
الحياة بدأت تستقر بشكل غريب بعد كل العواصف اللي عدّت. بقى عندي روتين هادي للمرة الأولى من سنين. أصحى الصبح بدري، أعمل قهوتي، أفتح البلكونة على النيل، وأقعد شوية في السكون قبل ما اليوم يبدأ. حاجة بسيطة جدًا… لكنها كانت رفاهية بالنسبة لواحدة قضت عمرها كله بتجري علشان ترضي ناس تانيين. الشغل الجديد كبر بسرعة. وفرع الشركة الإماراتية بقى مسؤولية ضخمة. كان عندي مكتب في التجمع الخامس، وفريق كامل تحت إدارتي، وسفر واجتماعات، لكن الفرق الكبير إن المرة دي… ماحدش كان بياخد تعبي كأنه حق مكتسب.
كل نجاح كنت بعمله… كان ليا أنا. وفي يوم، وأنا خارجة من الشركة متأخرة، لقيت عربية كريم واقفة بره. استغربت. ركبت معاه، فبصلي وقال: — أمي تعبانة شوية… بس مرضيتش تكلمك علشان ما تقلقيش. قلبي وقع فورًا. وصلنا الفيلا بسرعة. لقيت أمي قاعدة على الكنبة، وشها شاحب لكن بتحاول تبتسم. جريت عليها: — مالك يا ماما؟ قالت بسرعة: — شوية دوخة بس. لكن خبرتي الطويلة مع التعب خلتني أعرف إنها بتكدب. أخدناها المستشفى. وبعد ساعات تحاليل وأشعة… الدكتور قال الجملة اللي قلبت الدنيا:
— فيه ورم… ولسه محتاجين نحدد إذا كان حميد ولا لأ. الهواء اختفى من حواليا. أمي بصتلي بخوف طفلة صغيرة. وأبويا قعد على الكرسي كأنه كبر عشرين سنة في لحظة. أما أنا… فاتحولت تلقائيًا للشخص اللي يشيل الكل. حجزت أكبر دكتور. دفعت التحاليل. رتبت المواعيد. حتى داليا اللي علاقتنا كانت لسه متوترة، قعدت تعيط في المطبخ وأنا بطبطب عليها. الغريب إن وقت الأزمات… القلوب الحقيقية بتبان. وفي الليلة اللي قبل العملية، دخلت أوضة أمي. كانت نايمة لكن صاحية. الأنوار خافتة. وصوت القرآن شغال واطي.
قعدت جنبها. قالت فجأة: — فاكرة لما كنتِ صغيرة وكنتِ تخافي من الضلمة؟ ابتسمت وسط القلق: — وكنتِ تسيبي النور في الطرقة مفتوح. ضحكت بهدوء. ثم بصتلي بعينين مليانين دموع: — أنا اللي بخاف دلوقتي يا مريم. مسكت إيدها فورًا. كانت ساقعة. — مفيش حاجة هتحصل. سكتت شوية. ثم قالت: — لو جرالي حاجة… أوعي تسيبي أبوكي. الجملة وجعتني. لأن حتى وهي خايفة على حياتها… لسه خايفة علينا. قلت بعصبية مخنوقة: — بطلي كلام فارغ.
ابتسمت بخفة. ثم قالت: — أنا ظلمتك كتير يا بنتي. غمضت عيني بتعب. مش علشان الكلام جديد… لكن علشان كل اعتذار منها كان بيكشف قد إيه كانت حاسة بالذنب طول الوقت. قالت بصوت متكسر: — أنا كنت فاكرة إني بحافظ على البيت… بس كنت بخسرك إنتِ. الدموع نزلت مني غصب. حضنتها بحذر علشان المحاليل. وهمست: — خلاص يا ماما… خلاص. وفي اللحظة دي… حسيت إن جزء كبير من غضبي القديم مات. تاني يوم العملية تمت.
الساعات كانت بطيئة بشكل قاتل. أبويا قاعد يسبح طول الوقت. كريم رايح جاي في الطرقة. وداليا حضنة يوسف ووشها أصفر من التوتر. أما أنا… فكنت واقفة قدام باب العمليات أحارب أفكاري. لحد ما الدكتور خرج أخيرًا. كلنا قمنا مرة واحدة. ابتسم وقال: — الورم حميد. أمي هتعيش. أبويا انهار في العياط. وكريم حضني بقوة لأول مرة من سنين. حتى داليا كانت بتبكي وهي بتقول الحمد لله. أما أنا… فأول ما اتأكدت إنها بخير… رجلي ما شالتنيش.
قعدت على الأرض أعيط بصمت. لأن الحقيقة؟ أنا كنت مرعوبة أخسرها قبل ما ألحق أصلح اللي اتكسر بينا. بعد العملية، أمي فضلت محتاجة رعاية لفترة. فنقلت شغلي مؤقتًا من البيت وقعدت معاها أيام طويلة. وفي الأيام دي… بدأت أكتشف أمي من جديد. مش الأم اللي دايمًا مشغولة ترضي الناس. لكن الست اللي اتجوزت صغيرة، وشالت مسئوليات أكبر منها، واتربت على إن البنت لازم تضحي علشان البيت ما يقعش. مرة كنا قاعدين لوحدنا وهي بتشرب الدوا، فقالت فجأة: — تعرفي إيه أكتر حاجة كنت بغير منك فيها؟
ضحكت باستغراب: — إنتِ كمان غيرتي مني؟ هزت راسها. وقالت: — إنك قدرتي تعملي اللي أنا عمري ما عرفت أعمله… إنك تقولي “لا”. الكلمة خبطتني بقوة. أمي طول عمرها ماعرفتش ترفض. لأهلها. لأبويا. للعيلة كلها. عاشت عمرها كله تحاول ترضي الكل… لحد ما نسيت نفسها. وفهمت فجأة إني كنت شايلة وجع أجيال كاملة من الستات قبل مني. وفي يوم، وأنا قاعدة في الجنينة أشتغل على اللابتوب، لقيت أبويا بيقعد جنبي. قال بعد تردد: — فيه حاجة عايز أقولها من زمان.
بصيتله مستنية. قال: — يوم ما خليتك تنامي في المخزن… أنا كنت عارف إني غلطان. اتجمدت. كمل بصوت واطي: — بس خفت أواجه كريم وداليا… وخفت البيت يتقلب مشاكل. ضحكت بمرارة: — فقلبتني أنا الضحية الأسهل. نزل عينه. — أيوه. الصراحة كانت موجعة. لكنها كانت أفضل من التبرير. قال: — أنا اتربيت إن الراجل لازم يرضي ابنه… حتى لو على حساب بنته. بس بعد اللي حصل… اكتشفت إن البنت هي اللي كانت سندي الحقيقي طول الوقت.
الدموع لمعت في عيني. لكن المرة دي ماكانش فيه غضب. بس حزن على عمر ضاع في مفاهيم غلط. وفي ليلة تانية… كنت قاعدة في أوضتي القديمة في الفيلا، لما لقيت داليا داخلة بتردد. استغربت. قالت: — ممكن أتكلم معاكي؟ قعدت قدامي وهي متوترة بشكل واضح. ثم قالت فجأة: — أنا حامل. ابتسمت تلقائيًا: — مبروك. لكنها ما ابتسمتش. قالت بخوف: — الدكتور قال الحمل فيه خطورة… ولازم راحة تامة. سكتت. ثم همست: — وأنا مرعوبة.
لأول مرة… شفتها ضعيفة فعلًا. مش الزوجة المتسلطة. ولا الست اللي بتحارب على مكانها. بس إنسانة خايفة. وقالت بعين مليانة دموع: — لو حصلي حاجة… خلي بالك من يوسف. الجملة كسرت المسافة اللي بينا فجأة. قربت منها ومسكت إيدها. وقلت: — مش هيحصلك حاجة… وأنا جنبك. وبالفعل… خلال شهور حملها، كنت معاها في كل حاجة. مواعيد دكاترة. تحاليل. حتى لما كانت تتعب بالليل، أنا اللي كنت أوديها المستشفى. وفي مرة، وهي قاعدة على السرير بتعيط من الإرهاق، قالتلي: — إنتِ ليه لسه طيبة معانا بعد كل اللي عملناه؟
فكرت شوية. ثم قلت: — علشان لو بقيت قاسية زيكم زمان… يبقى أنا كمان خسرت نفسي. الكلمة خلتها تعيط أكتر. ومع الوقت… بقينا فعلًا قريبين. مش أصحاب. لكن عيلة بتحاول تتعلم من أخطائها. أما أنا… فكنت بتغير بهدوء. بقيت أعرف أقول “لا”. أعرف أرتاح من غير إحساس بالذنب. أعرف إن قيمتي مش مرتبطة بقد إيه أتعب علشان الناس. وفي يوم مهم جدًا… وقفت قدام المراية في شقتي وأنا لابسة فستان أسود بسيط. كان عندي حفل تكريم من الشركة كأفضل مديرة إقليمية.
زمان… كنت أول حاجة أفكر فيها “مين هيكون فخور بيا؟” لكن المرة دي… وأنا ببص لنفسي… حسيت بفخر من نوع جديد. فخر إني نجوت. الحفل كان كبير. صحافة وشركات ورجال أعمال. ولما طلعت المسرح آخد الجايزة… لمحت عيلتي قاعدين في الصفوف الأولى. أمي بتعيط بفخر. أبويا واقف يسقف بحرارة. كريم بيصور بالموبايل. ويوسف بيزعق: — دي طنط مريم! ضحكت وسط دموعي. ولما مسكت الميكروفون… كل الناس استنوا كلمة نجاح تقليدية. لكن أول جملة طلعت مني كانت:
— أصعب حاجة مش إنك تبني بيت… أصعب حاجة إنك تفضل شايف قيمتك حتى لما أقرب الناس ليك ينسوها. الصالة سكتت. كملت بابتسامة هادية: — بس الحمد لله… اتعلمت متأخر إن الإنسان لازم يكون له مكان في قلب نفسه الأول… قبل أي بيت في الدنيا. التصفيق كان عالي. لكن أنا كنت ببص على عيلتي. وشفت في عيونهم حاجة عمري ما شوفتها قبل كده. احترام. مش علشان الفلوس. ولا الفيلا. ولا النجاح. علشان أخيرًا… عرفوا مين هي مريم فعلًا.
وفي آخر الليل… رجعنا الفيلا كلنا. الجو كان هادي. والفل ريحته مالية الجنينة. أبويا وقف يبص للبيت وقال: — البيت ده كان هيقع بسبب الغرور والأنانية. بصلي وابتسم: — بس بنتي هي اللي بنته… وهي اللي أنقذته. ضحكت وأنا ببص للشجر اللي زرعته زمان. وفهمت أخيرًا… إن أحيانًا ربنا بيكسرك في مكان… علشان تتعلم تبني نفسك صح في مكان تاني. وإن البنت اللي نامت يوم في مخزن… ممكن جدًا تبقى أقوى شخص في البيت كله.
يتبع
