
رجعت وقعدت. مرّت ثواني طويلة. شريف كان بيصارع نفسه. لأول مرة، ماكانش السؤال: هل يعترف؟ كان السؤال: مين يخاف منه أكتر؟ الناس اللي بره ولا اللي واقفة قدامه ومعاها شبح مراد؟ أخيرًا قال بصوت واطي: “في خزنة.” ليلى ما رمشتش. قال: “في بيت قديم في حلوان. شارع جانبي جنب مصنع مهجور. الخزنة فيها نسخ من حسابات قديمة وأسماء وأرقام. أنا كنت مأمن نفسي. لو حد فيهم قرر يخلص عليا.” قالت: “المفتاح؟” قال: “مش مفتاح. كود.” وسكت. ليلى قالت: “كمل.” قال: “تاريخ موت أبوكي.” للحظة، شيء حاد عدى في عين ليلى. شريف لاحظه، وابتسم ابتسامة مريضة كأنه حاول يوجعها بآخر س*لاح عنده. “كنت فاكره تاريخ نهايته، لكنه كان تاريخ تأميني أنا.” ليلى قامت فجأة وقربت منه. ظن إنها هتضربه، لكنه تفاجأ إنها انحنت ووشها قريب من وشه وقالت بهدوء مرعب: “إنت استخدمت يوم موت أبويا علشان تحفظ فلوسك القذرة؟ كويس. اليوم ده هيبقى برضه بداية دفنك الحقيقي.” بعدها خرجت من الغرفة من غير ما تبص وراها.
برا، اللواء كان مستني. سألها: “قال إيه؟” أعطته العنوان والكود. خلال دقائق، تحركت قوة كاملة لمكان الخزنة. ليلى أصرت تروح معاهم، لكن اللواء رفض في البداية بسبب إصابتها. قالت له جملة واحدة: “دي ق*ضية أبويا.” ماقدرش يمنعها. في الطريق، كانت القاهرة نايمة تحت ضباب الفجر، الشوارع شبه فاضية، أنوار الكوبري بتعدي على وشها وهي قاعدة في العربية المدرعة. إيدها كانت بتوجعها من الحرق، وخدها بينبض من أثر الضربة، لكن وجعها الحقيقي كان في صدرها. لأنها كانت حاسة إنهم كل ما يفتحوا باب، يلاقوا وراه باب أظلم. كانت فاكرة إن شريف هو النهاية. طلع مجرد بوابة.
وصلوا حلوان قبل الشروق. البيت كان قديم، متهالك، بابه الخشبي متشقق، والشارع حوالين المكان فاضي إلا من كام قطة بتفتش في الزبالة. القوة انتشرت بصمت. ليلى دخلت وسطهم، مسدسها في إيدها، وعينها بتفحص كل ركن. البيت من جوه كان ريحته رطوبة وتراب، الأثاث مغطى بملايات قديمة، والصمت فيه كأنه ساكن من سنين. في أوضة خلفية، لقوا بلاطة مختلفة تحت سجادة ممزقة. لما رفعوها، ظهرت خزنة صغيرة مدفونة في الأرض. الضابط الفني بدأ يدخل الكود: يوم، شهر، سنة. تاريخ موت العقيد مراد. الباب فتح بصوت معدني مكتوم. جوا الخزنة كان في ملفات، فلاشات، صور، وأكياس صغيرة فيها مفاتيح وعملات أجنبية.
ليلى مدت إيدها وسحبت أول ملف. فتحته. كان فيه أسماء شحنات س*لاح، تواريخ، أرقام سيارات، وأسماء مستعارة. قلبت الصفحات بسرعة لحد ما وقعت عينها على صورة قديمة. صورة لأبوها وهو خارج من مبنى رسمي، وبجانبه رجل ببدلة رمادية، وشه واضح جدًا. ليلى اتجمدت. الضابط اللي جنبها سأل: “في حاجة؟” لكنها ما ردتش. لأنها عرفت الراجل. مش من ملفات قديمة. من التلفزيون. من المؤتمرات. من الصور الرسمية. كان اسم كبير جدًا. كبير لدرجة إن مجرد ذكره في محضر ممكن يقلب البلد.
رجعت الصورة للملف بسرعة، لكن اللواء كان شاف رعشة إيدها. قال بصوت منخفض: “مين؟” ناولته الصورة. أول ما شافها، ملامحه اتشدت. ماقالش الاسم، كأن الحيطان ممكن تسمعه. اكتفى بأنه بص لها وقال: “خلي الملف معايا.” ليلى سحبت الصورة من إيده وقالت: “لأ.” اتفاجئ. قالت: “مع كامل احترامي، يا فندم، أبويا مات لأن ملف اتسحب قبل كده ودخل درج واتقفل. المرة دي مفيش حاجة هتختفي.” اللواء بص لها بحدة. “إنتِ بتشكّي فيا؟” قالت: “أنا مابقتش بثق في الأدراج.” الصمت طال بينهم. في النهاية، قال: “اعملي نسخة فورية من كل حاجة. ثلاث نسخ. واحدة للنيابة، واحدة للجهاز، واحدة معاكِ مؤمنة.” كانت دي أول مرة تحس إنه فاهم رعبها فعلًا.
لكن قبل ما يخلصوا تفريغ الخزنة، دوّى صوت طلقة من بره. كل اللي في البيت اتحركوا دفعة واحدة. عسكري وقع عند الباب، والدم بدأ ينتشر تحت جسمه. صرخ أحد الضباط: “كمين!” الرصاص بدأ يضرب الحيطان والشبابيك. الزجاج اتناثر، والغبار ملأ المكان. ليلى انبطحت خلف حائط نص مهدوم وهي ماسكة الملف في صدرها. الهجوم كان سريع ومنظم. مش بلطجية عاديين. دول ناس عارفين القوة دخلت منين، وعارفين إن الخزنة اتفتحت. حد بلغهم. حد كان بيراقب من البداية. اللواء صرخ في اللاسلكي يطلب دعم، لكن التشويش كان عالي. ليلى فهمت فورًا: في حد عايز الملفات تختفي قبل ما تطلع الشمس.
وسط الرصاص، شافت ظل بيتحرك ناحية الباب الخلفي. واحد ملثم دخل بسرعة، ماسك قنبلة حارقة صغيرة. كان واضح إن هدفه مش قت*لهم، هدفه حرق المكان. ليلى خرجت من ورا الحائط، زحفت تحت خط الرصاص، ورفعت مسدسها. أطلقت طلقة أصابت كتفه، فوقع على الأرض والقنبلة تدحرجت بعيد. جرت ناحية القنبلة ورمتها من الشباك قبل ما تنفجر بثواني. الانفجار هز الشارع كله، والنار ولعت في عربية مركونة بره. الضباط بدأوا يردوا بقوة، ومع وصول أول دعم من ناحية الشارع الرئيسي، المهاجمين انسحبوا بسرعة. كل شيء حصل في أقل من خمس دقائق، لكن البيت بعدها كان كأنه خرج من حرب.
الدخان، الدم، الزجاج، صراخ المصابين، والملفات مبعثرة على الأرض.
ليلى كانت واقفة وسط الدخان، حضنة الملف الأساسي، ووشها مغطى بالتراب. اللواء قرب منها وهو بيتنفس بصعوبة وقال: “إنتِ كويسة؟” هزت راسها. “الملفات؟” قالت: “معايا.” بص لها لحظة طويلة، ثم قال: “يبقى الليلة لسه طويلة.”
رجعوا للسجن مع أول ضوء. شريف كان مازال في غرفة الحجز الخاصة. لما دخلت عليه ليلى بالملف في إيدها، رفع عينه، وشاف التراب على هدومها والدم على كمها. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “حاولوا ياخدوها منك؟” قالت: “وفشلوا.” ضحك بضعف. “يبقى خلاص. كده إنتِ دخلتي اللعبة بجد.” رمت الصورة قدامه على الترابيزة. لما شافها، ابتسامته اختفت. قالت: “ده الاسم الكبير؟” شريف سكت. ضربت بإيدها على الترابيزة. “ده هو؟” قال بعد لحظة: “ده مش الاسم الكبير.” ليلى اتجمدت. قال بصوت أوطى: “ده الواجهة. الراجل اللي تقدروا تشوفوه. الاسم الكبير عمره ما بيظهر في صورة.” شعرت ليلى إن الأرض بتتهز تحتها. قالت: “مين؟”
شريف بص لها بعينين مرهقتين وقال: “لو قلته، مش هتلحقي تخرجي من السجن.” قالت: “قول.” قال: “مش قبل ما تنقليني من هنا.” قالت: “لأ.” قال: “يبقى استني الج*ثة الجاية.” قبل ما ترد، الباب اتفتح بعنف ودخل ضابط شاب وشه مخطوف. “يا فندم… حصلت مشكلة في العنبر.” اللواء اللي كان خلفها قال: “إيه؟” الضابط بلع ريقه: “موسى الحلاق اتق*تل. ولقينا في إيده ورقة مكتوب عليها اسم المقدم ليلى.”
ليلى حسّت بدمها يبرد. موسى الحلاق كان مسجون هادي، معروف إنه كان بيخدم شريف زمان وبعدين بعد عنه. وجود اسمها في إيده معناه واحد من اتنين: يا إما كان عايز يحذرها، يا إما حد بيبعت لها رسالة. خرجت بسرعة ناحية العنبر. الطريق كان مليان عساكر، والمساجين واقفين ورا القضبان بعيون واسعة. الهمس كان ماشي بينهم زي النار. “الطباخة طلعت ضابطة.” “الإعصار وقع.” “في ناس بتموت.” دخلت ليلى الزنزانة اللي فيها الج*ثة. موسى كان واقع على الأرض، وشه للأعلى، عينه مفتوحة، وفي إيده ورقة متكرمشة. أخذتها بحذر وفتحتها. كان مكتوب بخط مهزوز: “مش شريف لوحده. اللي باع أبوكي كان أقرب مما تتخيلي.”
تحت الجملة كان في حرف واحد: “س”. الحرف كان كافي يخلي العالم كله يضيق حواليها. “س”. أسماء كتير ممكن تبدأ به. لكن في عقلها ظهر اسم واحد رغماً عنها. اسم كانت بتهرب منه طول عمرها. اسم الضابط اللي بلغ أمها بموت أبوها. اللواء سامح. الرجل اللي رباها مهنيًا، وفتح لها أبواب التدريب، وحماها في أول مهمة، وكان يقف جنبها النهارده. لا. مستحيل. حاولت تطرد الفكرة فورًا. لكن التحقيقات مابتعترفش بالمستحيل. كل شيء ممكن حتى يثبت العكس.
رجعت بصت من بعيد للواء سامح، كان واقف عند باب العنبر بيتكلم مع المأمور بملامح جامدة. لأول مرة، ليلى شافته مش كقائد ولا كحامٍ، لكن كاحتمال. والاحتمال ده كان أبشع من كل الرصاص اللي اتضرب عليها في حلوان. لأنه لو صح، يبقى أبوها مات مرتين. مرة يوم الحريق، ومرة يوم وثقت في الرجل اللي ربما سلّمه للموت.
شريف لما عرف بموت موسى، ضحك ضحكة خافتة وقال لها من خلف القضبان: “قلتلك. اللعبة بدأت.” ليلى وقفت قدامه، والورقة في إيدها. “مين س؟” شريف قرب من القضبان وهمس: “أول درس يا بنت مراد… أخطر عدو مش اللي يضربك بالقلم قدام الناس. أخطر عدو هو اللي يطبطب على كتفك بعد الدفن.” عينيها اتملت بغضب مكتوم. قال: “عايزة الحقيقة؟ ابدأي من اللي حضنك يوم الجنازة.” هنا، للحظة، رجعت ليلى طفلة. شافت نفسها لابسة أسود، واقفة جنب قبر أبوها، وأمها مڼهارة، ورجل ببدلة عسكرية بيحط إيده على كتفها ويقول: “أبوك كان بطل، وأنا هفضل جنبك.” كان اللواء سامح.
نفسها اتقطع. لكنها لم تسمح لنفسها بالانهيار. طوت الورقة وحطتها في جيبها. خرجت من العنبر بخطوات ثابتة، بينما جواها عاصفة أكبر من أي إعصار. في الخارج، الشمس كانت طلعت فوق أسوار السجن، لكن الضوء ماكانش مطمئن. كان قاسيًا، كأنه بيكشف كل شيء دفعة واحدة. ليلى وقفت في ساحة السجن، رفعت وشها للسماء، وأغمضت عينيها ثانية واحدة فقط. كانت تسمع صوت أبوها في ذاكرتها: “الخوف مش عيب يا ليلى. العيب إنك تسيبيه يسوقك.” فتحت عينيها.
وبدأت المرحلة الأخطر.
لأنها لم تعد تطارد قا-تل أبيها فقط.
كانت تطارد الخائن الذي عاش بجانبها كل هذه السنوات.
