
مرت الشهور التالية بهدوء لم تعتد عليه ياسمين.
هدوء غريب.
وكأن الحياة التي كانت تحاربها طوال السنوات الماضية قررت أخيرًا أن تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها.
آدم لم يحاول استعجال شيء.
لم يطلب العودة إليها.
ولم يضغط عليها.
ولم يستغل حب عمر له.
كان فقط يفي بوعده.
كل أسبوع.
كل يوم تقريبًا.
كل اتصال.
كل مناسبة.
كان موجودًا.
وعمر بدأ يتعلق به أكثر فأكثر.
في صباح أحد الأيام.
كانت ياسمين تحضر الإفطار.
بينما كان عمر يجلس على الطاولة يرسم.
وفجأة قال:
“ماما.”
“نعم؟”
“لما اتولدت… بابا كان فين؟”
توقفت يدها فوق كوب الشاي.
ذلك السؤال الذي كانت تعرف أنه سيأتي يومًا.
لكنها لم تكن مستعدة له.
قبل أن تجيب دخل آدم من الباب.
كان قد أحضر بعض الحلوى لعمر قبل المدرسة.
وسمع السؤال.
فتجمد مكانه.
أما عمر فكرر:
“بابا كان فين؟”
ساد الصمت.
ثم تقدم آدم ببطء.
ووضع الحلوى على الطاولة.
وجلس أمام ابنه.
وقال:
“كنت بعيد.”
سأل عمر:
“ليه؟”
نظر آدم إلى ياسمين.
ثم عاد بعينيه إلى الطفل.
وأجاب بالحقيقة كاملة:
“لأني غلطت.”
“غلطت إزاي؟”
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
“جرحت مامتك.”
صمت عمر.
“جامد؟”
أومأ آدم.
“جامد جدًا.”
“عشان كده مشيت؟”
هز رأسه.
“آه.”
ظل الطفل يفكر لثوانٍ طويلة.
ثم قال:
“يعني ماما كانت زعلانة منك؟”
“آه.”
“وأنت زعلان دلوقتي؟”
ابتسم آدم بحزن.
“كل يوم.”
فكر عمر مرة أخرى.
ثم قال شيئًا لم يتوقعه أحد.
“يبقى لازم تعوضها.”
كادت ياسمين تضحك.
أما آدم فقال:
“بحاول.”
رد عمر بثقة:
“يبقى حاول أكتر.”
في تلك الليلة.
بعد أن نام عمر.
وقفت ياسمين في الشرفة.
وكان البحر هادئًا كعادته.
فخرج آدم ولحق بها.
وقف بجوارها.
دون أن يقترب أكثر من اللازم.
ودون أن يتكلم.
حتى قالت هي:
“شكراً.”
نظر إليها باستغراب.
“على إيه؟”
“إنك قلت الحقيقة.”
ابتسم بخفة.
“لأول مرة الحقيقة أسهل من الكذب.”
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
“أنا كنت متخيلة إني لما أشوفك تاني هكرهك.”
التفت إليها.
“وبعدين؟”
تنهدت.
“طلع الموضوع أعقد من كده.”
أخفض رأسه.
لأنه فهم.
بعض المشاعر لا تموت.
لكنها تتغير.
تتعب.
تتشوه.
ثم تعود بشكل مختلف.
بعد أسبوعين.
حدث شيء لم يتوقعه أحد.
كانت عائلة المنصوري تقيم حفلاً كبيرًا في القاهرة.
احتفالًا بإطلاق مشروع جديد.
دعوات لرجال أعمال.
وشخصيات مهمة.
وصحافة.
كالعادة.
لكن هذه المرة حدث شيء مختلف.
لأول مرة منذ سنوات.
رفض آدم حضور الحفل.
حتى اتصلت به عمته نادية بنفسها.
نفس المرأة التي كانت سببًا في كل شيء.
قالت بغضب:
“يعني هتحرج العيلة كلها؟”
أجاب بهدوء:
“لا.”
“أمال؟”
“هحضر.”
تنفست براحة.
لكنها لم تكن تعرف ما سيأتي.
في مساء الحفل.
امتلأت القاعة بالضيوف.
والكاميرات.
والتصفيق.
وصعد آدم إلى المنصة.
وألقى كلمته المعتادة.
عن النجاح.
والاستثمار.
والمستقبل.
ثم توقف فجأة.
وقال:
“بس قبل ما أنهي كلامي…”
ساد الصمت.
وأكمل:
“في اعتذار لازم أقوله.”
بدأ الحضور يتبادل النظرات.
أما نادية فشعرت بالقلق.
ثم قال آدم أمام الجميع:
“من سنين طويلة ظلمت إنسانة كانت تستحق الاحترام أكتر من أي شخص موجود هنا.”
شحب وجه عمته.
وأكمل:
“وخسرت بسبب غروري أكبر نعمة ممكن ربنا يرزق بيها أي راجل.”
القاعة كلها كانت تنصت.
أما نادية فبدأت تفهم.
متأخرة جدًا.
ثم رفع آدم رأسه.
وقال بوضوح:
“ابني.”
تجمدت القاعة.
وسقطت الأكواب من أيدي بعض الحضور.
أما نادية فجلست مكانها كأن أحدهم صفعها.
وأكمل آدم:
“النهارده أنا فخور إني أب.”
ثم أضاف:
“وفخور أكتر بأم ابني.”
وفي الصفوف الخلفية.
كانت ياسمين واقفة.
لم تكن تنوي الحضور أصلًا.
لكنها جاءت في اللحظة الأخيرة.
وبجوارها عمر.
الذي كان يمسك يدها.
وينظر إلى المنصة بفخر.
ثم صرخ فجأة بأعلى صوته:
“ده بابا!”
انفجرت القاعة بالضحك.
وتحول التوتر إلى تصفيق.
أما آدم.
فابتسم لأول مرة دون خوف.
لأن ابنه لم يعد سرًا.
ولأن المرأة التي أحبها لم تعد شيئًا يخجل منه.
بل أصبحت الشيء الوحيد الذي يفتخر بأنه خسره يومًا…
ثم قضى سنوات عمره يحاول استعادته.
وكانت تلك بداية فصل جديد.
ليس لأن الماضي اختفى.
بل لأنهم أخيرًا توقفوا عن الهروب منه.
