Advertisements
Advertisements
منوعات

العروس التي لم تعد للبيت حكـايـات أسمـا ×2

Advertisements

ميادة صرخت: — كريم! ما تبصش في وش السواق! الباب اتفتح فجأة لوحده. جريت. نزلت السلم بسرعة مجنونة، والفلاشة والجواب في جيبي. ورايا، كنت سامع خطوات نديم مش بتجري… لكنها قريبة. قريبة جدًا. خرجت للشارع، والسماء كانت دخلت في الغروب. الجمعة. وقت ظهورها. جريت ناحية الشارع الرئيسي، وكنت عارف إن لازم أوصل لقسم الشرطة أو لأمينة أو لأي مكان فيه ناس. لكن أول ما وصلت عند موقف الأتوبيس قدام عمارتي… لقيتها. ميادة قاعدة. نفس الفستان.

نفس الطرحة. لكن المرة دي كانت واقفة كأنها مستنياني. والأتوبيس 274 كان جاي من آخر الشارع. قديم. مصابيحه صفراء. زجاجه مغطى بالسواد من جوه. والناس في الشارع؟ ولا واحد شايفه. العربيات بتعدي من خلال ظله كأنه مش موجود. بس أنا شايفه. وميادة شايفاه. ونديم خرج من الضلمة ورايا، وقال بهدوء: — وقت الرجوع يا عروسة. الأتوبيس وقف قدامنا. الباب اتفتح. من جوه، طلع دخان أسود. وصوت السواق قال: — اركبوا. كنت هبص ناحيته غصب عني، لكن افتكرت تحذير ميادة.

نزلت عيني للأرض. شوفت جزمة السواق. كانت محروقة. ونديم قرب من ميادة ومسك دراعها. هي صرخت. الصرخة دي ماكنتش صوت ست ميتة. كانت صوت بنت اتظلمت. صوت روح اتحبست في نفس اللحظة 11 سنة. وفي اللحظة دي، ما فكرتش. طلعت الفلاشة من جيبي ورفعتها في وشي. صرخت بأعلى صوتي: — الحقيقة معايا! لو هي ركبت، التسجيل هيوصل للشرطة والصحافة وكل الناس! نديم وقف. لأول مرة… الخوف ظهر في عينه. مش خوف من موت. خوف من فضيحة.

حتى بعد موته، كان لسه خايف من الحقيقة. قال بصوت منخفض: — اديني الفلاشة. قلت: — سيبها. ابتسم ابتسامة ملتوية. — أنت فاكر إنك بتساومني؟ أنا أقدر أخليك تركب بدلها. وفجأة، الباب بتاع الأتوبيس اتفتح أوسع. حسيت بقوة بتشدني ناحية السلم. كأن ألف إيد ماسكة جسمي. ميادة صرخت: — لا! نديم قال: — كل حد يتدخل… يدفع. كنت بتسحب فعلًا. رجلي اتحركت غصب عني. درجة واحدة. ثم التانية. كنت سامع جوه الأتوبيس همسات ناس كتير.

ناس بتعيط. ناس بتطلب النجدة. ناس ماتت ولسه محبوسة في آخر رحلة. وفي وسط الهمسات… صوت ست بتقول: “ما تسيبهاش.” كانت أمي. أمي المتوفية من خمس سنين. رفعت وشي بصدمة، ونسيت التحذير. كنت على وشك أبص للسواق. لكن ميادة شدتني من إيدي بكل قوتها. إيدها كانت باردة، لكنها حقيقية. قالت: — بصلي أنا. بصيتلها. عينيها كانت مليانة دموع، لكن جواها حاجة جديدة. أمل. قالت: — قول اسمي. قلت وأنا بتخنق: — ميادة. قالت: — قول إني مش مراته.

صرخت: — ميادة الشافعي مش مراتك يا نديم! الأتوبيس اهتز. نديم صرخ كأن الجملة حرقته. ميادة قالت: — تاني! صرخت أعلى: — هي ما اختارتكش! أنت خطف*تها! ق*تلتها! ودفنت حقيقتها! الناس بدأت تبص من الشبابيك السودا. وشوش محروقة. عيون حزينة. أرواح كانت شاهدة وخايفة. واحد منهم، السواق، بدأ يرفع راسه. بس أنا فضلت باصص لميادة. ميادة مدت إيدها للطرحة، وشالتها من فوق شعرها. وقالت بصوت ثابت لأول مرة: — أنا مش راجعة معاك. نديم اندفع ناحيتها.

لكن فجأة، من جوه الأتوبيس، خرجت إيد محروقة ومسكت كتفه. ثم إيد تانية. ثم تالتة. الأرواح اللي كانت ساكتة سنين بدأت تشده. هو صرخ: — أنا صاحب الرحلة! وصوت السواق طلع من جوه، عميق ومخيف: — لا… أنت سببها. الأرض تحت نديم اتشققت دخان. ميادة بصتلي بسرعة: — الفلاشة لازم توصل لأمي. قلت: — وأنتِ؟ ابتسمت بحزن. — أنا مستنية من 11 سنة حد يفكر إن حكاية عروسة في موقف مش جنون… يمكن دلوقتي أرتاح.

نديم كان بيتسحب ناحية الأتوبيس. صرخ باسمها: — ميادة! أنتِ ملكي! ميادة قربت خطوة وقالت: — أنا كنت بنت… مش حاجة تتملك. وبعدها، الباب قفل عليه. الأتوبيس اتحرك. المرة دي، ما مشيش في الشارع. طلع دخان، واختفى جوه الغروب. وفجأة… كل شيء سكت. الموقف رجع عادي. الناس ماشية. العربيات بتزمر. ولا حد لاحظ إن كابوس كامل انتهى قدامهم. ميادة كانت لسه واقفة. لكن فستانها بدأ يرجع أبيض حقيقي. مش أبيض مخيف. أبيض هادي. قالتلي: — شكراً يا كريم.

قلت بسرعة: — استني… التسجيل… لازم نثبت الحقيقة. قالت: — الحقيقة مش بس للناس. الحقيقة للروح كمان. وبعدين بصت ناحية الطريق. ومن بعيد، ظهر شاب. مش شبح مخيف. شاب لابس قميص بسيط، وشايل عود موسيقى قديم. كان ياسر. واقف على الناحية التانية من الشارع، مستنيها. ميادة حطت إيدها على بوقها وهي بتبكي. لكن المرة دي… الدموع ماكانتش خوف. كانت راحة. مشت ناحيته ببطء. وقبل ما تختفي، بصتلي آخر مرة وقالت: — الجمعة الجاية… الموقف هيبقى فاضي.

اختفت. وقفت لوحدي، ماسك الفلاشة والجواب، وأنا مش عارف أبكي ولا أضحك ولا أصدق إني لسه عايش. بعد ساعة، كنت عند أمينة. لما سمعت التسجيل، وقعت على الأرض من العياط. مش عياط صدمة. عياط أم أخيرًا لقت صوت بنتها بعد 11 سنة. سلمنا التسجيل لمحامي حقوقي كان قريبها يعرفه، وبعد أيام بدأت القصة القديمة تتفتح من جديد. الصحف كتبت عن “تسجيل جديد يكشف ج*ريمة عروس 274”. اتفتح تحقيق في التزوير، وفي موت والد نديم، وفي تورط خال ميادة.

ناس كانت ساكتة زمان بدأت تتكلم. شهود قالوا إنهم شافوا نديم يجرها. واحد من أهل المنطقة اعترف إنه سمع صراخها قبل ما الأتوبيس يتحرك. الحقيقة اتأخرت 11 سنة… لكنها وصلت. أما أنا، ففضلت شهور ما أقدرش أبص من البلكونة بعد المغرب. كل جمعة كنت أقفل الستائر وأقعد في الضلمة، مستني أسمع صوت الفرامل. لكن الصوت ما رجعش. والموقف فعلًا بقى فاضي. لحد جمعة واحدة، بعد سنة كاملة. كنت نازل أجيب حاجة من السوبر ماركت، وعديت جنب الموقف.

لقيت على الكرسي الخشب وردة بيضا. وتحتها ورقة صغيرة. فتحتها بإيد بتترعش. كان مكتوب فيها: “مش كل اللي بيستنى في الطريق تايه… أحيانًا بيكون مستني حد يشوفه.” رفعت عيني للشارع. على الناحية التانية، لمحت ميادة وياسر. واقفين بعيد. هي لابسة فستان أبيض بسيط، مش فستان فرح. وهو ماسك إيدها. ابتسموا. وبعدين اختفوا مع ضوء المغرب. ومن يومها، كل ما أشوف حد قاعد لوحده في موقف، أو ست بتعيط في الشارع، أو حد باين عليه إنه محتاج كلمة…

ما بعديش كأني مش شايف. لأن ساعات سؤال بسيط زي: “إنت كويس؟ محتاج مساعدة؟” ممكن ما ينقذش حياة بس… ممكن يحرر روح. يتبع

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!