ـ ها… دلوقتي بعد كل اللي حصل… هتجربه؟
بصيتلها.
وبعدين بصيت للروج.
وبعدين انفجرنا إحنا الاتنين في الضحك.
ضحك طويل…
ضحك على الخوف.
وعلى الوجع.
وعلى الأسرار.
وعلى الليالي اللي عدت.
لأننا أخيرًا فهمنا إن الحياة أقصر بكتير من إننا نضيعها في خلافات صغيرة.
بعد ما ضحكنا أنا وندى، حسيت لأول مرة من شهور إن البيت رجع بيت.
العيال رجعوا يجروا في الصالة.
أمي بقت تيجي تزورنا كل أسبوع.
وحسام بقى يقضي أغلب وقته معانا.
لكن الغريب إن الراجل رغم كل اللي مر بيه، عمره ما كان بيتكلم عن السنوات العشر اللي اختفى فيهم بالتفصيل.
كل ما حد يسأله يقول:
ـ ربنا ستر وخلاص.
ويغير الموضوع.
في البداية ما اهتمتش.
لكن بعد شهر تقريبًا بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
كان بيصحى الفجر كل يوم.
ويقف في البلكونة يبص للشارع.
كأنه مستني حد.
أو خايف من حد.
وفي مرة صحيت بالليل أشرب مية.
فلقيته قاعد لوحده في الصالة.
والفلاشة القديمة قدامه.
بيبصلها.
بس ما بيفتحهاش.
سألته:
ـ مالك؟
اتنفض كأنه اتفاجئ.
وقال بسرعة:
ـ مفيش.
لكن كان واضح إن فيه.
وبعدها بأسبوع حصلت المفاجأة.
كنت راجع من الشغل.
ولقيت عربية فخمة واقفة تحت البيت.
ومنها نزلت ست كبيرة في السن.
شكلها راقي جدًا.
ولابسة أسود بالكامل.
طلعت الشقة مباشرة.
ولما دخلت وشافت حسام…
انهارت من العياط.
أما حسام فوقف مكانه وكأنه شاف شبح.
همس:
ـ مستحيل…
ندى سألت:
ـ مين دي؟
الست بصت عليها.
ثم قالت:
ـ أنا مراته.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
أنا وندى بصينا لبعض.
مراته؟
حسام اتجوز؟
إمتى؟
إزاي؟
وليه عمره ما قال؟
الست قعدت وهي بتمسح دموعها.
وقالت:
ـ بقالنا تسع سنين متجوزين.
ندى شهقت.
أما حسام فقعد على الكرسي وهو حاطط وشه بين إيديه.
وبدأ يحكي سر جديد.
بعد هروبه بسنوات، عاش باسم مختلف.
وفي مدينة مختلفة.
وهناك اتعرف على الست دي.
اسمها سارة.
واتجوزها.
لكن عمره ما قدر يقولها حقيقته كاملة.
وعمره ما قدر يعرفها على أهله.
لأنه كان خايف.
خايف إن أي حد يقرب منه يتأذى.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
سارة مسكت إيده.
وقالت:
ـ قولهم الحقيقة كلها.
رفع رأسه ببطء.
وقال:
ـ مش أنا بس اللي عندي عيلة.
ثم بص ناحية الباب.
وفي نفس اللحظة دخل ولد صغير.
عمره حوالي ثمان سنين.
نسخة مصغرة من حسام.
نفس العيون.
ونفس الملامح.
ونفس الابتسامة.
ندى حطت إيدها على بوقها من الصدمة.
أما الولد فجرى مباشرة ناحية حسام.
وقال:
ـ بابا.
وفي اللحظة دي…
عرفنا إن حسام ما رجعش لوحده.
رجع ومعاه ابن عمره ثمان سنين…
ابن ما حدش في العيلة كلها كان يعرف إنه موجود.
أول ما الولد قال: ـ بابا. ندى انفجر-ت في البكاء.

