
حكـايات أسمـا السيـد
كنت فاكرة إن الحكاية خلصت عند اللحظة دي… عند دموع الفرح… وعند الباروكة اللي غيرت حياة بنت صغيرة… لكن الحقيقة إن اللي حصل بعد كده… هو اللي علّمني يعني إيه فعل صغير ممكن يغير مصير ناس كتير
عدّى أسبوعين على يوم المدرسة… وكل حاجة بدأت تاخد شكل جديد في حياتنا… البيت اللي كان ساكت وحزين بعد وفــ,,ـــــاه كريم… بقى فيه صوت ضحك تاني… صوت خطوات سريعة… وصوت بنتين بيتخانقوا ويرجعوا يضحكوا بعدها بثواني
ليلى ومريم
الاتنين بقوا شبه بعض بطريقة غريبة… مش في الشكل… لكن في الروح
في يوم من الأيام…
كنت واقفة في المطبخ بعمل الأكل… وسمعتهم في الأوضة بيتكلموا بصوت واطي… فضولي خلاني أقرب… مش علشان أتجسس… لكن علشان أطمن
ليلى كانت بتقول: “إنتي مش لازم تلبسي الباروكة لو مش حابة… أنا عملتها علشانك مش علشان الناس”
مريم ردت بهدوء: “أنا مش بلبسها علشان الناس… أنا بلبسها علشان نفسي… علشان أبص في المراية وأشوف حد قوي”
الكلمة دي… “قوي”… وقفتني
بنت عندها 12 سنة… بتتكلم عن القوة بالشكل ده
رجعت لورا بهدوء… وابتسمت
لكن في نفس الليلة… حصل حاجة ماكنتش متوقعة
الموبايل رن
رقم غريب
رديت
صوت ست قال بحدة:
“أنتي والدة ليلى؟”
قلبي انقبــ,,ـــــض… قلت: “أيوه”
قالت: “أنا والدة واحدة من البنات في الفصل… وحابة أقولك إن اللي بنتك عملته… مش مقبول”
اتصدمت… قلت: “مش مقبول إزاي؟”
قالت بنبرة فيها استهزاء: “قصت شعرها ولفتت انتباه المدرسة كلها… وبنتي رجعت تعيط علشان محدش بقى مركز معاها”
سكت لحظة… أحاول أستوعب
كملت: “وكمان بقى في كلام بين الأولاد… إن في بنت مريضة… وده بيخوفهم… وبيأثر على نفسيتهم”
حسيت بالغضب بيطلع جوايا… بس حاولت أكون هادية
قلت: “حضرتك زعلانة إن بنتي ساعدت زميلتها؟”
قالت: “أنا زعلانة إن الموضوع كبر زيادة عن اللزوم…
وفيه أولياء أمور كتير مش عاجبهم”
قفلت المكالمة وأنا إيدي بتترعش
رجعت بصيت على ليلى… كانت قاعدة بتضحك مع مريم… وكأن العالم كله بسيط
لكن أنا عارفة إن الدنيا مش كده
تاني يوم… روحت المدرسة
المرة دي… مش بخوف
لكن بغضب
دخلت مكتب المدير… وقلت: “أنا عايزة أفهم… في شكوى ضد بنتي؟”
المدير اتنهد وقال: “في شكاوي فعلًا… بس مش رسمية… مجرد اعتراضات”
قلت: “اعتراضات على إيه؟ الرحمة؟”
سكت
كملت: “بنتي ما غلطتش… اللي غلط إن في أطفال بيتعلموا يضحكوا على المرض”
في اللحظة دي…
الباب خبط
ودخلت نفس الست اللي كلمتني
بصتلي بنظرة فيها تحدي وقالت: “إحنا مش ضد الرحمة… بس ضد المبالغة”
أنا بصتلها وقلت بهدوء: “المبالغة الوحيدة… إننا بنربي أولادنا يخافوا من المختلف بدل ما يساعدوه”
المدير حاول يهدي الجو… لكن فجأة حصل حاجة غيرت كل الموقف
الباب اتفتح تاني
ودخلت مريم
من غير الباروكة
رأسها شبه خالي… لكن واقفة بثقة غريبة
كلنا سكتنا
هي بصت للست وقالت بصوت ثابت: “أنا البنت اللي حضرتك مش مرتاحة لوجودها”
الست اتوترت… ما ردتش
مريم كملت: “أنا كنت بستخبى في الحمام علشان محدش يشوفني…
لحد ما ليلى خلتني أخرج”
بصت ليلى اللي كانت واقفة وراها
وقالت: “لو في حد مش عاجبه وجودي… ممكن يتجاهلني… بس أنا مش همشي”
الكلمات دي… من طفلة… كسرت أي نقاش
المدير قال بهدوء: “أعتقد الرسالة وصلت”
الست ما قالتش حاجة… وخرجت
وأنا… حسيت بفخر عمري ما حسيت بيه قبل كده
خرجت من المكتب… ومسكت إيد ليلى… ومريم
وفي الطريق… قلت لهم: “أنا اتعلمت منكم النهارده أكتر ما علمتكم في حياتي”
ليلى ضحكت وقالت: “إحنا بس بنعمل اللي بابا كان هيعمله”
وقفت مكاني
الكلمة دي…
رجعتلي كريم تاني
بكل تفاصيله
ابتسامته… صوته… طريقته وهو بيطبطب علينا
في اللحظة دي… فهمت حاجة
إنه مش بس كان أب كويس
هو كان زرع جوا بنتنا حاجة… كملت بعده
عدت الأيام… والموضوع انتشر في المدرسة… وبعدين في المنطقة
ناس كتير بدأت تتكلم
في اللي انتقد
وفي اللي دعم
لكن الأهم… إن في بنات تانية بدأوا ييجوا لمريم… يقعدوا معاها… يضحكوا
وفي يوم… حصلت مفاجأة
المدير طلب يشوفنا
دخلنا المكتب… لقينا كام بنت واقفين… وكل واحدة ماسكة خصلة من شعرها
وقالوا:
“إحنا عايزين نعمل زي ليلى”
أنا بصيت لليلى… لقيتها مذهولة
مريم كانت بتعيط
المدير ابتسم وقال: “واضح إن اللي بدأته بنتك… بقى حاجة أكبر”
في اللحظة دي… حسيت إن قلبي بيتملي نور
مش علشان بنتي بس
لكن علشان الخير… بيعدي
بيتنقل
زي العدوى… بس بشكل جميل
رجعنا البيت… وقعدنا كلنا سوا
ليلى نامت وهي مبتسمة
مريم كمان
وأنا قعدت لوحدي في البلكونة… بصيت للسما
وقلت بصوت واطي: “أنا مش خايفة دلوقتي… علشان عارفة إنك سبت ليا سبب أكمل”
الهوا كان هادي
وقلبي… لأول مرة من زمان…
كان مرتاح
بس جوايا إحساس بسيط… إن الحكاية لسه ما خلصتش
وإن في حاجة جاية
حاجة أكبر
مش اختبار
لكن اختيار
والمرة دي… أنا عارفة
إحنا هنختار الصح
حكـايات أسمـا السيـد
كنت فاكرة إن كل حاجة وصلت لنهايتها… إن الألم اتعوض… وإن الخير كسب خلاص… لكن الحقيقة إن النهاية الحقيقية عمرها ما بتكون لحظة واحدة… هي مجموعة لحظات صغيرة… بتفهمك فجأة إنك اتغيرت… وإنك بقيت شخص تاني
عدّى حوالي شهرين… والهدوء رجع البيت… بس مش نفس الهدوء القديم… ده هدوء دافي… مليان حياة…
مش الوحدة اللي كنت بخاف منها
ليلى بقت أقوى… ضحكتها رجعت… حتى وهي بشعرها القصير… كانت شايفة نفسها جميلة… مش لأنها سمعت ده من حد… لكن لأنها حست بيه
ومريم…
مريم بقت مش مجرد بنت بتزورنا… بقت جزء من البيت… من يومنا… من قلبنا
في يوم من الأيام… كنا قاعدين كلنا بنتفرج على فيلم… وفجأة مريم قالت بهدوء: “أنا عندي خبر”
قلبي دق بسرعة
بصتلها وقلت: “خير يا حبيبتي؟”
ابتسمت… وقالت: “الدكتور قال إن حالتي اتحسنت… والعلاج جاب نتيجة”
ليلى صرخت من الفرحة… وقامت حــ,,ـــــضنتها
وأنا…
دموعي نزلت بدون ما أحس
سامح كان واقف ساكت… لكنه كان بيبكي

