
الفصل الثالث: الورقة اللي رجعت من الماضي وصلت الشركة الساعة الثامنة إلا ربع الصبح. كنت مرهقة. عيوني محمرة من السهر. ورأسي تقيلة من التفكير. لكن رغم كل اللي حصل، كان عندي اجتماع مهم مع الإدارة العليا. اجتماع كنت مستنياه من شهور. وأول مشروع كبير هيتسلم تحت إدارتي الجديدة. حاولت أركز. حاولت أتصرف كأن حياتي ما اتقلبتش في ليلة. لكن أول ما دخلت مبنى الشركة…
حسيت إن فيه حاجة غلط. الموظفين بيبصوا عليا بطريقة غريبة. بعضهم بيهمس. وبعضهم بيبعد عينه بسرعة لما يلاقيني باصة ناحيته. وصلت مكتبي. لقيت السكرتيرة مها واقفة قدام الباب. وشها متوتر. أول ما شافتني قالت: “أستاذة سارة… في حد مستني حضرتك من الصبح.” استغربت. “مين؟” اترددت ثواني. ثم قالت: “الأستاذ كريم.” تجمدت. كريم. الاسم لوحده رجعني عشر سنين لورا.
— قبل هشام. وقبل الجواز. وقبل كل حاجة. كان فيه كريم. أول حب في حياتي. وأول راجل فكرت أكمل عمري معاه. كنا مخطوبين. وكان مشروع مهندس ناجح. لكن في آخر لحظة… اختفى. بدون تفسير. بدون مواجهة. بدون حتى كلمة وداع. بعدها بشهور عرفت إنه سافر الخليج. وباع كل حاجة. واختفى من حياتي. ومن يومها ما شفتوش. —
قالت مها: “أدخله؟” بلعت ريقي. “هو هنا من إمتى؟” “من سبعة الصبح.” قلبي بدأ يدق بعنف. ليه دلوقتي؟ بعد كل السنين دي؟ فتحت الباب. ودخلت. وكان هو هناك. واقف قدام الشباك. أكبر شوية. فيه شوية شعر أبيض. لكن نفس الملامح. ونفس النظرة. استدار لما سمع الباب. واتقابلت عيوننا لأول مرة من عشر سنين. — ساد صمت طويل.
هو اللي كسره. “إزيك يا سارة؟” ضحكت بمرارة. “جاي تسأل دلوقتي؟” خفض عينيه. واضح إنه كان متوقع الاستقبال ده. قال: “أنا مستحقش حتى تسمعي مني.” قلت: “أيوه.” وسكت. ثم أضفت: “بس ده ما جاوبش على سؤالي.” تنهد. وأخرج ملف من الشنطة اللي معاه. وحطه قدامي. “أنا مش جاي علشان الماضي.” بصيت للملف. أمال جاي ليه؟” قال:
“علشان مستقبلك.” — فتحت الملف. وفي اللحظة اللي شفت فيها أول ورقة… شعرت ببرودة تسري في جسمي كله. كانت صورة عقد. عقد بيع. باسمي. وتوقيعي. لكنني لم أوقعه أبدًا. قربت الورقة من عيني. وأدركت الحقيقة. حد زور توقيعي. — رفعت رأسي بسرعة. “إيه ده؟” قال كريم: “محاولة استيلاء على حصتك في الشركة.” تجمدت. “إيه؟”
قال: “في مجموعة مستثمرين بتحاول تستحوذ على المشروع الجديد.” ثم أضاف: “وحد من جوا الشركة بيساعدهم.” — جلست ببطء. كل حاجة بدأت تلف حولي. شقة. طلاق شبه مؤكد. حماتي. هشام. ثم فجأة… تزوير. وشركة. ومؤامرة جديدة. — سألته: “وأنت عرفت منين؟” سكت لحظة. ثم قال: “لأني شغال معاهم.” شعرت وكأن أحدهم ضربني. “إيه؟”
قال بسرعة: “كنت.” ثم أكمل: “ولما عرفت إنهم ناويين يضروكي انسحبت.” — بصيتله طويلاً. مش عارفة أصدقه. ولا أكذبه. لكن حاجة واحدة كانت واضحة. الأوراق حقيقية. والتوقيع مزور. وفي حد بيحاول يوقعني. — في نفس اللحظة… رن هاتفي. كان رقم غريب. رديت. وجالي صوت مألوف جدًا. صوت حماتي. لكنها ما كانتش لوحدها. كان فيه شخص بيتكلم جنبها.
شخص أول ما سمعت صوته… اتجمد الدم في عروقي. لأنه كان صوت خالي. الراجل الوحيد من عيلة أمي اللي ما شفتوش من يوم وفاة أمي. واللي كان بينه وبين أمي مشاكل على الميراث سنين طويلة. سمعته بيقول: “قولتلِك يا أم هشام… سيبي الموضوع عليا.” ثم ضحك. “سارة هترجع غصب عنها.” انقطع الخط. لكن الرسالة وصلت. حماتي ما استسلمتش. والحرب الحقيقية لسه ما بدأتش.
يتبع… الفصل الرابع: اللي كان مستخبي ورا الستار فضلت ماسكة الموبايل بعد ما المكالمة اتقفلت. إيدي كانت ساقعة. وقلبي بيدق بعنف. خالي. بعد كل السنين دي. ظهر فجأة. ومع مين؟ مع حماتي. كأن الدنيا كلها قررت تتجمع ضدي في نفس الوقت. — رفع كريم عينه ناحيتي.


