نظرت لندى وقولت بصوت جامد: “كريم في مستشفى إيه؟” ندى قالتلي بسرعة: “مستشفى في مصر الجديدة.. هتروحيله يا سارة؟” بصيت لأمي لقيتها بتبصلي بنظرة الأم اللي بتقولي “أصلك ونظافتك هما اللي هيحكموا”.. شيلت الورق في شنطتي وقولت بحسم: “هروح يا ندى.. مش عشان أرجعله، ولا عشان أسامح.. هروح عشان أقفل الدايرة دي، وعشان أشوف الراجل اللي باع أمه عشان يشتري رضايا، ودلوقتي بيموت وهو خايف عليها!”
وصلنا المستشفى بعد ساعة كانت أطول ساعة في حياتي. ريحة المطهرات، وصوت الأجهزة في العناية المركزة كان بيكتم النفس. أول ما المحامي بتاع كريم شافني، جيري عليا وقال بدموع: “الحمد لله إنك جيتي يا ست سارة.. كريم حالته حرجة جداً، نزيف داخلي وكسور، بس الدكتور قال إنه لسه واعي ثواني قبل ما يدخل العمليات الكبيرة بعد شوية.. ادخليله.” لبست اللبس المعقم ودخلت الأوضة.. السرير كان محاط بالأجهزة، وكريم راقد ووشه كله شاش وكدمات، وجسمه متوصل بخراطيم.. مكنتش قادرة أصدق إن ده الشاب الوسيم اللي كنت واقفة معاه في الكافيه من كام يوم.
أول ما فتح عينه وشافني، الأجهزة بدأت تطلع صفارات سريعة.. حاول يتحرك بس مكنش قادر، وبصوت ضعيف جداً ومتحشرج من تحت أجهزة الأوكسجين قال: “سارة.. جيتي؟.. الورق.. شوفتي الورق؟” قربت منه، ودموعي نزلت غصب عني.. الوجع الإنساني كان أكبر من أي خلاف. قولتله: “شوفت الورق يا كريم.. وعرفت كل حاجة.”
غمض عينه بوجع ودمعة نزلت من عينه على الشاش وقال: “أنا مكنتش.. مكنتش ضعيف معاها يا سارة.. أنا كنت ممسوك من رقبتي.. إيصال الأمانة كان هيسجني.. والبرج طلع بتاعي وبتاع أختي وهي مكلانا.. أنا لما عرفت كرهت نفسي.. وكرهت الدنيا.. وقولت أديكي حقك عشان تفتكريني بالخير.. أرجوكي يا سارة.. أمي رغم كل اللي عملته.. بلاش تسجنيها بالورق ده.. كفاية عليها قضية عادل.. بلاش تدمريها.” بصيت لكريم وأنا حاسة برعشة في كياني كله.. الراجل وهو بين الحياه والموت، بيطلب مني الأمان لأمه اللي دمرت حياته وحياتي!
وفي اللحظة دي.. الأجهزة بدأت تطلع صوت صفارة واحدة مستمرة وطويلة.. والمؤشرات كلها بدأت تنزل للصفر! دكاترة العناية جريوا ودخلوا الأوضة بسرعة وزقوني لبرة وهم بيصرخوا: “صدمات كهربائية حالا! المريض بيموت!” خرجت برة الصالة وأنا مذهولة، وندى مسكتني وأنا بنهار.. وفجأة، لقيت تليفوني بيرن في الشنطة.. كان رقم غريب تاني! رديت وأنا مش في وعيي، لقيت صوت محامي فوزية هانم بيقولي بنبرة مرعوبة: “الست سارة؟ فوزية هانم في الحجز جالها ذبحة صدرية وبتنطق أنفاسها الأخيرة.. وعايزاكي حالا قبل ما تموت لأنها سيبالك رسالة لازم تسمعيها بنفسك!”
وقفت في ممر المستشفى.. كريم قلبه وقف جوة والدكاترة بيحاولوا ينقذوه، وأمه بتموت في المستشفى التاني وبعتالي رسالة.. والحكاية كلها بقت متعلقة على شعرة! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وقفت في ممر المستشفى، الموبايل على ودني وصوت صفارات جهاز إنعاش قلب كريم جوة الأوضة بيضرب في نفوخي، وصوت المحامي من السمعة بيقول إن فوزية هانم بتموت في المستشفى الميري.. لفت بيا الدنيا، وحسيت فجأة إن ربنا سبحانه وتعالى بيوريني آياته في لحظة واحدة؛ الست اللي كانت من كام يوم فاكرة إنها ملكت الكون، وإن الشقة شقة ابنها وإنها تقدر تطعن في شرف الناس وتطرد وتتحكم، قاعدة دلوقتي بين إيدين ربنا بتصارع الموت، وابنها اللي ساب المفتاح عشان يشتري دماغه، دفع ثمن السلبية دي من دمه وروحه وهو بين الحياة والمو-ت.
بصيت لندى ولأمي اللي جم ورايا، وقولت للمحامي بصوت ثابت خرج من وسط الذهول: “أنا مش هاجي يا متر.. اللي بيني وبين فوزية هانم مابقاش ينفع يخلصه بشر.. قولها سارة بتقولك (المفتاح والشقة والبرج كله سيبناهولك.. بس حسابك عند ربنا هو اللي باقيلك).. وقولها إني مسمحاها لوجه الله، مش عشانها، بس عشان ميبقاش ليا معاها وقفة قدام ربنا.”
قفلت الخط، ونزلت على الكرسي في الممر، وطلعت الورق من شنطتي.. عقد البرج، وإيصال الأمانة، وتنازل الشقة. بصيت لأمي وقولتلها: “يا ماما، الورق ده كان حبل المشنقة اللي لافاه حماتي حوالين رقبة ابنها، وكان هو السر اللي كريم خايف يفضح أمه بيه.. أنا مش هستخدم الورق ده في محاكم، ولا هفضح حد.. الست بتموت، وكريم بين إيدين ربنا.” أمي طبطبت عليا وعينيها مليانة دموع وقالت: “عفوتِ عند المقدرة يا بنتي.. ودي شيم أولاد الأصول.. بكرة ربنا يعوضك بالأحسن والأطهر.”
في اللحظة دي، خرج الدكتور من أوضة كريم وهو بيوجّه الممرضين، وبيمسح عَرَقه.. جريت عليه وقولتله: “طمني يا دكتور؟! كريم حصله إيه؟” النبي دقات قلبه رجعت تاني بعد الصدمات، وبدأ يتنفس.. النزيف وقف، والحمد لله عدينا مرحلة الخطر، بس هيفضل تحت الملاحظة 48 ساعة لحد ما يفوق تماماً. أخدت نفس طويل وحسيت إن جبل انزاح من على صدري.. كريم عاش، وربنا إداله عمر جديد عشان يفوق لنفسه، ويعرف إن الرجولة مواقف، مش مجرد كلمة “دي أمي” تتقال في غير موضعها عشان تضيع حق مراته وكرامتها.
التفت لندى وقولتلها: “ندى.. إنتي أخدتي حقك والذهب بتاعك هيرجعلك بقضية عادل والشهود.. والورق ده أنا هسلمه لمحامي كريم بالذوق عشان لما يفوق يرجّع لأخته حقها في البرج، وينهي كابوس إيصال الأمانة اللي أمه كانت ذالاه بيه.” ندى حضنتني وقالتلي: “إنتي أنظف مننا كلنا يا سارة.. ربنا يكتبلك الخير ويبعد عنك ولاد الحرام.”
بعد يومين.. جالي خبر إن فوزية هانم توفاها الله إثر الذبحة الصدرية، ماتت في المستشفى الميري وهي مسجونة على ذمة قضية سرقة، وسابت وراها البرج والفلوس والذهب اللي عاشت حياتها كلها تظلم وتسرق وتكذب عشان تجمعه وتسيطر بيه.. خرجت من الدنيا بحتة قماشة بيضا، وسابت السيرة اللي الناس بتتحاكى بيها بمرارة. أما كريم.. فبعد ما فاق وعرف بموت أمه، بكى كتير، بس كانت دموع توبة وفوقان.. لقى المحامي بتاعه بيسلمه عقود البرج وصيته، وإيصال الأمانة المقطع، ومعاهم ورقة تنازله عن الشقة ليا.. وعرف إني مأخدتش الشقة ولا فضحت أمه، بل سيبتله كل حاجة تترد لأخته وله.
بعتلي مع المحامي ورقة طلاقي.. بناءً على رغبتي.. ومعاها رسالة صغيرة كتبها بإيد تترعش: (سارة.. إنتي كنتي الأمان اللي أنا مستاهلوش.. أنا بطلقك دلوقتي عشان أديكي حريتك اللي حرمتك منها لما سيبت المفتاح.. أنا هسافر لأختي وهبدأ حياتي من جديد كإنسان نظيف، وهعيش عمري كله أدعيلك إنك أنقذتي روحي من المستنقع.. سامحيني).
أنا دلوقتي قاعدة في أوضتي القديمة ببيت أهلي.. الشباك مفتوح والشمس داخلة تنور المكان. قفلت الصفحة دي من حياتي وأنا مش مكسورة.. بالعكس، أنا خارجة منها قوية، راسي مرفوعة، وكرامتي في السماء. اتعلمت إن الجواز مش حيطان وشقة باسم العريس.. الجواز هو الراجل اللي يقدر يقول في وش الدنيا كلها “دي مراتي.. ودي خصوصيتها وكرامتها”، والراجل اللي بيخاف ربنا في بنات الناس قبل ما يخاف من لوم أمه. الحمد لله على بر الأمان.. والحمد لله إن الحقيقة دايماً بتبان، ولو بعد حين.
#الكاتب_رومانى_مكرم

