
وكأنها خادمة داخل منزلها. عندما فتحت الباب الخارجي، لفحها هواء الفجر البارد. وفجأة تغير صوت كريم خلفها. “مريم… متعمليش فضيحة. أبويا نايم. أمي هتزعل.” حينها فقط فهمت الحقيقة. هو لم يكن خائفًا من خسـ . ـارة زوجته. ولا من فقدان ابنته. كان خائفًا فقط… من أن تعرف عائلته أن اللعبة انتهت. وأن الملف الأخضر الذي خرج من البيت منذ لحظات… قادر على إسقاط الجميع. يتبع…..
قبل أذان الفجر، طلب منها زوجها الطـ . ـلاق وهي تطبخ لأهله وطفلتها بين ذراعيها… لكنه لم يكن يعلم أن ملفًا واحدًا مخبأً سيُدمر كل ما خطط له.
الجزء الأول.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف فجرًا. وقفت مريم الشاذـ . لي داخل مطبخ الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس تحمل طفلتها الرضيعة “جـ . ـنى” على كتفها الأيسر، بينما تُحرّك قدر الشوفان بيدها اليمنى. كان الظـ . ـلام لا يزال يلف الشوارع خلف النوافذ الزجاجية الضخمة. لم يكن مضاءً سوى الضوء الأصفر الهادئ فوق الرخامة، ينعكس على أطباق الإفطار التي كانت تُعدها كعادتها لأهل زوجها.
أمامها كوب قهوة سوداء بارد لم تتذوق منه رشفة واحدة. كانت “جـ . ـنى” ذات الأشهر الثلاثة قد أبقتها مستيقظة طوال الليل. مرة بسبب المغص. ومرة بسبب البكـ . ـاء. ومرة بسبب ذـ . لك الأنين الصغير الذي يجعل قلب الأم يشعر وكأنه يُنتزع من صدرها. وأخيرًا هدأت الطفلة. في اللحظة نفسها دخل زوجها كريم المنصوري إلى المطبخ. كان شعره مبللًا. وقميصه مفتوح الأزرار من الأعلى. وتفوح منه رائحة عطر نسائي غريب لا تملكه مريم.
تطلع إلى الموقد. ثم إلى الطفلة. ثم إلى زوجته. وقال بهدوء مذهل: “أنا عايز أطلقك.” لم تسقط الملعقة من يد مريم. لم تصـ . ـرخ. لم تسأله عن المرأة الأخرى. فقط خفّضت النـ . ـار تحت القدر، وعدلت بطانية طفلتها الصغيرة. طوال خمس سنوات كانت تتخيل هذه اللحظة. اعتقدت أنها ستنهار. أن تبكي. أن تتوسل. لكن شيئًا ما بداخلها كان قد مـ . ـات منذ فترة طويلة. قالت بهدوء: “سـ . ـمعتك… بس مستغربة إنك اخترت تقولها وأنا بحضر فطار لأمك.”
ضحك كريم بسخـ . ـرية. وقال: “بلاش تمثيل. من ساعة ما خلفتي وإنتِ اتغيرتي. أمي كان معاها حق. مبقتيش الست السهلة اللي اتجوزتها.” رفعت مريم عينيها نحوه. نعم… لقد تغيرت. المرأة التي تزوجها كانت تظن أن الصبر يعني السكوت. وأن احترام الزوج يعني تحمل الإهانـ . ـة. أما المرأة التي تقف أمامه الآن… فكانت قد أمضت الشهرين الماضيين تجمع الأدلة. لقطات شاشة. رسائل. تحويلات بنكية. تسجيلات صوتية. وعقودًا موقعة. كلها محفوظة داخل فلاشة صغيرة مخبأة في صندوق ألعاب طفلتها.
عقد كريم ذراعيه وقال بثقة: “الموضوع بسيط. خدي البنت وروحي اقعدي عند أخوكي كام يوم لحد ما نخلص الإجراءات.” نظرت إليه. “كام يوم؟” قال ببرود: “الفيلا دي باسـ . ـم أبويا. العربية باسـ . ـمي. كل المصاريف عليّ. متصعبيش الأمور.” كان يظن أن كلمـ . ـاته ستخيفها. لكنها أكدت فقط ما كانت تعرفه بالفعل. أنه يعتقد أنها لا تعرف شيئًا. الملف الأخضر.
صعدت مريم إلى غرفتها. والطفلة ما زالت بين ذراعيها. سـ . ـمعت خطوات كريم خلفها.
“إنتِ بتعملي إيه؟” فتحت الدولاب. أخرجت حقيبة سفر كحلية. وضعتها فوق السريـ . ـر. ثم بدأت ترتب ملابس طفلتها. قالت دون أن تنظر إليه: “بنفذ طلبك.” ضحك مرة أخرى. لكن هذه المرة كان صوته أقل ثقة. “رايحة فين؟ فكري بعقلك مرة. إنتِ معندكيش شغل. معندكيش دخل. إزاي هتربي طفلة لوحدك؟” وضعت مريم آخر قطعة ملابس داخل الحقيبة. ثم التفتت نحوه لأول مرة. وقالت: “دي الكـ . ـذبة اللي فضلتوا تقنعوني بيها سنين.” وضعت شهادة ميلاد جـ . ـنى.
وبطاقتها الشخصية. ووثائق مهمة. ثم أمسكت ملفًا أخضر سـ . ـميكًا ووضعته داخل الحقيبة. أما الفلاشة الأصلية… فكانت مخبأة داخل جورب صغير لطفلتها. عندما نزلت إلى الطابق الأرضي، مرت بجوار الصور المعلقة على الجدران. صور كريم مع رجال أعمال كبار. صور والدته في حفلات خيرية. صور العائلة في الساحل الشمالي. أما هي… فكانت تظهر في أطراف الصور فقط. تحمل صينية. أو تقف خلف الجميع. وكأنها خادمة داخل منزلها. عندما فتحت الباب الخارجي، لفحها هواء الفجر البارد.
وفجأة تغير صوت كريم خلفها. “مريم… متعمليش فضيحة. أبويا نايم. أمي هتزعل.” حينها فقط فهمت الحقيقة. هو لم يكن خائفًا من خسـ . ـارة زوجته. ولا من فقدان ابنته. كان خائفًا فقط… من أن تعرف عائلته أن اللعبة انتهت. وأن الملف الأخضر الذي خرج من البيت منذ لحظات… قادر على إسقاط الجميع. يتبع….

