Advertisements
Advertisements
منوعات

صديقتي العزيزه اسما السيد-1

Advertisements

سامحت أعز صديقة لي بعدما واعدت خطيبي… وبعد سنوات، عندما وجدتها شبه عارية مع زوجي، نزعتُ خاتم زفافي من إصبعي وسلمته لها… ثم رحلت وتركت الله ينتقم لي..وقد سمع الله دعائي ولم ينتظر..
“أقسم بالله… إنتِ فاهمة الموضوع غلط!”
صرخت “يارا” وهي تبكي عندما ضبطتُها مع خطيبي داخل شقة العرس التي نجهزها في القاهرة.
كنت أتوقع الخيانة من أي شخص… إلا منها.
خمسة عشر سنة كاملة، ويارا موجودة في كل تفصيلة من حياتي…كبرنا معًا في شوارع المعادي، وتقاسمنا الأسرار والأحلام والدموع..دكنت أحبها كأنها أختي.
“كنت باختبره بس!”قالتها وهي ترتجف بعد أن انكشف أمرهما.
“كنت بحاول أحميكي منه!”
قطعتها من حياتي ثلاث سنوات كاملة.
والصدمة وقتها لم تدمر قلبي فقط… بل خسرت عملي أيضًا، لأنني رحلت من البلد باكملها..
وعندما أُصيب والدي بالسرطان عدت ، وظهرت يارا فجأة في مستشفى بمدينة نصر باقة ورد وعينيها مليئتين بالندم.
همست وهي تضع الورود بجوار سريره:
“أنا ما استحقش حتى أقعد هنا… لكني مش همشي إلا لو طردتيني بنفسك.”ولم أطردها.
ربما لأن الحزن يجعل الإنسان أضعف من أن يحمل الكراهية.
أو لأنني كنت متعبة جدًا من وجع السنين…سامحتها.
ومرت السنوات ببطء.
تزوجتُ “كريم”، وكانت يارا تبكي طوال حفل زفافي، وكأنها أكثر شخص سعيد لي…حتى جاء الخميس الماضي.
“حبيبي، نسيت جواز سفرك في عربيتي.”
أرسلت الرسالة إلى كريم…كان من المفترض أن يسافر إلى دبي في رحلة عمل، لكن الغريب أنه لم يرد على اتصالاتي منذ أكثر من ساعة.عدتُ إلى الفيلا مبكرًا…
وهناك رأيت سيارة يارا الحمراء أمام البيت.
ثم سمعت ضحكتها تخرج من غرفة نومي.توقفت أنفاسي.
اقتربت ببطء من الباب نصف المفتوح… ونظرت إلى الداخل.
كانت يارا ترتدي روب الحرير الخاص بي، وكتفها العاري ظاهر بوضوح…أما كريم، فكان خلفها مباشرة وقميصه مفتوح.
شهقت عندما رأتني:”إنتِ رجعتي بدري ليه؟!”
واضح جدًا أنني قاطعتُهما في أسوأ لحظة ممكنة.
بهدوء غريب… نزعت خاتم زفافي من إصبعي ووضعته في كفها.ثم قلت:
“خديه… أصلا طول عمرك نفسك في أي حاجة تخصني.”
جمعت أهم أشيائي وغادرت البيت دون كلمة إضافية.
وعندما توقفت أخيرًا عن البكاء… أجريت مكالمة واحدة فقط غيّرت كل خططهما.وفي صباح اليوم التالي…
كان كريم ويارا يطرقان باب شقتي بعنف ويصرخان:
“إزاي تعملي فينا كده؟!”
لايفي صباح اليوم التالي كان كريم ويارا يطرقان باب شقتي بعنف ويصرخان من خلف الباب كأنهما هما الضحيتان وأنا الجلاد، وقفت في منتصف الصالة الصغيرة التي استأجرتها ليلة أمس في مدينة نصر، حافية القدمين، مرتدية نفس الملابس التي خرجت بها من الفيلا، عيني منتفختان من البكاء، لكن قلبي كان غريبًا ساكنًا، ساكنًا بطريقة أخافتني أنا نفسي، لأنني في المرة الأولى حين خانتني يارا مع خطيبي القديم كنت قد انهرت وصرخت ورميت الأشياء وبكيت حتى فقدت القدرة على الكلام، أما هذه المرة فقد كان داخلي صامتًا مثل مقبرة، طرقت يارا الباب مرة أخرى وهي تصرخ: افتحي يا ملك، إحنا لازم نتكلم، سمعت صوت كريم بعدها يقول بعصبية: اللي عملتيه ده جنان، إنتي كده بتخربي بيتك بإيدك، ضحكت دون صوت، بيتي؟ أي بيت؟ البيت الذي كانت صديقتي ترتدي فيه روب نومي بينما زوجي يقف خلفها بقميص مفتوح؟ البيت الذي بنته ثقتي وسكنته خيانتهما؟ اقتربت من الباب ولم أفتحه، فقط قلت بصوت هادئ: امشوا قبل ما أطلب الشرطة، صمتا لحظة، ثم قال كريم بنبرة مهددة: الشرطة؟ إنتي ناسية إن الفيلا باسمي؟ وإن كل حاجة تقريبًا باسمي؟ فتحت الباب حينها ببطء، لا لأنني خفت، بل لأنني أردت أن أرى وجهه وهو يكرر كذبة القوة للمرة الأخيرة، كان واقفًا أمامي بملابس غير مرتبة، وجهه شاحب، وعيناه حمراوان من قلة النوم، أما يارا فكانت خلفه ترتدي نظارة سوداء كبيرة تخفي نصف وجهها، لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاش شفتيها، نظرت إليهما بهدوء وقلت: الفيلا باسمك فعلًا يا كريم، لكن الشركة مش باسمك، والحسابات اللي كنت بتسحب منها مش باسمك، والعقود اللي استخدمتها عشان تقنع المستثمر الإماراتي إنك شريك رئيسي اتسحبت من الإدارة القانونية الساعة تسعة الصبح، وبما إنك كنت مسافر دبي النهارده علشان تمضي اتفاق توسع باسم الشركة من غير تفويض، فالمكالمة اللي عملتها امبارح كانت لرئيس مجلس الإدارة، بابا، رأيت لون وجه كريم يتغير في لحظة، أما يارا فخلعت النظارة ببطء وكأنها لا تصدق، همست: إنتي قلتي لباباك؟ نظرت لها وقلت: لا، أنا وريته، وريته صور دخولك الفيلا، ورسائل كريم، وتحويلات الفلوس اللي كانت رايحة على حسابك باسم استشارات تسويقية وهمية، وريته كمان إن جواز السفر اللي نسيه في عربيتي كان جواه نسخة من عقد سفر مشبوه باسم شركة منافسة، كريم مد يده كأنه يريد أن يمسكني من ذراعي، فتراجعت خطوة ورفعت هاتفي أمامه، قلت: خطوة كمان وهتلاقي التسجيل ده عند المحامي، كان صوته يرتعش وهو يقول: ملك، اسمعيني، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، نفس الجملة، نفس الجملة القديمة التي قالتها يارا يوم وجدتها مع خطيبي داخل شقة العرس، شعرت أن الزمن يعيد نفسه بسخرية قاسية، لكن هذه المرة لم أكن البنت الصغيرة التي تصدق دموع الناس، قلت ببرود: عارف يا كريم؟ أسوأ حاجة في الخيانة مش إنها بتوجع، أسوأ حاجة إنها بتكشف قد إيه الإنسان كان غبي وهو بيدافع عن ناس ما تستاهلش، يارا اندفعت نحوي فجأة وقالت: أنا غلطت، آه غلطت، بس إنتي كمان كنتي دايمًا واخدة كل حاجة، أبوكي، الشغل، الفلوس، الحب، حتى كريم، دايمًا الرجالة بيختاروكي، وأنا كنت واقفة في ضلك، نظرت إليها طويلًا، إلى المرأة التي بكيت على كتفها يوم دفن أمي، والتي أمسكت يدي في المستشفى يوم كان أبي يتلقى العلاج، والتي سامحتها بعدما كسرت قلبي أول مرة، وسألتها بصوت مبحوح: يعني علشان كنتي حاسة إنك في ضلي، قررتي تسرقي حياتي بدل ما تعملي حياة لنفسك؟ صرخت: أنا ما سرقتش حاجة، هو اللي حبني، التفتُّ إلى كريم وسألته: حبيتها؟ لم يجب، ويارا نظرت إليه بسرعة تنتظر الكلمة التي ستنقذ كرامتها، لكنه أنزل عينيه إلى الأرض، وهنا فقط فهمت هي أيضًا أنها لم تكن حبًا، كانت مجرد ثغرة، مجرد رغبة، مجرد وسيلة رخيصة ليشعر كريم أنه ما زال مرغوبًا ومسيطرًا، ابتسمت بحزن وقلت لها: حتى في الخيانة طلعتي خسرانة، ثم أغلقت الباب في وجهيهما، وتركت صراخهما خلفه يتحول إلى ضجيج بعيد.

في نفس اليوم بدأت العاصفة الحقيقية، لم يكن انتقامي أن أفضحهما على مواقع التواصل أو أصرخ في العائلة أو أرسل صورًا لأمه، لم أكن أريد انتقامًا رخيصًا، كنت أريد أن يرى كل منهما نتيجة اختياراته كاملة، كريم كان يعمل في شركة أبي كمدير تطوير، وأنا التي رشحته للمنصب بعد زواجنا، دافعت عنه أمام الإدارة حين قالوا إنه متسرع ومغرور، غطيت أخطاءه حين خسر أول صفقة، ووقفت بجانبه حين بدأ يتعامل مع أموال الشركة وكأنها امتداد لحسابه الشخصي، لم أكن غبية تمامًا، كنت أرى علامات، لكنني كنت أقول لنفسي إن الزواج يحتاج صبرًا، وإن الرجل تحت ضغط، وإن الحب يعني أن نستر

على من نحب، لكن ليلة رأيت يارا في غرفة نومي، كل الأعذار ماتت، وفي الصباح حين وصل كريم إلى الشركة وجد بطاقته موقوفة، بريده الإلكتروني مغلقًا، ومكتبه خاليًا من الملفات، كان هناك خطاب رسمي بفتح تحقيق داخلي في مخالفات مالية وتضارب مصالح وتسريب بيانات، أما يارا، فقد كانت تعتمد منذ عامين على عقود وهمية مررها لها كريم من ميزانية الحملات الإعلانية، وكانت تظن أن الأمر مجرد فلوس سهلة لا يراجعها أحد، لكنها لم تكن تعرف أن أبي، رغم مرضه السابق وتعبه، كان من النوع الذي يترك الحبل طويلًا فقط ليرى من سيشنق نفسه به.

في المساء اتصلت بي حماتي، أم كريم، بصوت مكسور، قالت: يا بنتي، هو أكيد غلط، بس البيوت ما تتخربش كده، أغمضت عيني وأنا أستمع إلى جملة سمعتها نساء كثيرات قبلي، البيوت لا تخرب حين يخون الرجل، بل تخرب حين تتكلم المرأة، قلت لها بهدوء: يا طنط سامية، البيت اتخرب لما ابنك دخل صاحبتي أوضة نومي، مش لما أنا رفضت أسكت، بكت وقالت: والفضيحة؟ قلت:

الفضيحة إنه عمل كده، مش إني عرفت، ثم أنهيت المكالمة وأنا أشعر أنني أقطع آخر خيط كان يربطني بتلك العائلة، في اليوم التالي أرسل لي كريم عشرات الرسائل، مرة يعتذر، مرة يهدد، مرة يقول إنه كان ضعيفًا، ومرة يقول إن يارا أغرته، ثم في رسالة طويلة كتب: إنتي عارفة إني بحبك، بس إنتي كنتي مشغولة عني طول الوقت، باباكي والشركة ومشاكلك، يارا كانت بتسمعني، قرأت الرسالة وأنا جالسة بجوار أبي في مكتبه، ثم ناولته الهاتف، قرأها بصمت، وبعد لحظة قال:

الرجل الذي يبرر خيانته بتعب زوجته لا يؤتمن على كوب ماء، لم أستطع منع دموعي، فمد يده وأمسك يدي، أبي الذي نجا من السرطان، والذي ظننت أنني سأحميه من صدمة جديدة، كان أقوى مني، قال: سامحتيها مرة فاعتبرت السماح ضعفًا، لكن ربنا أحيانًا يكشف الناس في اللحظة المناسبة قبل ما يضيعوا ما تبقى من عمرك.
مرت ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع اتصلت بي امرأة لا أعرفها، قالت إن اسمها دينا، وإنها كانت تعمل مساعدة ليارا في مشروع سابق، ترددت كثيرًا قبل أن تتحدث، ثم قالت:

أستاذة ملك، أنا عارفة إن الوقت صعب، بس في حاجات لازم تعرفيها، يارا ما دخلتش حياتك تاني صدفة وقت مرض والدك، هي كانت عارفة إنك هترجعي مصر، وكانت محتاجة ترجع لك بأي طريقة، سألتها وقلبي ينقبض: تقصدي إيه؟ قالت: كانت دايمًا بتقول إنك محظوظة زيادة عن اللزوم، وإنها هتاخد مكانها الطبيعي جنب الناس اللي فوق، وقتها ظننتها مجرد غيرة، لكن لما عرفت كريم في فرحك، بدأت تقرب منه ببطء، رسائل، شغل، نصائح، ثم لقاءات، أنا شوفت بعيني، سكتت دينا لحظة ثم أضافت:

وفي مرة قالتلي بالنص، ملك سامحتني مرة وهتسامحني تاني، هي طيبة لدرجة الغباء، شعرت وكأن السكين القديمة التي ظننت أن الجرح أغلق فوقها تحركت داخلي من جديد، لم تكن خيانة عابرة، لم تكن لحظة ضعف، كانت خطة طويلة من امرأة عرفت باب قلبي واستخدمته ضدي.

في تلك الليلة لم أنم، جلست على أرض الشقة، فتحت صندوقًا صغيرًا حملته معي من الفيلا، كان بداخله صور قديمة لي ولـ يارا، صورتنا في الجامعة، في عيد ميلادي، في المستشفى بجوار أبي، في يوم زفافي وهي تمسح دموعها وتحتضنني بقوة، قلبت الصور واحدة واحدة، ولم أبك هذه المرة، فقط شعرت بحزن عميق على النسخة القديمة مني، تلك التي كانت تظن أن كل من يبكي أمامها صادق، وفي الصباح وضعت الصور في كيس أسود ورميتها، لم يكن ذلك كرهًا، بل دفنًا، دفنًا لصداقة ماتت منذ سنوات لكنني كنت أرفض الاعتراف.

بدأ التحقيق يتوسع بسرعة، اكتشفت الإدارة أن كريم استغل اسمي وثقة أبي لتمرير صفقات مشبوهة، وأن يارا لم تكن المرأة الوحيدة التي تلقّت أموالًا من حسابات الحملات، كان هناك طرف ثالث، شركة صغيرة مسجلة باسم ابن خالة كريم، وكانت الأموال تتحرك بينها وبين حساب خارجي، فجأة لم تعد القضية مجرد خيانة زوجية، بل قضية اختلاس وتزوير واحتيال، وحين عرف كريم أن الأمر قد يصل للنيابة، جاء إلى شقتي وحده هذه المرة، لم يصرخ، لم يهدد، وقف أمام الباب ووجهه محطم، قال من خلف الباب: ملك، افتحي، أنا هضيع، لم أفتح، فقال: أنا غلطت، بس السجن؟ عايزاني أدخل السجن؟

وضعت يدي على الباب من الداخل وقلت: أنا ما دخلتكش الطريق ده يا كريم، إنت مشيت فيه برجليك، قال باكيًا: علشان خاطري، علشان الأيام اللي بينا، قلت: الأيام اللي بينا دفنتها في أوضة نومي، سكت طويلًا، ثم قال بصوت صغير: يارا سابتني، ابتسمت رغم ألمي، بالطبع تركته، فالفئران أول من يهرب حين تغرق السفينة، قال: قالت إنها مالهاش علاقة، وإن كل حاجة أنا اللي عملتها، وإنها كانت ضحية زيك، أغمضت عيني وشعرت بدائرة القدر تكتمل، المرأة التي باعتني تبيعه الآن، ليس حبًا في النجاة فقط، بل لأنها لا تعرف الوفاء حتى لشريك الجريمة.

بعد أسبوعين، استدعاني المحامي لتوقيع أوراق الطلاق، جلس كريم في الجهة المقابلة من الطاولة، شاحبًا، هزيلًا، كأنه كبر عشر سنوات، كان ينظر إلى يدي الخالية من الخاتم، نفس الخاتم الذي وضعته في كف يارا، لم أحضر الخاتم، لم أطلبه، لم أرد شيئًا لمس يديها، قال المحامي إن كريم مستعد للتنازل عن الفيلا مقابل عدم تصعيد بعض الاتهامات العائلية، ضحكت بهدوء وقلت: الفيلا لا تهمني، والاتهامات ليست عائلية، دي أموال شركة وحقوق ناس، نظر إليّ كريم برعب: يعني مش هتتنازلي؟ قلت: عن حقي الشخصي في الخيانة؟ أنا تجاوزته، لكن عن حق الشركة والناس؟

لا، أبي لم يربني أن أبيع العدل مقابل بيت، ضرب بكفه على الطاولة وقال: إنتي بتنتقمي، نظرت في عينيه وقلت: لا، أنا فقط توقفت عن حمايتك من نفسك.

أما يارا، فقد حاولت لعب دور الضحية ببراعة، نشرت على حساباتها كلامًا مبهمًا عن الصديقات اللواتي يتحولن إلى أعداء، وعن النساء اللواتي يستخدمن نفوذ عائلاتهن لتدمير غيرهن، بعض الناس صدقوها في البداية، فهي تعرف كيف تبكي أمام الكاميرا، وكيف تختار كلمات تجعلها تبدو مكسورة، لكن دينا لم تصمت، نشرت تسجيلًا صوتيًا ليارا وهي تضحك وتقول إن ملك لا تعرف كيف تحتفظ برجل، وإن كريم سيكون طريقها لحياة أرقى، ثم خرجت رسائل قديمة، وتحويلات، وصور من كاميرات الفيلا، وفي يوم واحد انقلب التعاطف عليها، بدأت التعليقات تنهشها كما نهشتني هي في السر لسنوات، لم أشمت، أقسم أنني لم أشمت، لكنني شعرت أن

السماء حين ترد لا تحتاج إلى صوت عال، فقط تفتح الستار في اللحظة المناسبة.
بعد شهر، دخل أبي المستشفى لإجراء فحوصات دورية، كنت أجلس بجواره حين وصلني اتصال من رقم غير معروف، ترددت ثم أجبت، كان صوت يارا، منهارًا، مبحوحًا، قالت: ملك، أرجوكِ، محتاجة أشوفك، كدت أغلق، لكنها صرخت: أرجوكِ، أنا حامل، تجمدت يدي، نظرت إلى أبي، ففهم من وجهي أن شيئًا حدث، خرجت إلى ممر المستشفى وسألتها: من كريم؟ صمتت، وكان صمتها إجابة، قالت:

هو مش عايز يعترف، وبيقول يمكن مش ابنه، ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة، ليس لأن الأمر مضحك، بل لأن العدالة أحيانًا تأتي على هيئة مرآة قاسية، قلت لها: ولماذا تتصلين بي؟ قالت: لأنك الوحيدة اللي تعرفيه، قولي له ما ينكرش ابنه، أغمضت عيني، يا لسخرية القدر، المرأة التي دخلت بيتي لتأخذ زوجي، تطلب مني الآن أن أقنعه ألا يتخلى عنها وعن طفلها، قلت لها بصوت خافت: يارا، أنا لست جسرًا تعبرين عليه كلما غرقتِ، صرخت: يعني هتسيبيني؟ قلت: كما تركتِني مرتين، لكن الفرق أنني لن أؤذيكِ، لن أكذب عليكِ، ولن أسرق منكِ شيئًا، فقط لن أنقذكِ من نتيجة أفعالك، ثم أغلقت الهاتف.

في تلك الليلة بكيت، ليس حزنًا عليها، بل حزنًا على الطفل الذي سيأتي إلى الدنيا وسط كل هذا الخراب، كنت أعرف ألم أن يدفع الأبناء ثمن خطايا الكبار، لذلك في الصباح أرسلت لها رقم محامية متخصصة في إثبات النسب وحقوق الطفل، رسالة واحدة فقط: هذا ليس من أجلك، من أجل الطفل، لم ترد، ولم أنتظر ردًا.

مرت الشهور، وبدأت حياتي تتشكل من جديد، عدت إلى عملي في الشركة لكن بشروط مختلفة، لم أعد أضع قلبي فوق عقلي، لم أعد أعتذر عن قوتي كي لا يشعر أحد بالضآلة، استأجرت شقة أوسع في الزمالك تطل على النيل، اشتريت نباتات كثيرة، ودهنت غرفة النوم بلون هادئ، لأول مرة منذ سنوات اخترت أشياء لأنني أحبها أنا، لا لأن كريم يفضلها، ولا لأن يارا قالت إن ذوقي قديم، كنت أتعلم ببطء أن الخيانة لا تسرق الحب فقط، بل تسرق من الإنسان ثقته في اختياراته، وكان عليّ أن أستعيد نفسي قطعة قطعة.

في إحدى الأمسيات، عدت من العمل فوجدت ظرفًا عند الباب، لم يكن عليه اسم مرسل، فتحته بحذر، وجدت داخله خاتم زفافي، الخاتم نفسه الذي وضعته في كف يارا، ومعه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخطها:

لم يجلب لي غير اللعنة، أمسكت الخاتم طويلًا، تذكرت لحظة خروجي من الفيلا، يدي المرتعشة، صوت ضحكتها في غرفتي، وجه كريم المذنب، ثم فتحت نافذة الشرفة، نظرت إلى النيل المظلم، ولم أرمِ الخاتم كما تفعل البطلات في الأفلام، بل وضعته في درج مغلق، ليس لأنه يعني لي شيئًا، بل لأنه دليل، دليل على أنني نجوت، وعلى أن الشيء الذي ظننته يومًا رمزًا للأمان كان مجرد دائرة ذهبية صغيرة لا تمنع رجلًا من الكذب ولا صديقة من الطعن.

بعد ستة أشهر صدر قرار بإحالة كريم وشريكه إلى المحاكمة في قضية الاختلاس والتزوير، أما يارا فقد تم استدعاؤها كشريكة في تلقي الأموال وإخفاء مصدرها، حاولت أن تدعي الجهل، لكنها وقعت على عقود، واستلمت مبالغ، واستخدمت حسابها، لم يعد البكاء ينفع، في أول جلسة رأيتهما معًا في الممر، لم يكونا حبيبين، لم يكونا حتى حليفين، كان كل منهما ينظر للآخر كأنه سبب مصيبته، كريم قال لها بغضب: إنتي اللي ورطتيني، فردت عليه:

إنت اللي وعدتني، وقفت بعيدًا أراقبهما دون أن يشعروا بي، وفهمت أخيرًا أن الخيانة لا تبني علاقة، إنها فقط تجمع شخصين فوق خراب، وحين يبدأ الخراب يهتز، يسقطان معًا.بعد الجلسة اقترب مني كريم، كان أضعف من أن يهدد، قال: هل سامحتيني؟ السؤال أربكني، ليس لأنني لم أعرف الإجابة، بل لأنني أدركت أنني لم أعد أفكر فيه بما يكفي لأكرهه، قلت: سامحتك بمعنى إني مش هفضل شايلة نارك جوايا، لكن مش هنسى، ومش همنع العدل ياخد مجراه، أطرق رأسه، وقال: وكنتِ بتحبيني؟

نظرت إليه بدهشة، كم هو أناني حتى في سقوطه، لا يريد معرفة جرحي، بل يريد أن يتأكد أنه كان محبوبًا، قلت: كنت أحب الصورة التي صدقتها عنك، أما أنت الحقيقي فأنا بالكاد أعرفك، ثم تركته ومضيت.
في نهاية العام، شُفي أبي تمامًا بحسب آخر تقرير، احتفلنا في بيت العائلة في المعادي، كان هناك ضحك حقيقي لأول مرة منذ زمن، جلست في الشرفة التي كبرت فيها، أراقب أشجار الشارع القديمة، فقال أبي: هتفضلي خايفة؟ سألته: من إيه؟ قال: من إنك تثقي في الناس تاني، صمتّ طويلًا ثم قلت: هثق، بس مش بنفس العمى، ابتسم وقال:

العمى مش طيبة يا ملك، الطيبة إنها تفتحي قلبك، والعقل إنه يكون معاكي مفتاح الباب، ضحكت، وشعرت أن شيئًا في صدري يتنفس أخيرًا.
أما يارا، فقد أنجبت طفلها بعد أشهر، سمعت الخبر من دينا، قيل إن كريم رفض الاعتراف في البداية، ثم أثبت التحليل أنه الأب، لم أذهب، لم أتصل، لكنني أرسلت صندوق ملابس للطفل دون اسم، لا أعرف إن كانت عرفت أنه مني أم لا، ولم يهمني، كنت أفعل ذلك حتى لا أصبح نسخة قاسية من الذين آذوني، فالنجاة بالنسبة لي لم تكن أن أتعلم الانتقام فقط، بل أن أظل إنسانة رغم كل شيء.

في يوم من الأيام، وأنا خارجة من مقر الشركة، رأيت يارا واقفة على الرصيف المقابل، كانت تحمل طفلها، وجهها متعب، شعرها مربوط بإهمال، ولم يبق من غرورها القديم شيء، توقفت حين رأتني، وتوقفت أنا أيضًا، لم تقترب، وأنا لم أقترب، فقط نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بكلام كثير لا فائدة منه، ربما أرادت الاعتذار، ربما أرادت تبريرًا أخيرًا، ربما أرادت أن تسأل إن كنت أنا من أرسلت الملابس، لكننا بقينا صامتتين، ثم رفعت يدها قليلًا كأنها تحيي ذكرى الصداقة القديمة، لم أرد التحية، ليس كرهًا، بل احترامًا للحدود التي تأخرت كثيرًا في وضعها، مشيت إلى سيارتي، ولأول مرة لم أشعر بثقل في

قدمي.
بعد عام كامل، وقفت أمام المرآة أرتدي فستانًا أزرق بسيطًا لحضور افتتاح فرع جديد للشركة في القاهرة الجديدة، الفرع الذي كان كريم يحلم أن يفتتحه باسمه، لكنني أنا من وقفت على منصته وألقيت الكلمة، تحدثت عن العمل، عن الثقة، عن أن الشركات لا تقوم فقط على المال بل على النزاهة، كان أبي في الصف الأول يصفق بفخر، وبعد الكلمة اقتربت مني صحفية وسألتني عن أصعب درس تعلمته في الفترة الأخيرة، ابتسمت وقلت: تعلمت أن الخسارة ليست دائمًا عقابًا، أحيانًا تكون إنقاذًا متأخرًا، وأن الله حين يكشف لك وجوه الناس لا يفعل ذلك ليكسرك، بل ليحررك.

في تلك الليلة عدت إلى شقتي، خلعت حذائي، صنعت لنفسي كوب شاي بالنعناع، وجلست أمام النافذة، لم يكن هناك أحد ينتظرني، ولا رجل يملأ البيت بكلام كاذب، ولا صديقة تضحك في المطبخ وهي تخفي خنجرًا خلف ظهرها، كان البيت هادئًا، لكنه لم يكن موحشًا، كان يشبهني، متعبًا لكنه آمن، فتحت درج المكتب، أخرجت الخاتم للمرة الأخيرة، نظرت إليه طويلًا، ثم وضعته داخل ظرف مع كل الأوراق والصور والتسجيلات، كتبت على الظرف كلمة واحدة: انتهى، وأغلقته.

لم أنتقم كما كانوا يظنون، لم أحرق العالم، لم أصرخ في الشوارع، لم ألاحقهم بالشتائم، كل ما فعلته أنني توقفت عن حماية من طعنوني، وتركت الحقيقة تمشي وحدها، والحقيقة حين مشت، داست كل الأكاذيب التي بنوها فوق قلبي.
وأما أنا، فقد بدأت من جديد، لا كضحية، ولا كزوجة مخدوعة، ولا كصديقة ساذجة، بل كامرأة عرفت قيمتها أخيرًا، امرأة نزعت خاتمًا من إصبعها فاستردت يدها كلها، أغلقت بابًا كان يؤذيها، ففتح الله لها أبوابًا لم تكن تتخيلها، وحين تذكرت دعائي تلك الليلة، وأنا أبكي في سيارتي بعد أن خرجت من الفيلا، تذكرت أنني قلت فقط:

يا رب، أنا تعبت، خد لي حقي بطريقتك، ولم ينتظر الله طويلًا، لأنه أحيانًا حين يكون الظلم واضحًا إلى هذا الحد، لا تحتاج السماء إلا لحظة واحدة لتقلب الطاولة على الجميع
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!