
— أوطوا.
انحنى رامي خلف الطاولة.
من الخارج جاءت أصوات رجال.
واحد منهم قال:
— الدم واصل لحد هنا.
آخر رد:
— الباشا قال لازم الحيوان يتجاب حي لو نقدر. جلده لوحده يساوي ملايين.
تجمد رامي.
ثم جاء صوت ثالث يعرفه جيدًا. صوت سمعه في اجتماعات الشركة عشرات المرات.
صوت سامح، مدير أمنه الخاص.
— دوروا حوالين الكوخ. رامي بيه لو عايش، يبقى دخل هنا.
شعر رامي بطـ,ـعنة في قلبه.
حتى أمنه الشخصي متورط.
نظر إلى راوية في الظلام، فوجدها تشير له ألا يتحرك.
لكن الباب الخشبي بدأ يُدفع من الخارج.
النمر انخفض بجسده، مستعدًا للانقضاض.
همس رامي:
— لا… لو هجم عليهم هيق*تلوه.
راوية قالت بصوت لا يكاد يسمع:
— ولو ما هجمش، هيق*تلونا كلنا.
الباب انفتح بعنف.
دخل رجل يحمل كشافًا وبندقية.
قبل أن يصرخ، كان النمر فوقه.
لكن رامي قفز فجأة وصرخ:
— محدش يضـ,ـرب نـ,ـار!
تجمد الرجال للحظة عندما رأوه.
سامح وقف خارج الباب، مصدومًا.
— رامي بيه… إنت عايش؟
خرج رامي من الظل، وجهه ملطخ بالدم والتراب، لكنه وقف باستقامة غريبة.
— واضح إن ده خيّب أمل ناس كتير.
ارتبك سامح، لكنه حاول التماسك.
— إحنا جايين ننقذك يا فندم.
ضحك رامي ضحكة قصيرة باردة.
— ببنادق صيد؟ ومن غير ما تبلغوا الشرطة؟ ومع نفس الرجالة اللي ربطوني في الشجرة؟
لم يرد سامح.
في تلك اللحظة عرف رامي أن زمن الغفلة انتهى.
قال بصوت منخفض:
— مين بعتك؟
رفع سامح بندقيته قليلًا.
— حضرتك تعبان ومصدوم. الأفضل تيجي معانا بهدوء.
تحرك النمر خطوة للأمام، فارتجف الرجال.
صرخ أحدهم:
— اضـ,ـربه يا سامح!
لكن سامح لم يطلق النار.
كان يعرف أن وجود رامي حيًّا يغيّر كل الحسابات.
قال رامي:
— بلغ كمال السيوفي إن اللعبة خلصت.
تغير وجه سامح تمامًا.
لم يعد يمثل.
قال ببرود:
— كنت أتمنى تموـ,ـت في الغابة بدل ما توصل للمرحلة دي.
رفع بندقيته نحو رامي.
وفي اللحظة نفسها، انطفأ الكشاف فجأة.
راوية كانت قد رمت عليه زجاجة زيت من خلف الباب.
اشتعل المكان بالفوضى.
زئير النمر شق الليل.
طلقات عشوائية مزقت جدار الكوخ.
رامي أمسك راوية من ذراعها وسحبها للخلف بينما النمر اندفع بين الرجال كظل من جـ,ـحيم.
صرخات.
ركض.
رصاص.
ثم صمت مفاجئ.
خرج رامي من الباب الخلفي مع راوية، وقلبه يدق كطبول حـ,ـرب.
بعد لحظات، لحق بهما النمر الأسود.
كان يعرج قليلًا.
صرخ رامي:
— هو اتصاب!
انحنت راوية بسرعة، ولمست كتفه.
— رصاصة سطحية… بس لازم نتحرك. هيجيبوا ناس أكتر.
قال رامي وهو يلهث:
— نروح فين؟
نظرت راوية إلى عمق الغابة.
— للمكان الوحيد اللي كمال السيوفي عمره ما قدر يوصله.
— فين؟
قالت وهي تبدأ السير:
— عرين النمور.
تبعها رامي مضطرًا، والنمر يسير بجانبه رغم ألمه.
كان الفجر بعيدًا، والغابة تزداد ظلامًا. لكن داخل رامي، ولأول مرة منذ عشرين عامًا، لم يكن الخوف وحده يتحرك.
كان هناك غضب.
غضب على عمه.
غضب على نفسه.
وغضب على عالم يق*تل البراءة ثم يبيع جلدها بالملايين.
بعد مسير طويل، وصلوا إلى وادٍ خفي خلف شلال صغير. كانت الصخور تحيط بالمكان من كل جهة، والأشجار متشابكة فوقه كأنها سقف طبيعي.
هناك، تحت ضوء القمر، رأى رامي شيئًا لم يتخيله.
آثار أقدام كثيرة.
عظام حيوانات.
مكان دافئ مخفي بين الصخور.
وعلى الجدار الصخري… رسوم قديمة محفورة بمخالب.
لكن ما جعله يتوقف حقًا كان شيئًا آخر.
في زاوية العرين، فوق قطعة قماش قديمة، كانت هناك أشياء بشرية محفوظة بعناية.
سيارة لعبة صغيرة.
زر قميص أزرق.
وسوار طفل مكتوب عليه: “آسر السيوفي.”
انكسر رامي من الداخل مرة أخرى.
اقترب ببطء، وحمل السوار بين يديه.
قالت راوية من خلفه:
— احتفظ بيهم طول السنين. كان يرجع لهم كل ما يسمع اسمك.
استدار رامي نحو النمر.
كان آسر واقفًا عند مدخل العرين، صامتًا، شامخًا، جريحًا، وموجوعًا بطريقة لا يفهمها إلا من سُـ,ـرق منه عمر كامل.
اقترب رامي منه ببطء.
— أنا هرجعلك حقك… حتى لو كان اللي قدامي عمي… حتى لو كانت البلد كلها ضدي.
نظر النمر إليه بعينيه الصفراوين.
ثم رفع رأسه وأطلق زئيرًا طويلًا.
زئيرًا لم يكن تهـ,ـديدًا هذه المرة.
بل عهدًا.
وفي قصر السيوفي، على بعد عشرات الكيلومترات، كان كمال السيوفي يقف أمام نافذة مكتبه، يمسك كأسًا من الزجاج، بينما يستمع إلى صوت سامح المرتجف في الهاتف.
— رامي بيه عايش… ومعاه النمر.
تجمد وجه كمال.
ثم أغمض عينيه وقال ببرود:
— إذن اقت*لوهما معًا.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— وقبل الفجر… احـ,ـرقوا الغابة.
يتبع
