
نظر إليها بدهشة
فأضافت
أنا هفضل مع بابا
خرج شريف من الشقة سريعًا
وبقيت أنا وأبي وندى والمحقق حسام الذي كان ما زال جالسًا بهدوء كأنه يعرف أن دوره لم ينته بعد
وقف حسام وأغلق الملف
ثم قال لي باحترام
أستاذ كريم أنا آسف إن التقرير اتقرأ بالشكل ده قدام عيلتك
قلت
أنت عملت شغلك
تردد قليلًا ثم قال
في نقطة لازم أقولها بوضوح
التقرير الأصلي كان قانوني في حدود البحث المهني العادي
لكن الطلبات الإضافية اللي جات من الجهة الممولة هي اللي دخلت في منطقة خطيرة
طلبوا الوصول لمراسلات خاصة
أسماء موظفين
مسارات تحرك
وأرقام مرتبطة بعقود حكومية
وأنا رفضت
وبلغت الجهة المختصة
نظر أبي إليه بصدمة
يعني فريدة كانت عايزة إيه بالظبط
قال حسام
كانت مصممة تثبت إن كريم كذاب
ولما التقرير أثبت العكس حاولت تحصل على معلومات أعمق بأي طريقة
أحسست بشيء ثقيل يستقر في صدري
لم يكن الألم فقط أن أمي لم تصدقني
بل أنها عندما وجدت الحقيقة لم تتوقف
بل حاولت اقتحام حياتي أكثر
كانت تريد فضحي حتى لو اضطرت لتجاوز القانون
سألته ندى بصوت خافت
ليه
ليه تعمل كده
لم يجب حسام
لكنه نظر إليّ كأنه يعرف أن الإجابة ليست في الملف
بل في تاريخ طويل من بيت كان يحتاج دائمًا إلى كبش فداء
بعد أن غادر حسام بقي الصمت يضغط علينا
أبي لم يرفع عينيه عن الطاولة
كنت أرى في وجهه انهيار صورة كاملة
صورة الزوجة القوية التي لا تخطئ
وصورة الابن الفاشل الذي استحق القسوة
وصورة نفسه كأب عادل
قال أخيرًا
أنا محتاج أفهم
قلت
تفهم إيه بالظبط
قال
إزاي قدرت تبني كل ده وإحنا ما نعرفش
ابتسمت بسخرية خفيفة
أنا بنيته بعيد عنكم عشان أعرف أبنيه
رفعت ندى رأسها
قلت لها ولأبي
فاكرين يوم تخرجي لما قلتلكم إني جالي عرض تدريب في شركة صغيرة في الإسكندرية
ضحكتوا وقولتوا شركة وهمية
فاكرين لما سافرت أول مرة مؤتمر في دبي وقلتوا إني رايح أدور على شغل في مطعم
فاكرين لما رفضت أشتغل مع خالي في المخزن وقولتوا عليا ناكر جميل
فاكرين كل مرة كنت أرجع البيت تعبان فتقولوا التمثيل مش هيأكل عيش
لم يجب أحد
أكملت وأنا أشعر أن الكلمات تخرج من مكان ظل مغلقًا سنوات
أنا اتعلمت
بدري إن مشاركتكم فرحتي بتقللها
كنت كل ما أجيب إنجاز ترجعوه لنكتة
كل ما أحاول أشرح تقاطعوني
كل ما أطلب ثقة تطلبوا إثبات
ولما أجيب إثبات تقولوا مزور
فبطلت أتكلم
أبي قال بصوت مبحوح
أنا كنت فاكر إني بشدك عشان تبقى راجل
نظرت إليه بحزن
لا يا بابا
إنت كنت بتكسرني عشان ترتاح لفكرة إنك فاهمني
تأثر وجهه لكنه ظل صامتًا
ندى بدأت تبكي
قالت
أنا آسفة يا كريم
والله آسفة
كنت بغير منك زمان
أمي كانت دايمًا تقول إنك مغرور وإنك شايف نفسك
علينا
وأنا صدقتها
قلت
المشكلة مش إنك صدقتيها
المشكلة إنك ما حاولتيش مرة تعرفيني بنفسك
بكت أكثر
لكنني لم أواسيها
ليس قسوة
بل لأنني كنت قد قضيت عمري أواسيهم من نتائج أفعالهم تجاهي
في تلك الليلة خرجت من بيت العائلة قبل منتصف الليل
أبي حاول أن يطلب مني البقاء لكنه لم يجد الكلمات
وقفت عند الباب ونظرت إلى السفرة التي تحولت من محاكمة لي إلى محاكمة لهم
ثم قلت
مش هقطعكم
بس مش هرجع أكون الشخص اللي تفرغوا فيه خوفكم وفشلكم وغضبكم
لو عايزين علاقة معايا
هتبدأ باحترام
مش بشك
مش بسخرية
مش بتفتيش
خرجت
ونزلت السلم بهدوء
في الخارج كان الهواء باردًا
ركبت سيارتي ولم أتحرك فورًا
بقيت جالسًا خلف المقود أراقب عمارة عائلتي من بعيد
كم مرة خرجت منها وأنا أشعر أنني صغير
كاذب
فاشل
كم مرة أقنعت نفسي أن المشكلة فيّ
أنني لو شرحت أكثر سيصدقون
لو نجحت أكثر سيحترمونني
لكن تلك الليلة علمتني أن بعض الناس لا يحتاجون دليلًا
بل يحتاجون أن يفقدوا سلطتهم عليك
رن هاتفي
كانت رسالة من رقم أمي
لم تكن
هي من كتبت غالبًا
ربما ندى
الرسالة تقول
ماما في القسم ومحتاجة محامي
أغمضت عيني
كان جزء مني يريد أن يتصل فورًا بأفضل مكتب محاماة أعرفه
لا لأنني نسيت ما فعلته
بل لأن الطفل داخلي ما زال يريد إنقاذ أمه
لكنني أمسكت نفسي
كتبت
خلي بابا يتصرف
ثم أغلقت الهاتف
في اليوم التالي انتشر الخبر داخل العائلة كالنار
لم يعرفوا التفاصيل الكاملة
لكنهم عرفوا ما يكفي ليصمتوا
اتصل بي خالي الذي كان يسخر مني دائمًا
قال بصوت مصطنع الود
يا كريم يا ابني إحنا
سمعنا كلام غريب بس أكيد الموضوع بسيط
أنت عارف أمك ست عصبية بس قلبها طيب
قلت
القلب الطيب لا يبرر الأذى
قال
برضه أمك
قلت
وأنا برضه ابنها
لم يجد ردًا
بعد ساعات اتصل عمي
ثم زوج خالتي
ثم ابن خالي الذي لم يكلمني منذ عامين
كلهم يريدون معرفة هل أنا فعلًا أملك شركة كبيرة
هل العقود الحكومية حقيقية
هل قيمتي المادية كما جاء في التقرير
وفجأة صار من كان يتجنب الجلوس بجانبي في الأفراح يسألني عن الاستثمار والتوظيف والفرص
لم أرد على أغلبهم
لأنني فهمت أن احترامهم الجديد ليس احترامًا لي
بل انحناء مؤقت أمام الرقم الكبير
ستة مليارات جنيه كانت بالنسبة لهم أقوى من اثني عشر عامًا من الصبر
في مكتبي صباح اليوم التالي كان كل شيء طبيعيًا بشكل غريب
الشاشات مضاءة
فريق العمل يتحرك
الاجتماعات تبدأ في موعدها
والعالم لم يتوقف لأن عائلتي اكتشفت حقيقتي
جلست في مكتبي الزجاجي المطل على المدينة
ونظرت إلى صورة صغيرة على الرف
لم تكن صورة عائلتي
بل صورة أول فريق عمل لي
خمسة شباب في غرفة ضيقة بلا تكييف
أجهزة مستعملة
وأحلام
كبيرة جدًا
تذكرت ليالي طويلة نمت فيها على الأرض
تذكرت أول عقد خسرناه
أول موظف بكى لأنه لم يستلم راتبه في موعده
وأول مرة وقعت عقدًا كبيرًا ولم أخبر أحدًا في البيت لأنني كنت أعرف أنهم سيجدون طريقة لتصغير اللحظة
دخلت عليّ مساعدتي سلمى وقالت
الاجتماع بعد عشر دقايق
ثم توقفت وسألت بهدوء
حضرتك كويس
نظرت إليها
كانت تعرف جزءًا من الأمر لأنها ساعدتني في التواصل مع الجهات القانونية بعد محاولة اختراق بيانات الشركة
قلت
كويس
ثم بعد لحظة أضفت
أو بحاول أكون كويس
ابتسمت باحترام
وقالت
ده كفاية النهارده
بعد الاجتماع تلقيت اتصالًا من محامي الشركة
قال إن التحقيقات الأولية أثبتت أن شركة الواحة للاستشارات لم تكن مجرد واجهة استخدمتها أمي
بل كان خلفها شخص آخر داخل الدائرة العائلية
شعرت ببرودة تجتاحني
سألته
مين
قال
شريف زوج أختك
توقفت أنفاسي للحظة
رغم أنني لم أحبه يومًا لم أتخيل أنه قد يصل إلى هذا الحد
سألته
متأكدين
قال
في تحويلات واتصالات بينه وبين مدير الشركة الوهمية
ويبدو أنه كان يحاول الحصول على معلومات عن شركتك لاستخدامها في صفقة منفصلة أو ابتزاز
لاحق
والدتك ربما اعتقدت أنها تطلب تقريرًا عائليًا
لكن شريف استغل الموضوع لأهداف أكبر
أغلقت الهاتف وأنا أشعر أن القصة لم تنته
بل بدأت للتو
اتصلت بندى
ردت بصوت متعب
كريم
قلت
شريف فين
سكتت
قلت بحدة
ندى فين شريف
قالت
خرج من الصبح ومردش على تليفونه
سألتها
كان ليه علاقة بشركة الواحة
طال صمتها
ثم قالت بخوف
أنا لقيت ورق في شنطته إمبارح
أسماء شركات
أرقام حسابات
وصور لعقود عليها اسم شركتك
قلبي انقبض
قلت
ما تلمسيش حاجة
صوري الورق وابعتِه للمحامي فورًا
قالت وهي تبكي
هو كان بيستخدم ماما
قلت
واضح
قالت
وأنا كنت عايشة معاه ومش شايفة
لم أقل لها كما لم تري أخاك طوال سنوات
لم يكن هذا وقت الحساب
قلت فقط
خدي بالك من نفسك ومن الأولاد
في المساء جاءت ندى إلى مكتبي لأول مرة في حياتها
كانت ترتدي ملابس بسيطة ووجهها خال من المكياج
بدت أصغر وأضعف من صورتها الدائمة في البيت
جلست أمامي ووضعت فلاشة صغيرة على المكتب
قالت
كل اللي لقيته
ثم أضافت بصوت مكسور
أنا مش جاية أطلب منك تنقذني
أنا جاية أصلح جزء صغير من اللي بوظناه
نظرت إليها طويلًا
ثم أخذت الفلاشة
قالت
شريف كان دايمًا يقول إنك بتكدب وإنك أكيد مخبي مصيبة
كان بيشجع ماما كل يوم إنها تكشفك
وأنا كنت بضحك معاهم
كنت فاكرة الموضوع هزار
بس طلع هو اللي كان بيدور على حاجة يسـ,ـرقها
قلت
الطمع بيشم النجاح حتى لو العيلة نفسها مش شايفاه
بكت بصمت
ثم قالت
هل ممكن في يوم تسامحني
لم أجب فورًا
لأن الغفران كلمة
سهلة على لسان من لم يتأذ
لكنها ثقيلة على من قضى عمره يجمع بقاياه
قلت
ممكن
بس مش دلوقتي
ومش بالكلام
هزت رأسها
وقالت
أنا فاهمة
بعد خروجها فتحت الفلاشة مع الفريق القانوني
ما وجدناه كان أخطر مما توقعت
شريف كان يحاول التواصل مع منافس أجنبي لشركتي
يعرض عليهم معلومات عن العقود الحكومية مقابل عمولة ضخمة
وكان يظن أن أمي بتقريرها العائلي ستكون غطاء مثاليًا
لو كُشف الأمر سيبدو كخلاف عائلي سخيف
لا محاولة منظمة للحصول على أسرار تجارية وأمنية
في تلك اللحظة شعرت بالغضب
الحقيقي
ليس لأنهم شكوا فيّ
بل لأن جشعهم كان يمكن أن يعرّض موظفيني وشركتي وبلدي لمشكلة كبيرة
هذه المرة لم يكن الأمر عائليًا فقط
كان تجاوزًا لا يمكن التسامح معه
طلبت من المحامي تسليم كل الأدلة فورًا للجهات المختصة
وسألني
حتى لو ده هيورط زوج أختك بشكل مباشر
قلت
خصوصًا لأنه زوج أختي
الحدود التي لا تطبق على القريب لا قيمة لها
بعد يومين تم القبض على شريف
لم أكن حاضرًا
لكن ندى اتصلت بي بعد ذلك وهي تبكي
لم تقل ساعده
لم تقل الأولاد
فقط قالت
كان لازم يحصل
حينها عرفت أنها بدأت ترى الحقيقة أخيرًا
أما أمي فخرجت بكفالة على ذمة التحقيق
رفضت مقابلتي في البداية
ثم طلبتني بعد أسبوع
ذهبت إلى بيت العائلة وأنا أعرف أن هذه المقابلة ستحدد شكل ما تبقى بيننا
كانت جالسة في الصالون
بدون مكياج
شعرها غير مرتب
وأبي يجلس بعيدًا عنها كأن بينهما سنوات من الصمت ظهرت فجأة
نظرت إليّ وقالت
إنت جاي تشوفني مكسورة
قلت
لا
أنا جاي أسمع لو عندك حاجة حقيقية تتقال
عضت شفتها
ثم قالت
أنا
كنت خايفة عليك
كدت أضحك
لكنني لم أفعل
قلت
الخوف لا يفسر الرشوة ولا التجسس ولا الإهانة قدام العيلة
اشتعلت عيناها للحظة كعادتها القديمة
ثم انطفأت
قالت بصوت منخفض
كنت خايفة تكون بتضحك علينا
كنت خايفة الناس تقول ابني فاشل وأنا مش شايفة
كنت خايفة إنك تبقى أحسن من الصورة اللي رسمتها لك
الجملة الأخيرة سقطت بيننا كاعتراف لم تتوقع هي نفسها أن تقوله
رفعت عيني إليها
قالت وهي تنظر إلى الأرض
من وأنت صغير كنت مختلف
هادي
عنيد
ما بتحبش تشرح كتير
أبوك كان شايفك ضعيف
وأنا كنت بضغط عليك عشان تبقى قوي
وبعدين لما كبرت وبعدت… حسيت إنك بتعاقبني
كل نجاح كنت بتخبيه كان يوجعني
فقلت لنفسي أكيد مفيش نجاح أصلًا
أسهل أصدق إنك كذاب من إني أصدق إن ابني نجح بعيد عني
كان الاعتراف قاسيًا
ليس لأنه برأها
بل لأنه أكد أن أذاها لم يكن غباءً فقط
كان كبرياءً مريضًا
قلت
أنا لم أخبئ نجاحي عشان أعاقبك
خبّيته عشان أحميه منك
رفعت وجهها إليّ وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع
قالت
وأنا خسرتك
قلت
خسرتي حقك في التحكم فيّ
أما وجودي في حياتك فله شروط من النهارده
أبي تحرك في مكانه
قلت وأنا أنظر إليهما معًا
لا تفتيش
لا سخرية
لا استدعاءات عائلية لمحاكمتي
لا تدخل في شغلي
لا طلبات مال باسم القرابة
ولا استخدام لكلمة أم أو أب كترخيص للأذى
أمي بكت بصمت
أما أبي فقال بصوت مكسور
وأنا يا كريم
نظرت إليه
كنت أنتظر هذه اللحظة منذ كنت طفلًا
أن يسأل أبي عن مكانه في جـ,ـرحي
قلت
إنت محتاج تعتذر عن كل مرة وقفت تتفرج
مش بس عن اللي قلته
عن اللي سمحت بيه
انحنى رأسه
وقال بصوت بالكاد سمعته
أنا
آسف
لم أشعر بانتصار
بل بحزن عميق
كم تمنيت أن أسمعها وأنا في العشرين
قبل أن أتعلم أن أبني نفسي دون سند
قبل أن يصبح الاعتذار متأخرًا لكنه ضروري
نهضت بعد قليل
أمي سألت
هتيجي تاني
