
بعد سنة كاملة من انهيار زواجي كنت أظن أنني وصلت أخيرًا إلى المنطقة الآمنة من حياتي، تلك المنطقة التي يصبح فيها الألم مجرد ذكرى بعيدة لا توقظك في الثالثة صباحًا ولا تجعلك تتوقف فجأة وأنت تسمع اسمًا يشبه اسم الخائن، كنت أذهب إلى عملي في القاهرة الجديدة كل صباح، أعود إلى شقتي المطلة على النيل كل مساء، أتناول عشائي وحدي أحيانًا مع موسيقى هادئة، وأحيانًا مع أبي حين يصر على زيارتي حاملاً أكياس الفاكهة وكأنه ما زلت طفلة تحتاج من يطمئن أنها تأكل جيدًا، بدأت أضحك من جديد، ليس كثيرًا، لكن بما يكفي لأشعر أنني ما زلت حية، وفي بعض الليالي
كنت أقف أمام المرآة وأتأمل وجهي وأسأل نفسي كيف نجوت من كل ذلك الخراب دون أن أفقد عقلي، كنت أظن أن النهاية حدثت بالفعل، وأن قصة يارا وكريم أصبحت خلفي، لكنني كنت مخطئة، لأن بعض القصص لا تنتهي حين يخرج الناس من حياتك، بل حين يخرج أثرهم من روحك، وذلك لم يكن قد حدث بعد.
في مساء بارد من شهر نوفمبر كنت أستعد للنوم حين رن هاتفي برقم مجهول، تجاهلت الاتصال في البداية، لكنه عاد مرة ثانية وثالثة، وعندما أجبت أخيرًا جاءني صوت امرأة تبكي بشكل هستيري، استغرق الأمر ثواني حتى أدركت أنها يارا، كانت تتنفس بصعوبة وتقول:
ملك أرجوكي ساعديني، شعرت بقبضة باردة تعتصر معدتي، لم أسمع صوتها منذ شهور طويلة، منذ رأيتها تحمل طفلها أمام الشركة، قلت ببرود: إيه اللي حصل؟ انفجرت في البكاء أكثر وقالت: كريم اختفى، اعتقدت في البداية أنني لم أسمع جيدًا، سألتها: يعني إيه اختفى؟ قالت وهي تلهث: خرج من البيت من تلات أيام ومارجعش، تليفونه مقفول، والمحامي بيقول فيه حكم ممكن يتنفذ عليه قريب، وأنا مش عارفة أعمل إيه، أغمضت عيني وأنا أشعر بالإرهاق، حتى بعد كل شيء ما زالا يجدان طريقة لجرّي إلى فوضاهما، قلت: وعايزاني أعمل إيه؟ سكتت للحظة ثم قالت بصوت صغير:
إنتي الوحيدة اللي ممكن يعرف يتواصل معاها، ضحكت بمرارة، الرجل الذي خانني وسرق شركتي ونام مع أعز صديقة لي، أصبح الآن مسؤوليتي لأنني يومًا أحببته، قلت: يارا أنا طلعت نفسي من الدوامة دي بالعافية، مش هرجع لها تاني، لكنها صرخت فجأة: عندي ابن يا ملك، ابن بريء مالوش ذنب، لو كريم اتسجن أو هرب إحنا هنضيع، للحظة قصيرة شعرت بشفقة موجعة على الطفل الصغير الذي جاء إلى الدنيا وسط كل هذا الخراب، لكن الشفقة شيء والعودة إلى الجحيم شيء آخر، قلت بهدوء:
لو كريم هرب فده قراره، ولو اتسجن فده نتيجة اللي عمله، وأنا مش مسؤولة أصلح حياة ناس كسرت حياتي، ثم أغلقت الهاتف.
ظننت أن الأمر انتهى عند هذا الحد لكن في صباح اليوم التالي بينما كنت أراجع بعض الملفات في مكتبي دخلت سكرتيرتي وهي متوترة وقالت إن هناك رجلًا يصر على رؤيتي، وحين رفعت رأسي ورأيته واقفًا عند الباب شعرت بقلبي يهبط إلى قدمي، كان كريم، لكنه لم يكن الرجل نفسه الذي عرفته يومًا، كان هزيلًا بشكل مخيف، لحيته طويلة، وعيناه غائرتان كأن النوم هجره منذ شهور، وقف صامتًا للحظات ثم قال:
محتاج أتكلم معاكي، بقيت أنظر إليه دون رد، كل الذكريات مرت أمامي بسرعة، يوم زفافنا، يوم خيانته، يوم انهياره في المحكمة، ثم قلت ببرود: عندك خمس دقايق، جلس أمامي ببطء وأخذ يتأمل المكتب الجديد، الصور، الشهادات، كل شيء كان يبدو وكأنه يراه لأول مرة، ثم قال بصوت مكسور: إنتي بقيتي أقوى، لم أعلق، فقال: وأنا خسرت كل حاجة، قلت دون تعاطف: دي نتيجة طبيعية، ابتسم بسخرية وقال:
كنت فاكر إن يارا تستاهل، أو إن المغامرة تستاهل، أو إن الفلوس تستاهل، وفي الآخر صحيت لقيت نفسي لوحدي، حتى هي بقيت تبصلي كأني لعنة، شعرت بالغضب يتسلل إلى صدري، ليس لأنه يعاني، بل لأنه ما زال يتحدث وكأن الحياة ظلمته بدل أن يعترف أنه هو من دمرها بيده، قلت: إنت جيت هنا ليه؟ نظر إلي طويلًا ثم قال: عايز أعتذر بجد المرة دي، ليس لأنني أريد العودة، ولا لأنني أحتاج فلوس، أنا عارف إن خلاص انتهينا، بس أنا بقيت مش قادر أعيش بثقل اللي عملته، ساد الصمت بيننا للحظات، ثم قلت:
الاعتذار الحقيقي مش كلام، الاعتذار إنك تواجه نتيجة أفعالك بدل ما تهرب، انخفض رأسه وقال: أنا تعبت يا ملك، تعبت من الخوف والجري، كانوا يدورون عليه لتنفيذ الحكم، وبعض المستثمرين رفعوا قضايا أخرى بعد اكتشاف التلاعبات المالية، كان يعلم أن السقوط الكامل اقترب، لكنه بدا كمن فقد حتى الرغبة في المقاومة، وقبل أن يغادر وقف عند الباب وقال: تعرفي أكتر حاجة كسرتني؟ سألته بنفاد صبر: إيه؟ قال: إني كل ما أبص لابني أحس إني خايف يبقى شبهي، ثم خرج.
بعد أسبوع وصلني خبر القبض عليه في الإسكندرية أثناء محاولته السفر بطريقة غير قانونية، قرأت الخبر على شاشة هاتفي وأنا جالسة في اجتماع مهم، لم أشعر بالشماتة كما توقعت، فقط شعرت بثقل قديم ينزاح أخيرًا من فوق صدري، انتهى الأمر، أو هكذا ظننت، لكن الحياة كانت تجهز لي شيئًا آخر.
في ليلة ممطرة كنت عائدة إلى المنزل حين لاحظت سيارة سوداء تقف أسفل العمارة، لم أهتم في البداية، لكن عندما صعدت إلى شقتي وجدت بابها مفتوحًا قليلًا، تجمد الدم في عروقي، دفعت الباب بحذر ودخلت، كانت الأنوار مطفأة، والصالة هادئة بشكل غريب، التقطت هاتفي بسرعة وكدت أطلب الشرطة حين سمعت صوتًا مألوفًا يأتي من الداخل: ملك، لا تخافي، شعرت بقلبي يتوقف، كان صوت يارا، دخلت غرفة المعيشة فوجدتها جالسة على الأرض تبكي بينما طفلها نائم بجوارها على الأريكة، كانت شاحبة ومرهقة بشكل صادم، قلت بغضب: إنتِ دخلتي بيتي إزاي؟ قالت وهي تمسح دموعها:
البواب طلعني لما قلتله إني صاحبتك، كدت أصرخ فيها لكن منظرها أوقفني، لم تعد تلك المرأة المتأنقة الواثقة التي كانت ترتدي روب الحرير في غرفتي، كانت مكسورة تمامًا، قالت بصوت مرتعش: أنا مش لاقية حد ألجأله، سألتها ببرود: وأهلك؟ قالت: أمي طردتني لما عرفت إن كريم اتقبض عليه، وأبوه رافض يعترف بالولد، وأنا… أنا خلاص تعبت، نظرت إليها طويلًا وأنا أشعر بصراع داخلي مرهق، جزء مني أراد أن يطردها فورًا كما طردتني هي من حياتها، وجزء آخر كان يرى امرأة دفعت ثمن اختياراتها بالكامل، جلست أمامها وسألت: ليه جيتيلي أنا؟ نظرت إلي بعينين حمراوين وقالت:
لأنك الوحيدة اللي رغم كل حاجة عمرك ما كنتي قاسية، ضحكت بمرارة، يا للمفارقة، طيبتي التي استغلتها لسنوات أصبحت الآن آخر باب تطرقه، قالت وهي تبكي: أنا عارفة إني ما استحقش أي رحمة منك، بس ابني مالهش ذنب، نظرت إلى الطفل الصغير النائم ببراءة وشعرت بشيء ينكسر داخلي، الطفل كان يشبه كريم بشكل مرعب، نفس العينين، نفس ملامح الوجه حين ينام، للحظة قصيرة رأيت شبح الرجل الذي أحببته يومًا قبل أن يتحول إلى شخص آخر.
سمحت لها بالبقاء تلك الليلة فقط، أو هكذا أقنعت نفسي، لكن الليلة تحولت إلى أسبوع، ثم إلى أسبوعين، كنت أستيقظ أحيانًا فأجدها تنظف المطبخ بصمت أو تعد الإفطار وكأنها تحاول دفع ثمن الهواء الذي تتنفسه، لم نكن نتحدث كثيرًا، كانت بيننا فجوة كبيرة من الألم والخيانة، لكن وجود الطفل غيّر إيقاع البيت، ضحكاته الصغيرة كانت تكسر الصمت، وفي بعض الليالي كنت أسمع يارا تبكي في الحمام بصوت مكتوم حتى لا أسمعها، وفي مرة وجدتها تنظر إلى صورتي القديمة مع كريم المعلقة في إطار قديم كنت قد نسيته داخل صندوق، سألتها دون تفكير: ندمانة؟ أغلقت الإطار بسرعة وقالت:
كل يوم، ثم انفجرت بالبكاء، قالت: كنت فاكرة إني لو أخدت حياتك هبقى سعيدة، بس الحقيقة إني ماكنتش عايزة كريم، أنا كنت عايزة أبقى مكانك، كلامها صدمني رغم أنني كنت أعرفه بطريقة ما، بعض الناس لا يريدون الحب، بل يريدون أن يكونوا الشخص الذي يحصل على الحب، قالت وهي تنظر إلى الأرض: طول عمري بحس إني أقل منك، إنتِ بنت رجل غني ومحترم، ذكية، ناجحة، وكل الناس بتحبك، وأنا كنت دايمًا مجرد صاحبتك، قلت بهدوء متعب: وأنا طول عمري كنت بعتبرك أختي، رفعت عينيها نحوي وقالت: عارفة، وده اللي بيخليني أكره نفسي أكتر.
مرت الشهور ببطء، وقضية كريم استمرت، وحُكم عليه بالسجن عدة سنوات بعد ثبوت التهم، يوم النطق بالحكم لم أذهب، لكن يارا ذهبت، وعادت في المساء منهارة تمامًا، قالت إنه حين رآها في القاعة لم يطلب منها السماح ولا البكاء، فقط طلب أن يرى ابنه مرة أخيرة قبل نقله، حملت طفلها وذهبت إليه في الزيارة التالية، وحين عادت كانت صامتة بشكل غريب، وفي الليل دخلت غرفتي وقالت: كريم قال حاجة لازم تعرفيها، أغلقت الكتاب الذي كنت أقرأه ونظرت إليها، قالت: قال إن أكتر لحظة ندم عليها في حياته كانت لما شافك حاطة خاتمك في إيدي وما صرختيش، سكتت للحظة ثم أضافت:
قال إنه وقتها فهم إنه خسر إنسانة مستحيل تتكرر، شعرت بوخزة ألم صغيرة، ليس حبًا فيه، بل حزنًا على كل شيء كان يمكن أن يكون مختلفًا لو أنه لم يختر الخيانة، قلت: متأخر، هزت رأسها وقالت: عارفة.
بدأت علاقتي بيارا تتغير بشكل بطيء ومربك، لم تعد صداقة كما كانت، وربما لن تعود أبدًا، لكنها لم تعد أيضًا تلك الحرب المسمومة، كنا امرأتين نجتا من نفس الحريق بطرق مختلفة، وفي إحدى الليالي بينما كنا نشرب الشاي في الشرفة سألتني فجأة: لو الزمن رجع بيكي، كنتِ هتسامحيني أول مرة؟ فكرت طويلًا ثم قلت: لا، اتسعت عيناها بصدمة، فأكملت:
لأن السماح وقتها ما كانش نابع من قوة، كان نابع من خوفي من الوحدة ومن خسارتك، وأنا دفعت تمن ده غالي، ابتلعت ريقها وقالت: وأنا استغليت ده، قلت بهدوء: أيوه، ثم ساد الصمت بيننا.
بعد عامين تقريبًا خرجت يارا من حياتي مرة أخرى لكن بطريقة مختلفة، استأجرت شقة صغيرة وبدأت تعمل من المنزل في تصميم الجرافيك، كانت تحاول بناء حياة مستقلة لأول مرة دون رجل تعتمد عليه أو امرأة تنافسها، وقبل أن تغادر وقفت عند باب شقتي وقالت: عمري ما هعرف أصلح اللي عملته، بس شكرًا إنك ما سيبتينيش أموت، نظرت إليها طويلًا ثم قلت:
أنا ما أنقذتشِك، إنتِ اللي قررتي أخيرًا تبطلي تدمري نفسك، ابتسمت وسط دموعها وغادرت.
أما أنا فقد بدأت أسمح للحياة أن تقترب مني مرة أخرى، ليس بسرعة، لكن بصدق، تعرفت إلى رجل اسمه عاصم في مؤتمر للعمل، كان هادئًا، مطلقًا، لديه ابنة صغيرة، وأكثر ما شدني فيه أنه لم يحاول أبدًا إنقاذي أو امتلاكي، كان فقط موجودًا بهدوء واحترام، وفي أول مرة أخبرته فيها عن كريم ويارا لم يقاطعني بنصائح فارغة، فقط قال: الخيانة تكشف معدن الناس، لكنها لا تحدد قيمة اللي اتخان، تلك الجملة بقيت عالقة في قلبي طويلًا.
في مساء ربيعي بعد سنوات من كل شيء كنت أقف في شرفة بيتي الجديد، نعم بيت جديد، ليس الفيلا القديمة، وليس شقة النجاة الأولى، بل منزل اخترته بالكامل بنفسي، جاءتني رسالة على الهاتف من رقم غير محفوظ، فتحتها بحذر، كانت صورة لكريم داخل ورشة السجن، يبدو أكبر سنًا وأكثر هدوءًا، وتحت الصورة رسالة قصيرة: أنا أخيرًا فهمت إن الله ما انتقمش مني لما خسرتك، الله انتقم مني لما خلاني أشوف قيمتك بعد فوات الأوان، بقيت أنظر إلى الرسالة طويلًا، ثم أغلقت الهاتف دون رد، لم أعد بحاجة إلى اعترافاته أو ندمه أو حبه، لأنني أخيرًا لم أعد أحتاج شيئًا منه.
وفي تلك الليلة جلست وحدي أمام المرآة أتأمل وجهي الذي تغير كثيرًا عبر السنين، رأيت خطوطًا صغيرة حول عيني لم تكن موجودة من قبل، ورأيت امرأة مختلفة تمامًا عن تلك التي نزعت خاتمها وسلمته لصديقتها ثم خرجت تبكي في الشارع، تلك المرأة القديمة كانت تظن أن نهاية الحب تعني نهاية الحياة، أما أنا الآن فكنت أعرف أن بعض النهايات ليست موتًا، بل ولادة مؤلمة فقط، وأن الله أحيانًا يكسر قلبك لينقذك من عمر كامل مع الأشخاص الخطأ، وأن الدعاء الذي خرج من قلبي ليلة الخيانة لم يكن مجرد طلب انتقام، بل كان طلب نجاة، وقد نجاني الله فعلًا، ليس فقط منهم،
بل من نفسي القديمة أيضًا.

