Advertisements
Advertisements
منوعات

اجمل بنت بالمدرسه حكـايـات أسمـا ×2

Advertisements

الفصل الثالث فضلت أبص للملف قدامي وقت طويل. يمكن دقيقة. يمكن عشرة. يمكن ساعة كاملة. مش فاكر. كل اللي فاكره إن السطر الأخير كان بيتكرر قدام عيني. “رفضت عرض زواج من والد عمر الجوهري.” والدي. أنا. نغم. إزاي؟ رجعت أقلب في الأوراق بسرعة. وبدأت الصورة تتضح. سنة 2012… والدي شاف نغم في مناسبة خيرية. كانت وقتها في منتصف العشرينات. جميلة. مثقفة. ومعروفة بأخلاقها. وقتها كان أرمل بقاله سنين. وأراد الزواج مرة تانية. أرسل ناس يتكلموا معها.

وبالفعل وافقت مبدئيًا. لكن لما عرف إنها مسؤولة عن أخوها كريم. قال شرطه. “أخوها يعيش في مؤسسة متخصصة.” بالنسبة لوالدي كان عرض منطقي. بالنسبة لنغم كان مستحيل. رفضت فورًا. وأغلقت الموضوع للأبد. نزلت للصفحة الأخيرة. وكان فيه تعليق بخط أحد المحققين: “الآنسة نغم رفضت عروض عمل وسفر عديدة بسبب احتياج شقيقها للرعاية اليومية.” أغمضت عيني. وعقلي رجع عشرين سنة لورا. لحفلة التخرج. لما وقفت جنبي. ولما قالت: “أخويا عنده متلازمة داون… وعارفة يعني إيه الناس تحكم على الشخص من شكله.”

وقتها كانت بتتكلم من قلبها. مش مجرد كلام جميل. كانت عايشة المعاناة دي كل يوم. — تاني يوم الصبح… وصلت الشركة بدري. وكان عندي اجتماع مهم مع مستثمرين أجانب. اجتماع كنت مستنيه من شهور. لكن لأول مرة من سنين… ما قدرتش أركز. كل شوية أفكر فيها. في شقتها. في تعبها. في إصرارها. وفي حقيقة إن الدنيا ظلمتها بشكل بشع. بعد الاجتماع… طلبت من السكرتيرة تدخل. “أيوة يا فندم؟” قلت: “في وظيفة شاغرة في قسم خدمة العملاء؟”

استغربت. “في أكتر من وظيفة.” أومأت. “حلو.” ثم أعطيتها ورقة صغيرة. مكتوب عليها اسم نغم. “حددي لها مقابلة.” — بعد يومين… كانت نغم قاعدة في قاعة الانتظار. لابسة بدلة قديمة لكنها أنيقة. وحاولت بكل طاقتها تبان واثقة. لكن التعب كان واضح. التوتر كان واضح. والخوف كان واضح. من خلف الزجاج كنت أراقبها. وهي لا تعرف. ثم طلبت إدخالها. دخلت المكتب. وأول ما شافتني… اتفاجئت. “حضرتك؟” ابتسمت. “اتفضلي.” جلست. وكان واضح إنها محرجة. “أنا بصراحة ما كنتش أعرف إن حضرتك صاحب الشركة.”

ضحكت. “ولا أنا كنت أعرف إنك بتدوري على شغل.” ثم بدأت المقابلة. لكن الحقيقة… لم تكن مقابلة أصلًا. كانت مجرد محاولة لأسمعها أكثر. كل إجابة كانت تثبت الشيء نفسه. نغم لم تكن ضحية. كانت مقاتلة. شخص يرفض الاستسلام مهما حصل. وفي نهاية المقابلة قلت: “مبروك.” رمشت باستغراب. “مبروك إيه؟” “الوظيفة.” اتسعت عيناها. “بجد؟” أومأت. ولأول مرة رأيت نفس الابتسامة القديمة. ابتسامة حفلة التخرج. نفس الغمازة. نفس الدفء. ونفس الطيبة. — مر شهر. ثم شهران. ثم ثلاثة.

وحياة نغم بدأت تتغير ببطء. راتب محترم. تأمين طبي. ساعات عمل مناسبة. ولأول مرة منذ سنوات… بدأت ترتاح قليلًا. أما أنا… فكنت أقع في مشكلة جديدة. كل يوم. وكل أسبوع. كنت أحبها أكثر. والمشكلة أنها لا تعرف من أنا. ولا تعرف لماذا دخلت حياتها فجأة. ولا تعرف أنني ما زلت أحتفظ بصورة قديمة من حفلة التخرج داخل درج مكتبي. الصورة الوحيدة التي جمعتنا. — وفي مساء أحد الأيام… كنت أوصلها إلى بيتها بعد انتهاء العمل.

كالعادة. لكن لما وصلنا… لقينا سيارة إسعاف أمام المبنى. وقلبي سقط فورًا. نغم نزلت من العربية تجري. “كريم!” صعدنا السلم بسرعة. ولقينا الجيران متجمعين. والمسعفون داخل الشقة. كان كريم ممددًا على الأرض. شاحب الوجه. فاقد الوعي. ونغم انهارت تمامًا. “أخويا!” اقترب الطبيب بسرعة. ثم نظر إليها. وقال بجدية: “لازم يتحجز في المستشفى فورًا.” صوتها ارتجف. “خير؟” الطبيب سكت لحظة. ثم قال: “في مشكلة بالقلب.” شحب وجه نغم بالكامل. أما أنا… فشعرت أن الأيام القادمة ستحمل اختبارًا جديدًا.

اختبارًا قد يغير كل شيء بيننا. لأن التقرير الطبي الذي استلمه الطبيب بعد ساعات… احتوى على معلومة واحدة صادمة. معلومة جعلت نغم تجلس على الأرض من هول الصدمة. وجعلتني أنا أيضًا أعجز عن الكلام. كان كريم يحتاج عملية عاجلة. وعملية نادرة. وتكلفتها… أكثر من عشرة ملايين جنيه. يتبع… الفصل الرابع “عشرة ملايين جنيه.” نغم كانت قاعدة على الكرسي قدام الدكتور. وعينيها ثابتة عليه. كأنها ما استوعبتش الرقم. “كام؟” الدكتور تنهد. “للأسف الحالة معقدة.” “بس… عشرة ملايين؟”

هز رأسه بأسف. “فيه مركز متخصص برا مصر يقدر يعمل العملية بنسبة نجاح عالية.” ثم أكمل: “لكن الوقت مش في صالحنا.” نغم بصت ناحية أوضة العناية. اللي فيها كريم. أخوها. الإنسان الوحيد اللي فضل معها بعد كل حاجة. ثم بصت للدكتور. وقالت بصوت مكسور: “أنا معنديش عشرة آلاف حتى.” خرجت الجملة منها وكأنها اعتراف بالهزيمة. وأول مرة شفت في عينيها اليأس. — في تلك الليلة… رجعت نغم البيت وحدها. أما أنا ففضلت في المستشفى أتابع حالة كريم.

قاعد قدام أوضة العناية. وبفكر. فيها. وفيه. وفي عشرين سنة فاتوا. وفجأة افتكرت حاجة. فتحت درج قديم في مكتبي تاني يوم. وأخرجت صندوق صغير. كان موجود معايا من أيام المدرسة. وفيه ذكريات قليلة جدًا. صورة لأمي. صورة لأبويا. وصورة حفلة التخرج. الصورة اللي فيها نغم واقفة جنبي. والكل حواليهم بيبص باستغراب. على ظهر الصورة كانت كاتبة بخط إيدها: “متخليش رأي الناس يحدد قيمتك.” ابتسمت رغم كل اللي حاصل. ولأول مرة قررت. خلاص. مش هفضل مستخبي.

— تاني يوم الصبح… وصلت المستشفى. ولقيت نغم قاعدة قدام أوضة أخوها. وشها شاحب. واضح إنها ما نمتش. أول ما شافتني وقفت بسرعة. “أنا آسفة.” استغربت. “على إيه؟” “على كل المساعدات اللي عملتها.” سكتت لحظة. ثم قالت: “بس أنا مقدرش أطلب منك أكتر.” فهمت فورًا. هي كانت فاكرة إني هعرض أدفع تكلفة العملية. ورافضة. بكرامتها المعتادة. ابتسمت. وقلت: “أنا أصلًا ما عرضتش حاجة.” ارتبكت. أما أنا فمديت إيدي بالصورة القديمة. “بس جاي أوريكي حاجة.” أخذتها باستغراب.

ونظرت إليها. ثانية. اتنين. ثلاثة. ثم اتسعت عيناها ببطء. “دي…” رفعت رأسها ناحيتي. ثم للصورة. ثم لوجهي. ثم همست: “مستحيل.” ضحكت. “أنا الحوت.” وضعت يدها على فمها. والدموع بدأت تنزل من عينيها. “عمر؟” أومأت برأسي. ولأول مرة منذ عشرين سنة… عرفتني. — جلست تبكي وتضحك في نفس الوقت. “يا إلهي…” ثم ضربت كتفي بخفة. “إنت بقيت كده إزاي؟” ضحكت. “واحدة واحدة.” لكن فجأة صمتت. وبصت للصورة مرة أخرى. ثم قالت: “أنا فخورة بيك.” يمكن أي شخص تاني ما كانتش الجملة دي تفرق معاه.

لكن بالنسبة ليا… كانت أهم من أي صفقة عمل. وأهم من أي ملايين. لأنها جاية من الشخص الوحيد اللي صدق فيا يوم ما محدش صدق. — بعدها بيومين… عرفت نغم إن المستشفى استلم تحويلًا ماليًا ضخمًا يغطي تكاليف العملية كلها. جريت على الإدارة. “مين دفع؟” رفضوا يقولوا. جريت عليا. “إنت؟” هزيت رأسي. “لا.” “بلاش كذب.” ضحكت. “أقسم بالله لا.” وكنت صادق. لأن اللي دفع لم يكن أنا. — في نفس اللحظة… كان مدير المستشفى يدخل مكتبنا.

ومعه ملف. نظر إليّ. ثم قال: “فيه شخص طلب يفضل مجهول.” أخذت الملف. وفتحته. وتجمدت. لأن اسم المتبرع كان مكتوبًا داخله. اسم لم أره منذ سنوات طويلة. اسم ظننت أنه اختفى من حياتي للأبد. رفعت رأسي بصدمة. “مستحيل.” نغم اقتربت. “فيه إيه؟” لكنني لم أستطع الكلام. لأن المتبرع الذي دفع تكلفة العملية كاملة… كان والدي. والدي المتوفى منذ خمس سنوات. يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!