
الفيلا كلها مسجلة باسم نادية. من سنتين كاملين. رفع عينيه ببطء. وبص لها. أول مرة من سنين طويلة يبان عليه الارتباك. الحاج رفعت المنشاوي ماكانش راجل بيتوتر. في الشركة الكل بيخاف منه. في الاجتماعات صوته لوحده كان كفاية يسكت قاعة كاملة. حتى أولاده الكبار كانوا بيحسبوا كلامهم معاه. لكن النهارده… كان واقف قدام ست بسيطة. وأم. وده كان أصعب خصم ممكن يقابله.
قال بصوت خرج مبحوح: ـ انتي بتلعبي بالنار يا نادية. ردت بهدوء: ـ لا. أنا بحمي ابني. سكت. وبعدين قال بعصبية: ـ أنا اللي دفعت تمن البيت. ـ صحيح. ـ وأنا اللي بنيته. ـ صحيح. ـ وأنا اللي صرفت ملايين عليه. ـ صحيح برضو. صوته علي: ـ يبقى إزاي يبقى بيتك؟ قالت وهي بتبص في عينه: ـ اسأل نفسك.
لأنك إنت اللي مضيت. الكلمة ضربته في مقت*ل. افتكر اليوم ده. كان قاعد مع المحامي. وقت المشاكل القديمة. وقت ما كان خايف من قض*ية كبيرة. المحامي نصحه وقتها: “سجل الفيلا باسم مدام نادية مؤقتًا.” وكان واثق. واثق زيادة عن اللزوم. واثق إن الست اللي قدامه عمرها ما هتقف في وشه. وإنه مهما عمل… هتفضل موجودة. لكن الحسابات كلها كانت غلط.
آدم كان واقف جنب أمه. ساكت. لكن عينيه على رفعت. بيحاول يفهم. الراجل اللي كان بيندهوله جدو. الراجل اللي كان بيجيبله ألعاب كل عيد. الراجل اللي كان أوقات بيضحك معاه. إزاي فجأة بقى عايزه يمشي؟ رفع آدم رأسه. وقال بصوت صغير: ـ جدو؟ رفعت بصله. لثواني. بس ما ردش. آدم كمل: ـ أنا عملت حاجة زعلتك؟ الصالة كلها سكتت.
حتى نادية نفسها حبست نفسها. لأن السؤال خرج من طفل موجوع. مش من طفل مدلل. طفل بيحاول يعرف هو غلط في إيه. رفعت فتح بقه. وقفله. ومعرفش يرد. لأن الحقيقة كانت مرة. آدم ماعملش أي حاجة. المشكلة كلها كانت في رفعت نفسه. في خوفه من العمر. في خوفه من الوحدة. في خوفه إنه يبقى عجوز. كان كل يوم يصحى يلاقي شعره أبيض أكتر.
إيده بقت ترجف أوقات. ونظره ضعف. وأولاده الكبار بقوا يزوروه مرة كل كام شهر. ولما كان يسمع صوت آدم بيلعب… كان بيحس بالزمن بيجري قدامه. فبدل ما يحب الطفل… بدأ يكرهه. لأنه بيفكره بحاجة مش عايز يعترف بيها. إنه كبر. قال أخيرًا: ـ الموضوع مش شخصي. آدم بصله باستغراب. نادية ضحكت بمرارة. وقالت: ـ طفل عنده عشر سنين سمعك بتقول عايز تطرده من البيت.
وإنت شايف إن الموضوع مش شخصي؟ ماعرفش يرد. لأول مرة. فعلاً ماعرفش يرد. عدت ثواني طويلة. وبعدين فجأة مد إيده للورق. قطع أول صفحة. وبعدين التانية. وبعدين التالتة. نادية ما اتهزتش. قالت: ـ النسخة الأصلية عند المحامي. وقف. والورق المقطع وقع على الأرض. كأنه هو اللي وقع. مش الورق. الهدوء كان خانق. وفجأة رن تليفونه. بص للشاشة.
اسم ابنه الكبير. كريم. رد بسرعة. ـ أيوة. جاله الصوت من الناحية التانية: ـ بابا. إحنا محتاجين نتكلم. ـ مش وقته. ـ لا وقته. دلوقتي. رفعت اتضايق. ـ خير؟ كريم سكت ثواني. وبعدين قال: ـ الشركة عندها مشكلة. قلب رفعت وقع. ـ مشكلة إيه؟ ـ فيه تحقيق مالي. وفيه عقود قديمة بتتراجع. وفيه ناس بتسأل عليك شخصيًا.
الصمت نزل على وشه زي حجر. نادية لاحظت اللون اللي راح من وشه. وسألته: ـ في إيه؟ قفل المكالمة بسرعة. وقال: ـ مافيش. لكن كان واضح إن فيه. واضح جدًا. وخلال ساعة واحدة بس… الحاج رفعت اللي خرج الصبح متأكد إنه المتحكم في كل حاجة… بدأ يحس إن الأرض بتتزحلق من تحت رجليه. بيته. عيلته. وشركته. كل حاجة مرة واحدة.
وفي نص الفوضى دي… كان فيه طفل صغير واقف. لسه مستني إجابة سؤال واحد. “أنا عملت حاجة زعلتك؟” ولأول مرة في حياته… الحاج رفعت حس إنه فعلاً عاجز. لأن مافيش ملايين في الدنيا تقدر تصلح قلب طفل اتكسر. وكان لسه ما يعرفش… إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير. لأن الصدمة الحقيقية ماكنتش في البيت. ولا في الورق. ولا في الشنط. الصدمة كانت مستنياه تاني يوم الصبح…
داخل مكتبه نفسه. يتبع

